قسمة11

 

10- و قال ابن إدريس (المتوفّی سنة 595 ه) في كتاب الجهاد من السرائر:

الكفّار علی ثلاثة أضرب: أهل كتاب، و هم اليهود و النصاری، فهؤلاء يجوز إقرارهم علی دينهم ببذل الجزية. و من له شبهة كتاب فهم المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب، يقرّون أيضا علی دينهم ببذل الجزية. و من لا كتاب له و لا شبهة كتاب- و هم من عدا هؤلاء الثلاثة الأصناف، من عبّاد الأصنام و الأوثان و الكواكب و غيرهم- فلا يقرّون علی دينهم ببذل الجزية. و متی امتنع أهل الكتاب و من له شبهة كتاب من بذل الجزية كان حكمهم حكم غيرهم من الكفّار في وجوب قتالهم و سبي ذراريهم و نسائهم و أموالهم، و تكون فيئا «1».

فهو قدّس سرّه قد اكتفی بذكر اختصاص الجزية بخصوص الأصناف الثلاثة و بأنّ غيرهم من الكفّار يجب قتالهم و سبي ذراريهم و نسائهم و أخذ أموالهم. و لم يتعرّض لأنّ في من اخذ منه الجزية شرطا و لا لمصرف الجزية.

و قال قدّس سرّه في باب الجزية و أحكامها من كتاب الزكاة: الجزية واجبة علی أهل الكتاب و من حكمه حكمهم ممّن أبی منهم الإسلام و أذعن بها و التزم أحكامها، فأهل الكتاب اليهود و النصاری، و من حكمه حكمهم المجوس. و هي واجبة علی جميع الأصناف المذكورة إذا كانوا بشرائط المكلّفين، و يسقط عن الصبيان و المجانين و البله و النساء منهم، فأمّا من عدا الأصناف المذكورة الثلاثة فليس يجوز أن يقبل منهم إلّا الإسلام أو القتل «2».

فقد صرّح باختصاص الجزية بخصوص أهل الكتاب بمعنی الأصناف الثلاثة و بأنّها لا تتعلّق بالصبيان و لا بالمجانين و لا بالبله و لا بالنساء منهم.

و قال قدّس سرّه أيضا: و الفقير الّذي لا شي‏ء معه يجب عليه الجزية، لأنّه لا دليل علی إسقاطها عنه، و عموم الآية يقتضيه، ثمّ ينظر فإن لم يقدر علی الأداء كانت في ذمّته فإذا استغنی اخذت منه الجزية من يوم ضمنها و عقد العقد له بعد أن يحول عليه الحول. هذا قول شيخنا أبي جعفر في مبسوطه. و قال في مسائل الخلاف: «لا شي‏ء

                       

عليه» و استدلّ بقوله تعالی: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. و ما ذكره في مبسوطه أقوی و أظهر. ولي في ذلك نظر «1».

فنقل قولي الشيخ في المبسوط و الخلاف، و قوّی المبسوط أوّلا ثمّ توقّف في المسألة.

و قال قدّس سرّه: كان المستحقّ للجزية علی عهد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله المهاجرين دون غيرهم علی ما روي، و هي اليوم لمن قام مقامهم مع الإمام في نصرة الإسلام و الذبّ عنه و لمن يراه الإمام من الفقراء و المساكين من سائر المسلمين 2.

11- و قد تعرّض المحقّق قدّس سرّه للمسألة في الشرائع و المختصر النافع:

ألف: فقال في كتاب الجهاد من الشرائع: الركن الثالث في أحكام أهل الذمّة، و النظر في امور، الأوّل: من تؤخذ منه الجزية، تؤخذ ممّن يقرّ علی دينه؛ و هم اليهود و النصاری و من له شبهة كتاب و هم المجوس، و لا يقبل من غيرهم إلّا الإسلام، و الفرق الثلاث إذا التزموا شرائط الذمّة أقرّوا سواء كانوا عربا أو عجما ...

و لا يؤخذ الجزية من الصبيان و المجانين و النساء، و هل تسقط عن الهمّ؟ قيل: نعم، و هو المروي، و قيل: لا، و قيل: تسقط عن المملوك، و تؤخذ من عدا هؤلاء و لو كانوا رهبانا أو مقعدين، و تجب علی الفقير و ينتظر بها حتّی يوسر.

أقول: فهو قدّس سرّه صرّح باختصاص الجزية بالطوائف الثلاث و أنّه لا يقبل من سائر الكفّار إلّا الإسلام و معناه أنّه يجب قتالهم و قتلهم إلی أن يسلموا، و قد ذكر شرائط اخر في من تؤخذ الجزية منهم كما تری، إلّا أنّه لم يتعرّض لبيان مصرف الجزية.

ب: و قال في جهاد المختصر النافع: الثاني [يعني ممّن يجب جهادهم‏] أهل الكتاب، و البحث فيمن تؤخذ الجزية منه و كمّيتها و شرائط الذمّة. و هي تؤخذ من اليهود و النصاری و ممّن له شبهة كتاب و هم المجوس. و يقاتل هؤلاء كما يقاتل أهل الحرب حتّی ينقادوا لشرائط الذمّة فهناك يقرّون علی معتقدهم، و لا تؤخذ الجزية من الصبيان و المجانين و النساء و البله و الهمّ علی الأظهر ... و الأولی أن لا

                       

يقدّر الجزية فإنّه أنسب بالصغار و كان عليّ عليه السّلام يأخذ من الغني ثمانية و أربعين درهما و من المتوسط أربعة و عشرين درهما و من الفقير اثني عشر درهما لاقتضاء المصلحة لا توظيفا لازما- إلی أن قال:- مسألتان: ... الثانية: يستحقّ الجزية من قام مقام المهاجرين في الذبّ عن الإسلام من المسلمين.

و مفاده كالشرائع إلّا أنّه زاد عليه ذكر مصرف الجزية و أنّها تختصّ بمن قام مقام المهاجرين.

12- و قد تعرّض العلّامة الحلّي قدّس سرّه للمسألة في كتبه نذكر منها ما يلي:

ألف: قال في كتاب الجهاد من الإرشاد: المقصد الرابع في أحكام أهل الذمّة و البغاة، و فيه مطلبان، الأوّل: اليهود و النصاری و المجوس إذا التزموا بشرائط الذمّة أقرّوا علی دينهم و تؤخذ منهم الجزية ... و تسقط الجزية عن الصبيان و المجانين و النساء و المملوك ... و مستحقّها المجاهدون «1».

و مفاده كما تری بيان اختصاص الجزية بخصوص من وجد الشرائط المذكورة من الطوائف الثلاث، و بيان أنّ مصرف الجزية المجاهدون.

ب: و قال في جهاد قواعد الأحكام: المقصد الثاني فيمن يجب قتاله، و هم ثلاثة، الأوّل: الحربيّ، و هو غير اليهود و النصاری و المجوس من سائر أصناف الكفّار، سواء اعتقد معبودا غير اللّه تعالی كالشمس و الوثن و النجوم أو لم يعتقد كالدهري، و هؤلاء لا يقبل منهم إلّا الإسلام، فإن امتنعوا قوتلوا إلی أن يسلموا أو يقتلوا، و لا يقبل منهم بذل الجزية. الثاني: الذمّي، و هو من كان من اليهود و النصاری و المجوس إذا خرجوا عن شرائط الذمّة الآتية، فإن التزموا بها لم يجز قتالهم- ثمّ ذكر بعد ذكر البغاة شرائط الذمّة- «2».

و قال- في المقصد الرابع الّذي هو في ترك القتال-: الفصل الثاني في عقد الجزية، و فيه مطالب: الأوّل المعقود له، و هو كلّ ذمّي بالغ عاقل حرّ ذكر متأهّب للقتال ملتزم بشرائط الذمّة السابقة، فالذمّي يشمل من له كتاب كاليهود و النصاری و من‏

                       

له شبهة كتاب كالمجوس، و الصبي و المجنون و العبد و المرأة أتباع لا جزية عليهم، و تسقط عن الهمّ علی رأي، و تؤخذ ممّن عداهم و إن كانوا رهبانا أو مقعدين «1».

فقد ذكر في الفقرة الاولی من كلامه وجوب قتال الطوائف الثلاث إذا لم يلتزموا بشرائط الذمّة الّتي منها قبول الجزية و قتال غيرهم من الكفّار و قتلهم إلی أن يسلموا و لا تقبل منهم جزية. و في الفقرة الثانية ذكر شرائط اخر لمن تؤخذ منه الجزية كما تری. و لم يتعرّض لمصرف الجزية، لكنّه تعرّض لمصرفها في خاتمة بحث المهادنة فقال: و ما يؤخذ صلحا أو جزية فهو للمجاهدين، و مع عدمهم لفقراء المسلمين 2.

ج- و قال في التذكرة في كتاب الجهاد: الجزية هي المال المأخوذ من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام في كلّ عام، و هي واجبة بالنصّ و الإجماع ...

و لا خلاف بين المسلمين في ذلك ... «3».

ثمّ قال قدّس سرّه: و تعقد الجزية لكلّ كتابي عاقل بالغ ذكر، و نعني بالكتابي من له كتاب حقيقة و هم اليهود و النصاری، و من له شبهة كتاب و هم المجوس، فتؤخذ الجزية من هؤلاء الأصناف الثلاثة بإجماع علماء الإسلام قديما و حديثا ... و تؤخذ الجزية من جميع اليهود و جميع النصاری ... سواء كانوا عربا أو عجما في قول علمائنا أجمع ... و قال أبو يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب، و الإجماع يبطله ... «4».

و قال أيضا: المجوس تؤخذ منهم الجزية كاليهود و النصاری إجماعا. ثمّ استدلّ له بروايات من طريق العامّة و الخاصّة «5».

ثمّ قال: لا يقبل من غير الأصناف الثلاثة من الكفّار إلّا الإسلام، فلو بذل عبّاد الأصنام و النيران و الشمس الجزية لم تقبل، سواء العرب و العجم، و به قال الشافعي، لقوله تعالی: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ خرج منهم الثلاثة لنصّ خاصّ و فيبقی الباقي علی عمومه، و ما رواه العامّة عن النبيّ صلّی اللّه عليه و آله: «امرت أن اقاتل الناس حتّی يقولوا لا إله إلّا اللّه»: و استدلّ من طريق الخاصة بحديث الأسياف الخمسة «6».

                       

ثمّ قال رحمه اللّه: من عدا اليهود و النصاری و المجوس لا يقرّون بالجزية، بل لا يقبل منهم إلّا الإسلام و إن كان لهم كتاب كصحف إبراهيم و صحف آدم و إدريس و شيث و زبور داود و هو أحد قولي الشافعي، لأنّها ليست كتبا منزلة علی ما قيل بل هي وحي يوحی، و لأنّها مشتملة علی مواعظ لا علی أحكام مشروعة ... قال ابن الجنيد من علمائنا: الصابئون تؤخذ منهم الجزية و يقرّون عليها كاليهود و النصاری، و هو أحد قولي الشافعي بناء علی أنّهم من أهل الكتاب، و إنّما يخالفونهم في فروع المسائل لا في اصولها ... «1».

و قال قدّس سرّه: اختلف علماؤنا في الفقير، فقال الشيخ: لا تسقط عنه الجزية بل ينظر بها إلی وقت يساره، و يؤخذ منه حينئذ ما يقرّر عليه في كلّ عام حال فقره ...

و قال المفيد و ابن الجنيد منّا: لا جزية عليه ... «2».

ثمّ قال: و تسقط الجزية عن الصبي إجماعا. و استدلّ له برواية حفص بن غياث «3».

و قال قدّس سرّه: الجزية تسقط عن المجنون المطبق إجماعا، لقوله عليه السّلام: «رفع القلم عن ثلاثة ... و المجنون حتّی يفيق» ... و لو كان المجنون غير مطبق- فذكر فيه احتمالين- «4».

ثمّ قال قدّس سرّه: لا تؤخذ الجزية من النساء إجماعا، لقوله عليه السّلام: «خذ من كلّ حالم» خصّ الذكر به، و من طريق الخاصّة قول الصادق عليه السّلام: «إنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله نهی عن قتل النساء» .... «5».

ثمّ قال قدّس سرّه: تؤخذ الجزية من الشيخ الفاني و الزمن- و هو أحد قولي الشافعي- للعموم، و الثاني للشافعي: لا تؤاخذ.

و في رواية حفص عن الصادق عليه السّلام أنّها تسقط عن المقعد و الشيخ الفاني و المرأة و الولدان. قال الشيخ: و لو وقعوا في الأسر جاز للإمام قتلهم. و الأعمی مساو لهما علی‏

                       

الأقرب. و تؤخذ من أهل الصوامع و الرهبان و هو أحد قولي الشافعي للعموم ...»

.

ثمّ قال: رحمه اللّه: اختلف علماؤنا في ايجاب الجزية علی المملوك؛ فالمشهور عدم وجوبها عليهم، و هو قول العامّة بأسرهم ... و قال قوم: لا تسقط، لقول الباقر عليه السّلام- فذكر خبرا قد اخرج عن الفقيه: ج 2 الرقم 29/ 106- «2».

أقول: فهو قدّس سرّه في هذه المسائل أفاد أن الكفّار من غير الطوائف الثلاث يقاتلون إلی أن يسلموا، و أمّا هذه الطوائف فتؤخذ منهم الجزية بشرط أن يكون فيهم أوصافا و قد عرفت تفصيل المقال فيها.

و قال بعد ختم المسألة 181: تذنيب، مصرف الجزية هو مصرف الغنيمة سواء، لأنّه مال اخذ بالقهر و الغلبة فكان مصرفه المجاهدين كغنيمة دار الحرب «3».

د: و قد تعرّض في كتاب الجهاد من المنتهی للمسألة قريبا ممّا في التذكرة في ضمن مسائل، فقال:

مسألة: الجزية هي الوظيفة المأخوذة من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام في كلّ عام ... فالجزية واجبة بالنصّ و الاجماع (ثمّ ذكر الاستدلال بآية التوبة و بالروايات. ثمّ قال:) و لا خلاف بين المسلمين في أخذ الجزية علی الإجمال «4».

مسألة: و تعقد الجزية لكلّ كتابي عاقل بالغ ذكر، و نعني بالكتابي من له كتاب حقيقة و هم اليهود و النصاری و من له شبهة كتاب و هم المجوس، فتؤخذ من هؤلاء الأصناف الثلاثة بلا خلاف بين العلماء، فإنّ الصحابة أجمعوا علی ذلك و عمل به الفقهاء القدماء و من بعدهم إلی زماننا هذا في جميع الأزمان، عملا بالآيات الدالّة علی أخذ الجزية و الأحاديث المتقدّمة و فعل النبيّ صلّی اللّه عليه و آله ذلك و أخذ الجزية من مجوس نجران ... 5.

مسألة: و لا يقبل من غير الأصناف الثلاثة من سائر فرق الكفّار إلّا الإسلام، فلو بذلوا الجزية لم تقبل منهم، كعبّاد الأوثان و الأصنام و الأحجار و النيران و الشمس‏

                       

و غير ذلك من غير اليهود و النصاری و المجوس من العرب و العجم- ثمّ ذكر أقوال العامّة، ثمّ استدلّ لإثبات مدّعاه بالأخبار المروية من طرق العامّة و الخاصّة «1».

مسألة: و تؤخذ الجزية من أهل الكتابين التوراة و الإنجيل، فأهل التوراة هم اليهود و أهل الإنجيل هم النصاری ... سواء كانوا عربا أو عجما في قول علمائنا أجمع ... 2.

مسألة: و المجوس منهم من اخذ منهم الجزية كما قلناه في اليهود و النصاری، بلا خلاف بين علماء الإسلام في ذلك (ثمّ ذكر الروايات الدالّة علی أنّهم أهل الكتاب و تؤخذ منهم الجزية من طريق العامّة و الخاصّة) 3.

مسألة: و علماء اليهود و النصاری و المجوس لا يقرّون بالجزية، و لا يقبل منهم إلّا الإسلام و إن كان لهم كتاب كصحف إبراهيم و صحف آدم و إدريس و زبور داود علی نبيّنا و آله و عليهم السلام، و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر: يقرّون بالجزية. لنا أنّها ليست كتبا منزلة- علی ما قيل- و إنّما هي وحي يوحی ... سلّمنا أنّها منزلة لكنّها قد اشتملت علی مواعظ لا غير، و ليس فيها أحكام مشروعة فلم يكن لها حرمة الكتب المشروعة ... 4.

مسألة: قال ابن الجنيد: الصابئون تؤخذ منهم الجزية و يقرّون عليها كاليهود و النصاری (ثمّ قال بعد نقل أقوال العامّة ما حاصله: إنّهم لو كانوا من أهل التوراة أو الإنجيل تقبل الجزية منهم، و إلّا فلا) 5.

مسألة: و في سقوط الجزية عن الفقير منهم لعلمائنا قولان: أشهرهما أنّها لا تسقط، اختاره الشيخ رحمه اللّه بل ينظر إلی وقت يساره و تؤخذ منه كلّ ما قرّر عليه في حال عام فقره ... و قال المفيد و ابن الجنيد: لا جزية عليه ... لنا عموم قوله تعالی: حَتَّی يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ يعني حتّی يلزموا بالإعطاء و هو عامّ ... 6.

مسألة: و تسقط الجزية عن الصبيّ و هو قول عامّة أهل العلم لا نعرف فيه خلافا (و استدلّ له بالأخبار المروية عن طرق العامّة و الخاصّة- أعني‏

                       

خبر حفص ابن غياث «1» و بوجوه اخر) «2».

مسألة: و تسقط عن المجنون المطبق إجماعا لقوله صلّی اللّه عليه و آله: «رفع القلم عن ثلاث:

عن الصبيّ حتّی يبلغ، و عن المجنون حتّی يفيق ... و لما رواه الشيخ عن طلحة ابن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: جرت السنّة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه و لا من المغلوب علی عقله، و لأنّه محقون الدم .. فلا مقتضی لوجوب الجزية.

فرع: لو كان جنونه غير مطبق لم يخل من أحوال ثلاثة (فذكر احتمالات كلّ منها) 3.

مسألة: و لا تؤخذ الجزية من النساء، و هو مذهب عامّة العلماء (فاستدلّ بأخبار من العامّة و الخاصّة و بأنّ الجزية تؤخذ لحقن الدماء) و النساء يحقنون فلا جزية عليهم، و لا نعرف فيه خلافا 4.

مسألة: و اختلف علماؤنا في إيجاب الجزية علی المملوك، فالمشهور عدم وجوبها عليه، ذهب إليه الشيخ رحمه اللّه و هو قول الجمهور كافّة، و قال آخرون: لا تسقط عنهم الجزية، احتجّ الشيخ بما روي عن النبيّ صلّی اللّه عليه و آله أنّه قال: لا جزية علی العبد. و لأنّ العبد مال فلا تؤخذ منه الجزية كغيره من الحيوان (ثمّ ذكر استدلال الآخرين بخبر عامي 5 و بخبر أبي الدرداء «6» عن الباقر عليه السّلام ...) 7.

مسألة: مصرف الجزية مصرف الغنيمة سواء، للمجاهدين، و كذلك ما يؤخذ منهم علی وجه المعاوضة لدخول بلاد الإسلام، لأنّه مأخوذ من أهل الشرك، و روی الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام [فذكر صحيحة التهذيب الآتية، ثمّ قال:] و لأنّه مال أخذ بالقهر و الغلبة، فيكون مصرفه المجاهدين كالغنيمة في دار الحرب 8.

أقول: فهو قدّس سرّه أفاد في هذا الكتاب أيضا أنّ القتال مع غير الطوائف الثلاث‏

                       

واجب إلی أن يسلموا و لا تقبل منهم جزية، و أمّا هذه الطوائف فيقاتلون إلی أن يسلموا أو يعطوا الجزية، و لمن يقبل منهم الجزية شرائط ذكرها بالتفصيل و لأنّ مصرف الجزية المجاهدون كما أفاده في الإرشاد و التذكرة علی ما عرفت.

ه- و قد تعرّض للمسألة أيضا في مختلف الشيعة و لا بأس بذكر كلامه فيه لاشتماله علی مختلف أقوال الأصحاب، فقال: مسألة: تقبل الجزية ممّن له كتاب و هم اليهود و النصاری إجماعا. و المشهور أنّ المجوس حكمهم حكمهم و إن لم يكونوا أهل كتاب بل لهم شبهة كتاب، و ذلك أنّ المجوس كان لهم كتاب فرفع عنهم، هذا هو المشهور ذهب إليه الشيخان و أبو الصلاح و ابن الجنيد و ابن البرّاج و سلّار و ابن إدريس. و قال ابن أبي عقيل: «الحكم في المشركين حكمان: فمن كان منهم من أهل الكتاب و هم اليهود و النصاری فإنّهم يقاتلون حتّی يعطوا الجزية أو يسلموا، فإن أعطوا الجزية قبلت منهم. و من كان من المشركين من غير أهل الكتاب قوتلوا حتّی يسلموا، فإن أعطوا الجزية لم تقبل منهم». و لم يذكر حكم المجوس بالنصوصية، و الظاهر من كلامه هذا أنّ حكمهم مخالف لأهل الكتاب (ثمّ ذكر وجه قول المشهور الّذي اختاره و وجه قول ابن أبي عقيل و ردّه) «1».

مسألة: قال ابن الجنيد: لا أعلم خلافا أنّ من أعطی الجزية من كفّار أهل الكتاب من غير العرب ... أنّه واجب أخذ ذلك منه و إقراره علی ما كان يدين به قبل الأمر من اللّه عزّ و جلّ بقتال المشركين سواء كانوا يهودا أو نصاری أو مجوسا أو صابئين، فيجوز أخذ الجزية من الصابئة. ثمّ ذكر عبارة مقنعة المفيد و كلام مبسوط الشيخ بعدم جواز أخذ الجزية من الصابئة و اختاره و استدلّ عليه بعموم الكتاب 2.

مسألة: للشيخ في ايجاب الجزية علی الفقير قولان، أحدهما الوجوب، و ينظر بها إذا لم يكن معه شي‏ء إلی وقت مكنته، فإذا استغنی اخذت منه الجزية من يوم ضمنها و عقد العقد له بعد أن يحول عليه الحول. و قال في الخلاف بعدم الوجوب و هو اختيار ابن الجنيد. و الظاهر من كلام المفيد و سلّار و ابن حمزة و أبي الصلاح‏

                       

الأوّل. و قوّی ابن إدريس الأوّل ثمّ تردّد بعد ذلك و قال عقيب ما نقل عن الشيخ في الخلاف: «ولي فيه نظر». و الأقرب عندي ما ذكره في المبسوط «1».

مسألة: المشهور أنّ الجزية تسقط عن المماليك و هو قول أبي الصلاح، و روی ابن الجنيد و ابن بابويه في كتابيهما عن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية؟ قال: نعم، قال: فيؤدّي عنه مولاه المسلم الجزية؟ قال:

نعم، إنّما هو ماله يفتديه إذا أخذ فيؤدّي عنه. و روی ابن الجنيد قال: في كتاب النبيّ صلّی اللّه عليه و آله لمعاذ و عمرو بن حمران أخذ الجزية من العبد ... 2.

مسألة: قال ابن الجنيد: «لا تؤخذ الجزية من مغلوب مطبق علی عقله، و كلّ ممنوع من قتله في دار الحرب فلا جزية عليهم كالنساء و غيرهم ممّن ذكرنا في كتاب الجهاد». مع أنّه قال في كتاب الجهاد: «و لا يقتل منهم شيخ فإن و لا صبيّ و لا امرأة و لا راهب في صومعة أو حيث قد حبس نفسه فيه، و الأعمی و المقعد الزمن الّذي لا حراك به لا يقتل». و قال الشيخ في المبسوط: و الشيخ الفاني و الزمن و أهل الصوامع و الرهبان الّذين لا قتال لهم و لا رأي تؤخذ منهم الجزية، لعموم الآية، و قد روی أنّه لا جزية عليهم. و كذا إن وقعوا في الأسر جاز للإمام قتلهم «3».

و قال في الخلاف: الشيوخ الهرمی و أصحاب الصوامع و الرهبان يؤخذ منهم الجزية، و في أصحابنا من قال: لا يؤخذ منهم الجزية «4». و قال أبو الصلاح: لا يجب علی ذوي العاهات من فقرائهم «5». و الظاهر من كلام ابن البرّاج و ابن حمزة ايجاب الجزية عليهم لكنّ ابن حمزة أسقطها عن السفيه المفسد لدينه أو ماله. و الأقرب الوجوب ... «6».

فهو قدّس سرّه قد نقل أقوال الأصحاب المختلفة في المسائل المذكورة و نستفيد منه إن شاء اللّه تعالی عند البحث عنها و منه تعالی التوفيق.

فالمستفاد من كلمات هؤلاء الأعاظم قدّس سرّه أنّ أخذ الجزية واجبة من طوائف‏

                       

ثلاثة- أعني اليهود و النصاری و المجوس- و هذا ممّا لم يكن بينهم خلاف، و أنّه لا يجوز أخذها من غيرهم علی خلاف ما في الصابئة، و أنّه يشترط فيمن تؤخذ منه الجزية شرائط اخر بعضها اتفاقي و بعضها محلّ خلاف، و أنّ مصرف الجزية المجاهدون و من قام مقامهم في نصرة الإسلام علی كلام في الاختصاص بهم من بعض. فهذه المسائل لا بدّ من البحث عنها و عمّا تقتضيه الأدلّة المعتبرة فيها فنقول:

 [هنا مسائل‏]

 [1- وجوب أداء الجزية علی الكفّار و وجوب أخذها منهم‏]

المسألة الاولی أنّ أخذ الجزية واجب و المراد وجوب إعطائها علی الكفّار و وجوب أخذها منهم علی وليّ أمر أمّة الإسلام، و إن كان المذكور في كلام جمع كثير من اولئك الأعاظم خصوص وجوب أداء الجزية علی الكفّار.

و يشهد له من الكتاب قوله تعالی: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّی يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ «1».

فقد أمر اللّه تعالی بقتال هؤلاء و ظاهره الوجوب، و هؤلاء المذكورون هم الّذين اوتوا الكتاب، فقتالهم واجب علی المسلمين، و هذا الوجوب مستمرّ إلی أن يعطوا الجزية- إذا فرض بقاؤهم علی عنوان كونهم من أهل الكتاب- و حينئذ يرتع وجوب القتال، فلا محالة يكون دخولهم تحت لواء ذمّة الإسلام بإعطاء الجزية أحد الهدفين المرغوب فيه من إيجاب القتال فيكون واجبا، و الهدف الآخر الأسنی أن يؤمنوا بالإسلام و يصيروا مؤمنين، فإذا كان إعطاء الجزية واجبا عليهم فلا محالة يكون أخذها منهم واجبا علی المسلمين، و من الواضح الّذي مرّ الكلام فيه أنّ القيام بمثل هذه الامور من وظائف و اختيارات وليّ الأمر.

و يشهد له من السنّة روايات نقتصر منها علی رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام- الواردة في الأسياف الخمسة الّتي بعث اللّه بها رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله- حيث قال فيها: و السيف الثاني- يعني من السيوف الثلاثة الشاهرة- علی أهل الذمّة، قال اللّه تعالی: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً نزلت هذه الآية في أهل الذمّة ثمّ نسخها

                       

قوله عزّ و جلّ: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّی يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل، و مالهم في‏ء و ذراريهم سبي، و إذا قبلوا الجزية علی أنفسهم حرم علينا سبيهم و حرمت أموالهم و حلّت لنا مناكحتهم، و من كان منهم في دار الحرب حلّ لنا سبيهم و أموالهم و لم تحلّ لنا مناكحتهم، و لم يقبل منهم إلّا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل ... الحديث «1».

هذا الّذي ذكرناه هو عبارة الكافي الشريف، و الجملة الأخيرة في الخصال هكذا: «و لم يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام» «2» فترك الجزية رأسا و ذكر «الدخول في الإسلام» مقام «الدخول في دار الإسلام».

كما أنّها في التهذيب و تفسير القمّي هكذا: «و لا يقبل منها [منهم- يب‏] إلّا الجزية أو القتل» «3» فلم يذكر الدخول في الإسلام أو في دار الإسلام.

و بيان دلالتها: أنّه عليه السّلام نصّ بأنّ الحكم المذكور في الآية المباركة هو الحكم النهائي الإسلامي في أهل الذمّة، و صرّح في ذيل الآية الشريفة بأنّه «من كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل» فقد فرض انطباق عنوان أهل الذمّة عليهم، فلا محالة هم بعد علی دين أنفسهم من أديان أهل الكتاب، فبعد ذلك حكم بأنّ أمرهم دائر بين القتل أو أداء الجزية، فلا محيص من كون أداء الجزية عدلا للقتل، و كما يكون قتلهم واجبا فهكذا أداء جزيتهم، فأداء الجزية واجب عليهم و أخذها واجب علی المسلمين الّذين يرجع الأمر بالآخرة إلی وليّ أمرهم.

هذا بالنسبة إلی من كان منهم في دار الإسلام.

و أمّا من كان منهم في دار الحرب فإن دخلوا في دار الإسلام باقين علی دين‏

                       

أنفسهم ينطبق عليهم العنوان الأوّل و إن لم يبقوا عليه و صاروا مسلمين، فالمسلم لا جزية عليه أصلا، و حينئذ فالظاهر من «الدخول في دار الإسلام» المذكور في نسخة الكافي في هؤلاء الدخول في دار الإسلام بقبول الإسلام، فبالنتيجة يكون مفاد فقرتها الأخيرة: أنّ من كان منهم في دار الحرب فلا يقبل منهم إلّا صيرورتهم مسلمين أو القتل أو أداء الجزية، فتكون هذه الفقرة أيضا كالفقرة الاولی دالّة علی المطلوب بالبيان الماضي.

نعم هذه الفقرة بنسخة التهذيب و تفسير القمّي يكون حاصل مفادها أنّه قد فرض بقاؤهم علی دينهم و حينئذ فلا يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل، و يكون فيها أيضا دلالة علی وجوب أداء الجزية عليهم و وجوب أخذها من المسلمين إذا لم يصرّوا علی القتال.

نعم أنّها بنسخة الخصال لا دلالة فيها لأنّه خيّرهم بين القتل أو الدخول في الإسلام فلازمه عدم قبول أداء الجزية منهم أصلا، لكنّه ممّا لم يفت به أحد بل الفتوی علی أخذ الجزية منهم أيضا، بل الظاهر أنّ أخذها منهم محلّ وفاق بين المسلمين جميعا، فلذلك فلا يبعد الاطمئنان بغلط النسخة و حذف شقّ الجزية منها.

و بعد ذلك فدلالة الرواية علی المطلوب تامّة، و سندها و إن كان لا يخلو من كلام إلّا أن عمل العلماء بمضمونها لعلّه يجبر ضعفه.

 [2- وجوب أخذ الجزية من اليهود و النصاری و المجوس‏]

المسألة الثانية: في وجوب أخذ الجزية من اليهود و النصاری و المجوس، و الأدلّة الواردة في بيان هذا المعنی بألسنة مختلفة، فطائفة منها دلّت علی وجوب أخذها من أهل الكتاب، و شمول هذا العنوان لليهود و النصاری مسلّم، و المجوس يلحق بهما بقرينة روايات خاصّة يأتي ذكرها في الطائفة:

1- فمن هذه الأدلّة الآية المباركة الماضية، فإنّها كما عرفت صريحة في الأمر بأخذها من الّذين اوتوا الكتاب، و هم عبارة اخری عن أهل الكتاب.

2- و منها رواية حفص بن عثمان الماضية أيضا، فإنّ موضوع الحكم فيها أيضا أهل الذمّة، و بما أنّها واردة ذيل الآية المباركة فأهل الذمّة هم أهل الكتاب المذكورون في الآية الشريفة.

                       

3- و منها صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام؛ ففيها أنّه عليه السّلام قال- لعمرو بن عبيد المعتزلي الّذي جاء مع جماعة عنده يدعونه إلی الدخول في بيعة محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، فقال عليه السّلام له في ضمن كلام طويل-:

يا عمرو: دع ذا، أ رأيت لو بايعت صاحبك الّذي تدعوني إلی بيعته ثمّ اجتمعت لكم الامّة فلم يختلف عليكم رجلان فيها فأفضتم إلی المشركين الّذين لا يسلمون و لا يؤدّون الجزية أ كان عندكم و عند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيه بسيرة رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله في المشركين في حروبه؟ قال: نعم، قال عليه السّلام: فتصنع ما ذا؟ قال:

ندعوهم إلی الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلی الجزية، قال عليه السّلام: إن كانوا مجوسا ليسوا بأهل الكتاب؟ قال: سواء، قال عليه السّلام: و إن كانوا مشركي العرب و عبدة الأوثان؟ قال: سواء، قال عليه السّلام: أخبرني عن القرآن تقرأه، قال: نعم، قال عليه السّلام: اقرأ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّی يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ فاستثناء اللّه عزّ و جلّ و اشتراطه من الّذين اوتوا الكتاب، فهم و الّذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟! قال: نعم، قال عليه السّلام: عمّن أخذت ذا؟ قال: سمعت الناس يقولون، قال عليه السّلام: دع ذا- ثمّ ذكر عليه السّلام عنه سؤالات كثيرة فقهية و كان هو جاهلا بحكم اللّه فيها- ثمّ أقبل علی عمرو بن عبيد فقال عليه السّلام له: اتّق اللّه و أنتم أيّها الرهط فاتّقوا اللّه، فإنّ أبي حدّثني- و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه صلّی اللّه عليه و آله أنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال: من ضرب الناس بسيفه و دعاهم إلی نفسه و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلّف «1».

فإنّ قوله عليه السّلام ذيل الآية المباركة الّتي قد قرئت احتجاجا عليه: «فاستثناء اللّه عزّ و جلّ و اشتراطه من الّذين اوتوا الكتاب، فهم و الّذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟!» فيه دلالة واضحة علی أخذ الجزية من أهل الكتاب و أنّها مختصّة بهم و عمرو بن‏

                        

عبيد و إن أجاب السؤال بقوله: نعم، إلّا أنّه جواب جاهل يستحقّ أن يسأل عنه:

 «عمّن أخذت ذا؟» فهو جواب باطل يشهد سياق الكلام ببطلانه كبطلان سائر الأجوبة الّتي تتلوه، و قد نصّ الإمام عليه السّلام ببطلان أجوبته بالحديث النبوي الّذي ذكره آخر الحديث.

و بالجملة: فلا ريب في دلالة الحديث علی أنّ الجزية تؤخذ من أهل الكتاب و علی أنّها لا تؤخذ من غيرهم، و سيأتي الكلام عنه إن شاء اللّه تعالی.

4- و منها صحيحة زرارة- المرويّة عن الكتب الأربعة و تفسير القمّي- قال:

قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما حدّ الجزية علی أهل الكتاب و هل عليهم في ذلك شي‏ء موظّف لا ينبغي أن يجوزوا إلی غيره؟ فقال عليه السّلام: ذلك إلی الإمام أن يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء علی قدر ماله و بما يطيق، إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تؤخذ منهم علی قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتّی يسلموا؛ فإنّ اللّه تبارك و تعالی قال: حَتَّی يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ ... الحديث «1».

فإنّ الراوي قد فرض عند نفسه وجوب أخذ الجزية من أهل الكتاب و إنّما سأل الإمام عليه السّلام عن أنّها هل لها حدّ؟ و الإمام عليه السّلام قد أكّد ما في ذهنه و أجاب عن سؤاله بأنّها لا حدّ لها بل هو موكول إلی ما يراه الإمام مراعيا قدر طاقته.

و قد ذكر الآية المباركة تأكيدا لما أفاده من الجواب، فلا ريب في دلالة الصحيحة علی المطلوب، و في أنّها أيضا دليل آخر علی أنّ الّذين اوتوا الكتاب المذكورين في الآية هم أهل الكتاب.

ثمّ إنّ الصحيحة قد تضمّنت نكتة اخری هي أنّ الجزية عوض عن حقّ حياة أهل الكتاب في ذمّة الإسلام و تحت لوائه في صورة الحرّية، فإنّه مفاد قوله عليه السّلام:

                       

 «إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا» و قد اشير إلی هذه النكتة فيما حكيناه من عبارة الشيخ المفيد في المقنعة، و من عبارة العلّامة في التذكرة و المنتهی.

فهذه الطائفة من الأدلّة دلّت بوضوح علی وجوب أخذ الجزية من أهل الكتاب من دون تطبيق علی خصوص الطوائف الثلاث إلّا ما في صحيحة عبد الكريم بن عتبة من قوله عليه السّلام: «و إن كانوا مجوسا ليسوا بأهل الكتاب» حيث إنّ ظاهره نفی أن يكون المجوس من أهل الكتاب، و سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالی الكلام فيه.

و ستأتي في ضمن أخبار تبيّن حكم المجوس ما تدلّ علی أنّ أخذ الجزية من أهل الكتاب من المسلّمات، فارتقب.

و هنا طائفة ثانية تدلّ بالصراحة علی أخذ الجزية من اليهود و النصاری و هي صحيحة الفضيل بن عثمان الأعور الّتي رواها الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: ما من مولود يولد إلّا علی الفطرة، فأبواه اللّذان يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه، و إنّما أعطی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله الذمّة و قبل الجزية عن رءوس اولئك بأعيانهم علی أن لا يهوّدوا أولادهم و لا ينصّروا، و أمّا أولاد أهل الذمّة اليوم فلا ذمّة لهم «1».

فهو عليه السّلام و إن ذكر أوّل الحديث المجوس أيضا إلّا أنّه لا تعرّض فيه لأخذ الجزية، و إذا تعرّض لقبول الجزية فإنّما تعرّض بقوله: «علی أن لا يهوّدوا أولادهم و لا ينصّروا» لأخذ الجزية من اليهود و النصاری. نعم لا دلالة فيها علی عدم قبول الجزية من المجوس.

لكنّه روی الصدوق رحمه اللّه هذا الحديث بسند آخر معتبر في علل الشرائع و فيه العبارة المذكورة هكذا: «و إنّما أعطی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله الذمّة و قبل الجزية عن رءوس اولئك بأعيانهم علی أن لا يهوّدوا و لا ينصّروا و لا يمجّسوا، فأمّا الأولاد و أهل الذمّة اليوم فلا ذمّة لهم» «2».

                       

فكما تری قد عطف قوله: «و لا يمجّسوا» علی ما قبله و يكون فيه دلالة علی قبول الجزية من المجوس أيضا، و الظاهر أنّ الحديث واحد فتختلف النسختان في المجوس و تتعارضان، فلا حجّة علی هذه الزيادة إلّا أن تقدّم في هذه الموارد الزيادة علی النقيصة، و هو غير واضح.

و كيف كان، فالصحيحة تامّة الدلالة بكلا سنديها علی أخذ الجزية من اليهود و النصاری.

و يدلّ عليه أيضا أنّه لا ريب في انطباق عنوان أهل الكتاب عليهما فإنّ القرآن الكريم قد صرّح بأنّه تعالی قد أنزل التوراة و الإنجيل «1» و نصّ بصدق أهل الكتاب عليهما، فمثلا قال تعالی: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَ الْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ «2» فإذا نصّ القرآن علی صدق أهل الكتاب عليهما فلا ينبغي الريب في أنّ صدقه عليهما يصير عند المسلمين من الواضحات.

كما أنّ هنا طائفة ثالثة وردت في المجوس، و يمكن انقسام هذه الأخبار إلی أقسام ثلاثة:

 (القسم الأوّل) ما يدلّ علی أنّ الجزية تؤخذ من المجوس:

1- فقد روی أبو يحيی الواسطي عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن المجوس أ كان لهم نبيّ؟ فقال عليه السّلام: نعم، أما بلغك كتاب رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله إلی أهل مكّة: «أسلموا و إلّا نابذتكم بحرب» فكتبوا إلی النبيّ صلّی اللّه عليه و آله: «أن خذ منّا الجزية و دعنا علی عبادة الأوثان». فكتب إليهم النبيّ صلّی اللّه عليه و آله «إنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب». فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: «زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب ثمّ أخذت الجزية من مجوس هجر» فكتب إليهم رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله:

 «إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور» «3».

                       

و الرواية كما تری صريحة في أنّ الجزية تؤخذ و اخذت من المجوس لأنّهم أهل الكتاب، يعني فهم داخلون في عموم عنوان الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ المذكورين في الآية المباركة.

2- و عن الصدوق في الفقيه أنّه قال: المجوس تؤخذ منهم الجزية؛ لأنّ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» و كان لهم نبيّ اسمه داماست فقتلوه، و كتاب يقال له جاماست كان يقع في اثني عشر ألف جلد ثور فحرّقوه «1».

فقد أفتی قدّس سرّه جزما بأخذ الجزية منهم استنادا إلی قوله صلّی اللّه عليه و آله: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» و هو يكشف عن ثبوت هذا القول عنده بسند معتبر حتّی رأی جواز الاستناد إليه في الفتوی، و سيأتي الكلام فيه.

3- و قال المفيد في المقنعة: و قد روي عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله أنّه قال: المجوس إنّما الحقوا باليهود و النصاری في الجزية و الديات لأنّه قد كان لهم فيما مضی كتاب «2».

و دلالته علی وجوب الجزية علی المجوس واضحة كدلالته في أنّه لمكان أنّهم أهل الكتاب كما ذكرناه في مرسل الواسطي.

4- و قد روی الشيخ في التهذيب بإسناده الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن موسی عليه السّلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: اللّذان منكم مسلمان، و اللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس لأنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله سنّ في المجوس سنّة أهل الكتاب في الجزية ... الحديث «3».

                       

و بناء علی أن يكون محمّد بن الفضيل هنا هو محمّد بن القاسم بن الفضيل علی ما صرّح به جامع الرواة فالرواية صحيحة السند، و دلالتها واضحة. هذا مضافا إلی أنّ الصدوق أيضا رواها في من لا يحضره الفقيه باسناده الصحيح إلی يونس بن عبد الرحمن عن يحيی بن محمّد عن الصادق عليه السّلام إلّا أنّ فيه: «لأنّ في المجوس سنّة أهل الكتاب في الجزية» و هو غير مضرّ، و حيث إنّ يونس من أصحاب الإجماع فربما يكتفی به في ثبوت صحّة السند إلی الإمام لإثبات وثاقة يحيی بن محمّد علی بعض المباني، فتأمّل. و نحوه سند الكافي إن كان محمّد بن أحمد هو محمّد بن أحمد بن يحيی لكنّه غير معلوم. و قد رواه العيّاشي أيضا بسندين.

5- و قد روي عن الأصبغ بن نباتة في حديث أنّ عليّا عليه السّلام قال علی المنبر:

سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ الجزية من المجوس (تؤخذ من المجوس الجزية- الأمالي و الاختصاص) و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي؟ فقال عليه السّلام: بلی يا أشعث قد أنزل اللّه عليهم كتابا و بعث إليهم نبيّا، و كان لهم ملك سكر ذات ليلة، فدعا بابنته إلی فراشه فارتكبها، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلی بابه فقالوا: أيّها الملك فسدت علينا ديننا فأهلكته، فاخرج نطهّرك و نقم عليك الحدّ، فقال لهم: اجتمعوا و اسمعوا كلامي فإن يكن لي مخرج ممّا ارتكبت و إلّا فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم و امّنا حوّاء؟ قالوا:

صدقت أيّها الملك، فقال: أ فليس و قد زوّج بنيه من بناته و بناته من بنيه؟ قالوا:

صدقت، هذا هو الدين، فتعاقدوا علی ذلك، فمحا اللّه ما في صدورهم من العلم و رفع عنهم الكتاب فهم الكفرة يدخلون النار بلا (بغير- خ ل) حساب، و المنافقون أشدّ حالا منهم، فقال الأشعث: و اللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، و اللّه لا عدت إلی مثلها أبدا ... الحديث «1». و قد رواه المفيد في كتاب الاختصاص باسناده عن الأصبغ 2.

                       

و دلالتها أيضا علی وجوب أداء الجزية علی المجوس كدلالتها لأنّ سرّ الوجوب أنّهم أيضا أهل الكتاب واضحة.

إلّا أنّ في سنديها رجالا مجهولين، كما أن حديث المقنعة مرسل رأسا، و خبر أبي يحيی الواسطي أيضا مرسل عن بعض أصحابنا، و خبر الصدوق قد عرفت أنّه في تعلّق الجزية بالمجوس إنّما هو مجرّد فتوی منه استنبطها من قوله: «سنّوا بالمجوس سنّة أهل الكتاب» و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالی.

6- و عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام: المجوس أهل الكتاب إلّا أنّه اندرس أمرهم- و ذكر قصّتهم و قال: تؤخذ الجزية منهم» «1».

و دلالة ذيل الحديث علی وجوب أخذ الجزية منهم واضحة.

و بالجملة: دلالة الأخبار الأربعة علی المطلوب تامّة إلّا أنّ سندها غير تمام.

هذا تمام الكلام عن القسم الأوّل.

 (القسم الثاني) أخبار تتضمّن قولهم عليهم السّلام في المجوس: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»، و هذا المدلول يدلّ علی المطلوب فإنّه حكم بأنّه يجري علی المجوس و يستنّ بهم سنّة أهل الكتاب، و حيث إنّ تعلّق الجزية باليهود و النصاری اللّذين هم من أهل الكتاب بلا شبهة إنّما هو بعنوان أنّهم أهل الكتاب فلا محالة تتعلّق بالمجوس أيضا، و هذه الأخبار متعدّدة:

1- منها مرسل الصدوق الماضي في القسم الأوّل الّذي عدّه معتبرا و استند إليه في الافتاء بتعلّق الجزية بالمجوس.

2- و منها خبر عليّ بن عليّ بن دعبل- المروي عن مجالس ابن الشيخ الطوسي- عن عليّ بن موسی الرضا عن أبيه عن آبائه عن عليّ بن الحسين عليهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» يعني المجوس «2».

إلّا أنّ علي بن عليّ و هلال بن محمّد الحفّار في السند مجهولان و إسماعيل بن‏

                       

عليّ أيضا لم يوثّق بل ضعّفه ابن الغضائري.

3- و منها ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه باسناده الصحيح عن الحسن بن عليّ الوشّاء عن أحمد بن عمر قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: اللّذان منكم مسلمان و اللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجد من أهل الكتاب فمن المجوس لأنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» و ذلك إذا مات الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلان من أهل الكتاب «1».

و سند الحديث لأنّ أحمد بن عمر الّذي يروي عنه الوشّاء هو أحمد بن عمر الحلبي الثقة الّذي كان من أصحاب الكاظم و الرضا عليهما السّلام و لا يبعد أن لا يضرّ به الإضمار لمتانة متنه جدّا و استظهار أنّ الضمير راجع إلی أحد الإمامين عليهما السّلام، أضف إليه أنّ الصدوق قد تعهد في مقدّمة كتابه بقوله: «بل قصدت إلی ايراد ما افتي به و أحكم بصحّته و اعتقد أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي تقدّس ذكره و تعالت قدرته» و من الواضح أنّه لا يكون إلّا ما قاله الأئمّة المعصومون عليهم السّلام فهو قدّس سرّه أيضا يراه حديثا عن الإمام عليه السّلام.

 (القسم الثالث) أخبار إمّا ما دلّت علی أنّه كان لهم كتاب فلا محالة يكونون من أهل الكتاب، و إمّا علی أنّهم أهل الكتاب، و كيف كان، فإذا كانوا أهل الكتاب فتعمّهم أدلّة إيجاب الجزية الّتي تعلّقت بعنوان أهل الكتاب فيجب عليهم أيضا أداؤها.

أمّا ما دلّ علی أنّه كان لهم كتاب- مضافا إلی مرسل أبي يحيی الواسطي و مرسل الصدوق و حديث الأصبغ بن نباتة و مرسل المفيد الّتي قد مضی جميعها- فهو ما رواه الشيخ بإسناده الصحيح عن أحمد بن محمّد عن أبي يحيی الواسطي قال:

سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن المجوس فقال عليه السّلام: كان لهم نبيّ قتلوه و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور، و كان يقال له: جاماست «2».

                       

و أبو يحيی الواسطي كنية لسهيل بن زياد و لم يرد فيه تضعيف بل قال فيه النجاشي: «لقي أبا محمّد العسكريّ عليه السّلام، امّه بنت محمّد بن النعمان أبو جعفر الأحول مؤمن الطاق شيخنا المتكلّم رحمه اللّه، و قال بعض أصحابنا: لم يكن سهيل بكلّ الثبت في الحديث». و التعبير بشيخنا المتكلّم رحمه اللّه ظاهر في التجليل و التوثيق و عدم كونه كلّ الثبت- بناء علی تسلّمه- لا يرفع شرط قبول روايته، فالسند معتبر.

و ما رواه الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيبين عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم (أربعة آلاف التهذيب و الاستبصار) و دية المجوسي ثمانمائة درهم. و قال أيضا: إنّ (و قال: أما إنّ- الفقيه). للمجوس كتابا يقال له: جاماس (جاماسف- الفقيه) «1» و هو في الدلالة مثل خبر الواسطي إلّا أنّ سنده غير نقيّ.

و أمّا ما دلّ علی أنّهم أهل الكتاب- مضافا إلی ما مرّ عن الدعائم في القسم الأوّل من الأخبار- فروايات:

1- منها ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه باسناده الصحيح عن ابن أبي عمير عن سماعة بن مهران- الثقة و إن كان واقفيّا- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

بعث النبيّ صلّی اللّه عليه و آله خالد بن الوليد إلی البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود و النصاری و المجوس؛ فكتب إلی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: إنّي أصبت دماء قوم من اليهود و النصاری فوديتهم ثمانمائة ثمانمائة، و أصبت دماء قوم من المجوس و لم تكن عهدت إليّ فيهم عهدا، قال: فكتب إليه رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: إنّ ديتهم مثل دية اليهود و النصاری. و قال: إنّهم أهل الكتاب.

و رواه الشيخ في التهذيب و الاستبصار و الجملة الأخيرة فيهما: «أنّهم أهل الكتاب» 2.

و عدّها من أخبار هذا القسم الأخير إنّما يكون علی نسخة التهذيبين و إلّا فعلی‏

                       

نسخة الصدوق فهي من النحو الأوّل.

2- و منها ما رواه الشيخ في التهذيبين بسند موثّق عن زرارة قال: سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال: هم من أهل الكتاب و مجراهم مجری اليهود و النصاری في الحدود و الديات «1».

و الإضمار من مثل زرارة غير مضرّ كما لا يخفی. و دلالته علی المطلوب واضحة.

3- و منها ما رواه الصدوق مرسلا بقوله: و قد روی أنّ دية اليهودي و النصراني و المجوسي أربعة آلاف درهم أربعة آلاف درهم؛ لأنّهم أهل الكتاب «2».

فهذه الأخبار الثلاثة قد صرّحت بأنّ المجوس أهل الكتاب، بل الحقّ أنّه يستفاد هذا المعنی من حديث أبي يحيی الواسطي الّذي أرسله عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام- و قد مرّ متنه بتمامه في القسم الأوّل من أخبارنا تحت الرقم 1- فإنّ تكذيب المشركين راجع إلی أنّ المجوس ليسوا من أهل الكتاب، فالجواب عنهم بأنّه كان لهم كتاب لا يراد منه إلّا أنّهم أيضا أهل الكتاب.

بل الأمر كذلك في حديث الأصبغ، فإنّ سؤال الأشعث: «كيف تؤخذ من المجوس الجزية و لم ينزل إليهم كتاب؟» يرجع إلی معنی ما ذكره المشركون للنبيّ صلّی اللّه عليه و آله و جواب الأمير عليه السّلام بقوله: «بلی يا أشعث قد أنزل اللّه إليهم كتابا» معناه أنّهم بذلك أهل الكتاب فأخذ الجزية منهم أخذ لها عن أهل الكتاب.

إلّا أنّه قد يمكن أن يقال: إنّه قد وردت أخبار عديدة تضمّنت أنّ المجوس ليسوا من أهل الكتاب فتصير معارضة للأخبار المذكورة و ربما كانت نتيجتها سقوط أخبارنا عن الحجية و لا يجوز بها الاستدلال.

1- فمن هذه الأخبار ما مرّ من قول الصادق عليه السّلام في صحيح عبد الكريم بن‏

                       

عتبة الهاشمي الماضي لعمرو بن عبيد المعتزلي: «إن كانوا مجوسا ليسوا بأهل الكتاب» «1» فقد وصفهم بأنّهم ليسوا من أهل الكتاب و هذا ما ذكرناه.

2- و منها ما مرّ أيضا في حديث محمّد بن الفضيل من قول الكاظم عليه السّلام: «فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس» «2» فإن ترتّب إشهاد المجوس علی الوصية علی أن لا يجدوا من أهل الكتاب فيه دلالة واضحة علی أنّهم ليسوا من أهل الكتاب.

3- بل و منها جميع الأخبار الّتي مرّ ذكرها في القسم الثاني الّتي تضمّنت قولهم عليهم السّلام: «سنّوا في المجوس سنّة أهل الكتاب» فإنّ الأمر بإجراء سنّة أهل الكتاب فيهم ظاهرة أنّهم ليسوا من أهل الكتاب، إلّا أنّه يجب أن تجري فيهم سنّة أهل الكتاب.

4- و منها خبر عبد اللّه بن هلال عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن مظائرة المجوسي؟ قال: لا، و لكن أهل الكتاب «3».

فإنّ جعله عليه السّلام للمجوس مقابلا لأهل الكتاب يدلّ علی أنّ المجوس ليسوا من أهل الكتاب.

5- و منها ما رواه العيّاشي في تفسيره عن عمر بن حنظلة في قول اللّه تبارك و تعالی: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أمّا المجوس فلا، فليسوا من أهل لكتاب، و أمّا اليهود و النصاری فلا بأس إذا سمّوا «4».

و الرواية كسائر روايات التفسير مرسلة و مع ذلك فهي كما تری قول عمر بن حنظلة من غير اسناد إلی المعصوم عليه السّلام إلّا أن نقول: إنّه لا يقول شيئا إلّا بعد سماعه من الإمام عليه السّلام. و هو محلّ تأمّل لا سيّما أنّه لو سلّمناه فلا يكشف عن أنّ التعبير نفس تعبير الإمام عليه السّلام فلعلّه نقل بالمعنی. لكنّ في الوسائل حين ما نقلها قال: «عن‏

                       

عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام» إلّا أنّه مع اختلاف النسخ لا حجّة فيه.

6- و منها ما رواه يونس بن عبد الرحمن عنهم عليهم السّلام قالوا: خمسة أشياء ذكية ممّا فيه منافع الخلق: الإنفحة و البيضة [البيض- ئل‏] و الصوف و الشعر و الوبر، و لا بأس بأكل الجبن كلّه ممّا عمله مسلم أو غيره، و إنّما يكره أن يؤكل سوی الإنفحة ممّا في آنية المجوس و أهل الكتاب لأنّهم لا يتوقّون الميتة و الخمر «1».

فعطف أهل الكتاب علی المجوس فيه دلالة علی أنّ المجوس ليسوا من أهل الكتاب.

فتقع بين هذه الأخبار و الأخبار الّتي دلّت علی أنّ المجوس أهل الكتاب تعارض، و التعارض يوجب التساقط، فلا مجال للاستدلال بتلك الأخبار الّتي دلّت علی أنّ المجوس أهل الكتاب.

و لا يبعد أن يقال: إنّ الأخبار الدالّة علی أنّهم أهل الكتاب- و لا سيّما ما كان واردا منها في تعليل وجوب أداء الجزية عليهم كمرسل الواسطي و حديث الأصبغ و مرسل المفيد- واردة في مقام بيان تعميم موضوع حكم الجزية للمجوس و أنّ حكم أهل الكتاب يشملهم. و نحوها الأمر في أحاديث باب الديات و الحدود فإنّها لبيان تعميم موضوعها للمجوس أيضا، و حينئذ فتلك الأخبار النافية عنهم عنوان أهل الكتاب يراد بها المعنی المنصرف من أهل الكتاب- أعني اليهود و النصاری- و بذلك يرتفع التعارض من البين و صحّ الاستدلال بهذه الأخبار فيما نحن فيه.

فالمتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الطوائف الثلاث أعني- اليهود و النصاری و المجوس- يجب أداء الجزية عليهم و يجب علی وليّ أمر المسلمين أخذها منهم.

و حيث إنّ موضوع الحكم في القرآن العظيم كبعض الأخبار أهل الكتاب، و موضوعه في بعض الأخبار تلك العناوين الثلاثة، و كلاهما يشمل جميع الأصناف المتصوّرة لهم، فلا محالة يكون الحكم جاريا في جميع أصنافهم.

                       

 [3- لا تجب الجزية علی غير الطوائف الثلاث و لا يجوز أخذها منهم‏]

المسألة الثالثة: في أنّه ليس علی غير هذه الطوائف الثلاث أداء الجزية بل لا يجوز أخذها منهم و حكم الإسلام في غيرهم أن يقاتلوا حتّی يسلموا- بعد وضوح حقّية الإسلام لهم- أو يقتلوا.

و كلا الأمرين- أعني عدم جواز أخذ الجزية و وجوب قتل غير الطوائف الثلاث- قد مرّ ذكرهما في كلمات أعاظم الفقهاء المتقدّمة، أعني: الشيخ المفيد في المقنعة، و شيخ الطائفة في النهاية و الخلاف، و أبا الصلاح في الكافي، و سلّار في المراسم، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب، و ابن زهرة في الغنية مدّعيا للإجماع علی عدم جواز الأخذ، و ابن حمزة في الوسيلة، و الحلبي في إشارة السبق، و الكيدري في إصباح الشيعة، و ابن إدريس في السرائر، و المحقّق في الشرائع و النافع، و العلّامة في القواعد و التذكرة و المنتهی، فراجع.

نعم، لم يكن فيما مرّ من عبارة مبسوط الشيخ و إرشاد العلّامة إلّا التعرّض لعدم جواز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، إلّا أنّهما أيضا قد تعرّضا لوجوب قتل غيرهم أيضا فيهما.

فقد قال في المبسوط: و لا يجوز قتال أحد من الكفّار ... إلّا بعد دعائهم إلی الإسلام ... فمتی دعوا و لم يجيبوا حلّ قتالهم إلّا أن يقبلوا الجزية و كانوا من أهلها «1».

فتقييد من لا يحلّ قتاله بأن يكون من أهل الجزية فيه دلالة علی أنّ من لا يكون من أهلها ليس مستثنی و يحلّ قتاله، و من المعلوم أنّ مراده بالحلّية هنا عدم المنع عن القتال و هو متحقّق في قالب الوجوب، فإنّ الجهاد من فرائض الإسلام، و صرّح هو قدّس سرّه به أيضا في أوّل كتاب الجهاد من المبسوط بقوله: الجهاد فرض من فرائض الإسلام إجماعا ... 2.

و قال العلّامة في اوّل جهاد الإرشاد: كتاب الجهاد، و مقاصده خمسة: الأوّل يجب جهاد أهل الذمّة؛ و لهم اليهود و النصاری و المجوس اذا أخلّوا بشرائط الذمّة و هي قبول الجزية و ... فذكر سائر ما يجب علی أهل الذمّة، ثمّ قال:- و يجب جهاد

                       

غيرهم من أصناف الكفّار إلی أن يسلموا أو تقتلوا.

فإنّه قدّس سرّه اشترط وجوب جهاد الطوائف الثلاث بإخلالهم بشرائط الذمّة التي ركنها قبول الجزية، و أفتی بوجوب جهاد غيرهم من أصناف الكفّار إلی أن يسلموا أو تقتلوا بأنّ لمستفاد منه جزما وجوب قتلهم بالجهاد اذا لم لسلموا، و هو المطلوب.

فبالجملة: هؤلاء الأعاظم متّفقوا الكلمة علی كلا الأمرين، و هكذا الأمر في سائر أعاظم الفقهاء و لذلك قال صاحب الجواهر: و كيف كان فلا يقبل من غيرهم- أي اليهود و النصاری و المجوس- إلّا الإسلام بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغنية و غيرها الإجماع عليه، بل و لا إشكال؛ بعد قوله تعالی: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... «1».

فبعد اتّضاح أقوال الأصحاب لا بدّ و أن نرجع إلی أدلّة الباب فنقول:

إنّ قوله تعالی في سورة محمّد: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّی إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّی تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «2» كما تری في أوّل الآية قد جعل وظيفة المسلمين ضرب رقاب الّذين كفروا حينما لقوهم، و الظاهر أنّ المراد من هذا الحين بقرينة ذيل الآية حين ما تقوم الحرب، فضرب رقاب جميع الكفّار واجب، فإذا قامت الحرب و استمرّت إلی أن أثخن المسلمون الكفّار أمرهم اللّه تعالی بأن يشدّوا الوثاق؛ و الإثخان، هو الإثقال.

قال في مجمع البيان: الإثخان: إكثار القتل و غلبة العدوّ و قهرهم، و منه: أثخنه المرض: اشتدّ عليه، و أثخنه الجراح.

و قال الخليل في كتاب العين: و قد أثخنته: أي أثقلته. و أثخن الرجل: إذا اتّخذ شيئا ثخينا، أو ما به ثخانة و ثخن.

و قال في المفردات: ثخن الشي‏ء فهو ثخين: إذا غلظ فلم يسل و لم يستمرّ في ذهابه. و منه استعير قولهم: أثخنته ضربا و استخفافا.

و عليه فقوله تعالی: أَثْخَنْتُمُوهُمْ معناه الّذي تحت لفظة أثقلتموهم حتّی لم‏

                       

يقدروا علی التقدّم في الحرب و لا الدفاع المطلوب، و هو عبارة اخری عمّا فسّره به مجمع البيان بقوله: أي أثقلتموهم بالجراح بهم و ظفرتم بهم.

و أمّا قوله: فَشُدُّوا الْوَثاقَ فالوثاق اسم مصدر من الإيثاق- كما في مجمع البيان- و بمعنی الحبل و القيد كما في عين الخليل و المصباح المنير، فالمراد بشدّ الوثاق إمّا إحكام الإيثاق و إمّا إحكام القيد و الحبل، و كيف كان فقد أمر اللّه تعالی بأنّه إذا ظفرتم بهم فاحكموا وثاقهم عند الأمر.

فبعد أسرهم قال: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّی تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها و حاصل مفاده: أنّه بعد أسرهم إمّا أن يردّ عليهم منّ من المسلمين فيطلقون و إمّا يفدون أنفسهم بشي‏ء، و ذيل الآية المباركة بيان لاستمرار الأمر علی هذه الحالة إلی أن ينقضي الحرب و تضع أوزارها و أثقالها.

فهذه الآية المباركة حاصل مدلولها وجوب قتل الكفّار إلی أن يضعفوا و حينئذ يؤخذ منهم الأسير و يفعل بالأسير المنّ أو الفداء و الكفّار المذكورون فيها يعمّ كلّ كافر كتابيا كان أو مشركا أو ملحدا أو غيرهم، فقد جعلت الآية المباركة لكلّ منهم بعد ما أثخنوا حقّ الحياة و لو تحت عنوان الأسير و ليس فيها من وجوب أخذ الجزية أو أدائها عين و لا أثر.

و بمضمون هذه الآية الشريفة معتبر طلحة بن زيد قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كان أبي عليه السّلام يقول: إنّ للحرب حكمين: إذا كانت الحرب قائمة و لم تضع أوزارها و لم يثخن [و لم تضجر- يب‏] أهلها فكلّ أسير اخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه؛ و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف بغير حسم و تركه يتشحّط في دمه حتّی يموت ... و الحكم الآخر إذا وضعت الْحَرْبُ أَوْزارَها و اثخن أهلها، فكلّ أسير اخذ علی تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار إن شاء منّ عليهم فأرسلهم و إن شاء فاداهم أنفسهم و إن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا «1».

فإطلاق الحرب المذكورة فيها يعمّ الحرب مع أيّ قسم من الكفّار، و هي قد

                       

صرّحت بأنّ الاسراء بعد أن اثخن أهل الحرب لهم حقّ الحياة و يفعل معهم أحد الوجوه الثلاثة و ليس فيها من وجوب أداء الجزية أو أخذها عين و لا أثر.

إلّا أنّه لا ريب في أنّ عموم الآية المباركة و إطلاق الرواية الشريفة لم يعمل بهما، بل الكفّار إذا كانوا أهل الكتاب اخذ منهم الجزية إذا قبلوها بشرح ما مرّ الكلام فيه، و إذا كانوا مشركين فالآيات العديدة المذكورة في سورة التوبة تدلّ علی وجوب قتلهم و أنّه لا يؤخذ السيف عنهم إلّا أن يسلموا.

قال اللّه تبارك و تعالی: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ* وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ* إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلی‏ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ* فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* ... كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ* كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَ تَأْبی قُلُوبُهُمْ وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ* ...* ...* فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ «1».

و التدبّر في الآيات يعطي أنّ الآية الاولی و الثانية مختصّتان بالمشركين الّذين‏

                        

كان بينهم و بين المسلمين معاهدة ثمّ لم يعملوا- بقرينة الآية الرابعة و الآية السابعة- بمقتضی عهدهم فهؤلاء المشركون قد آذن اللّه بالبراءة منهم من ناحية اللّه و رسوله، و مع ذلك قد جعل لهم حقّ السياحة و الحياة أربعة أشهر، و الظاهر أنّ هذه الأربعة أشهر هي الّتي أوجب اللّه بعد انسلاخها بوجوب قتل هؤلاء المشركين و التضييق عليهم جدّا في الآية الخامسة.

ثمّ إنّ الآية الثالثة أذان ببراءة اللّه و رسوله من المشركين جميعا، و استثنی منهم في الآية الرابعة خصوص المشركين الّذين عاهدوا المسلمين، و كانت هذه المعاهدة بقرينة الآية السابعة عند المشعر الحرام، فهذه الطائفة يجب علی المسلمين أن يتمّوا إليهم إلی خصوص انقضاء مدّة المعاهدة بشرط أن يكونوا هؤلاء أيضا مستقيمن للمسلمين و عالمين بعهدهم كما ذكره في الآية السابعة، و قد جعل اللّه تعالی العمل بهذه المعاهدة من مصاديق التقوی و قال في كلتا الآيتين:

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ*.

و أمّا الآية الخامسة فشرط انسلاخ الأشهر الحرم- المذكور صدرها- و إن كان مختصّا بالمعاهدين الّذين لم يفوا بعهدهم المذكورين في الآية الاولی و الثانية، إلّا أنّه لا يبعد دعوی أنّ حكمه تعالی فيها بوجوب قتل المشركين و الإرصاد لأخذهم ما أمكن عامّ لجميع المشركين، و كيف كان فقد صرّحت الآية المباركة بأنّهم لا محيص لهم من القتل إلّا أن يتوبوا و يسلموا و يعملوا بالوظائف الدينية و قد ذكر منها خصوص إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة من باب الانموذج. و إن شكّ في تعميم الحكم بوجوب قتلهم لجميع المشركين فمن الواضح أنّ مفاد صدر الآية السابعة أنّه ليس المشرك بما أنّه مشرك محلّ اعتماد في عهده فلا يكون له عهد عند اللّه و رسوله فلا محالة لا بدّ من إجراء حكم القتل المذكور في الآية الخامسة فيهم، و أكّد هذا الاعتماد في الآية الثامنة و التاسعة، و أعاد تعالی بيان غاية رفع اليد عن قتلهم ثانيا بقوله تعالی في الآية الحادية عشر: فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ و أمّا إن نكثوا العهد فلا محيص إلّا مقاتلتهم و قتلهم.

                        

نعم استثنی مرّة ثانية اولئك الّذين عاهدوا المسلمين عند المسجد الحرام و حكم علی المسلمين لهم بوجوب وفاء المسلمين أيضا بعهدهم ما دام اولئك أيضا يفون به، فقال في الآية السابعة: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.

فالمتدبّر في هذه الآيات يری بوضوح أنّه يجب علی المسلمين أن يقاتلوا المشركين جميعا و يقتلوهم و أنّه لا يمنع عن قتلهم إلّا أن يتوب المشركون و يدخلوا في سلك المسلمين فحينئذ يخلّی سبيلهم و يصيروا اخوان المسلمين.

و عليه، فلا ريب في دلالة الآيات الشريفة بوضوح علی أنّه ليس للمشركين إلّا القتل أو الإسلام فلا مجال لأخذ الجزية منهم، و إذا جعلت هذه الآيات ضمّ آية سورة محمّد فهي أخصّ من تلك الآية و لا محالة يخرج المشركون عن عموم تلك الآية، و يقال بمقتضی هذه الآيات. إنّ المشركين إذا لم يسلموا فلا سبيل لهم إلّا القتل كما قال به الأصحاب.

و معتبرة طلحة الماضية أيضا مثل آية سورة محمّد و لا بدّ من إخراج المشركين عن عمومها.

و بمضمون آيات البراءة صدر حديث حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام الوارد في السيوف الخمسة الّتي بعث اللّه بها محمّدا صلّی اللّه عليه و آله و ثلاثة منها شاهرة فقد قال الباقر عليه السّلام فيه: «فأمّا السيوف الثلاثة الشاهرة [المشهورة- خ ل‏] فسيف علی مشركي العرب، قال اللّه عزّ و جلّ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا- يعني آمنوا- وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ «1» فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام و أموالهم [و مالهم- خ ل‏] في‏ء، و ذراريهم سبي، علی ما سنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فإنّه سبی و عفا و قبل الفداء «2».

                       

فهو عليه السّلام قد ذكر الآية المباركة و نصّ علی أنّها في المشركين و نصّ بعد ذكر الآية قوله: «فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام» و هو الّذي قلنا ذيل الآيات أنّه مستفاد منها، و الإمام عليه السّلام أكّد هذا المعنی بأن ذكر بعد هذه العبارات السيف الثاني الّذي علی أهل الذمّة و نصّ فيهم أنّهم لن يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل.

و بالجملة: فالحديث أيضا مؤكّد لمفاد الآيات المباركة في المشركين و يكون دليلا علی التخصيص في آية سورة محمّد و معتبرة طلحة.

نعم أنّه عليه السّلام خصّ هذا السيف الشاهر الأوّل بمشركي العرب ثمّ ذكر آية وجوب قتل المشركين تطبيقا عليه فلعلّه ربما ينقدح في الذهن اختصاصها بخصوص هؤلاء المشركين فقط إلّا أنّ مجرّد التطبيق لا شاهد فيه علی الاختصاص سيّما و الآيات المباركات- علی ما عرفت- شاملة لجميع المشركين، ثمّ علی فرض انقداح اختصاص ما بخصوصهم فلعلّه لأنّ هذه الآية و سائر الآيات الاخر وردت في شأنهم و كان شأن نزولها في مشركي العرب كما لا يبعد استظهاره من نفس الآيات أيضا، فإنّهم كانوا عاهدوا المسلمين ثمّ و في جمع منهم بعهدهم و نقضه آخرون علی ما عرفت.

ثمّ إنّه جاء في ذيل حديث حفص قوله عليه السّلام: و السيف الثالث سيف علی مشركي العجم- يعني الترك و الديلم و الخزر- قال اللّه عزّ و جلّ في أوّل السورة الّتي يذكر فيها الّذين كفروا فقصّ قصّتهم ثمّ قال: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّی إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّی تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها فأمّا قوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني بعد السبي منهم وَ إِمَّا فِداءً يعني المفاداة بينهم و بين أهل الإسلام فهؤلاء لن يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام و لا تحلّ لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب «1».

فقد طبّق آية سورة محمّد علی مشركي العجم و مع ذلك فقال في ذيلها فيهم:

 «فهؤلاء لن يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام» فهذا الّذي جعله حكمهم‏

                       

هو بعينه حكم مشركي العرب بل حكم جميع المشركين علی ما عرفت، فالآية المباركة بهذا التفسير لا تنافي آيات البراءة و إنّما ذكر في هؤلاء المشركين سبيهم و المفاداة بينهم و بين المسلمين، و لم يقل به أحد علی ما عرفت، فالحديث قد أعرض الأصحاب عمّا أفاده في سبي المشركين و لم يقولوا به و هو لا ينافي اعتباره في بقية مضمونه. علی أنّ في اعتبار سند الحديث خفاء إلّا أن يجبر بعمل الأصحاب و بكونه منقولا في الكافي و الخصال و التهذيب و تفسير القمّي، فاهتمامهم بنقله كاشف عن اعتمادهم عليه لكنّه لا يرفع الخدشة عمّا أعرض عنه الأصحاب.

ثمّ إنّ في استظهار أنّ الإمام بصدد تخصيص هذه الآية بخصوص مشركي العجم نفس الكلام الّذي قدّمناه في آية البراءة نقضا و إبراما، فتذكّر.

فالمتحصّل من الآيات و الروايات المذكورة: أنّ جميع المشركين يجب قتلهم و لا تقبل منهم جزية أصلا.

و أمّا سائر الأخبار:

1- ففي خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجزية فقال: إنّما حرّم اللّه الجزية من مشركي العرب «1» و الخبر- و إن كان ضعيف السند إلّا أنّه- دالّ علی حرمة أخذ الجزية من مشركي العرب و هو موافق لما سبق. لا يقال: إنّ قوله «إنّما» و هي من أداة الحصر يدلّ علی عدم حرمة أخذها من سائر المشركين، فإنّه يقال:

إنّ كونها أداة حصر غير مسلّم كما بيّنّاه في محلّه، و لو سلّم لحمل الخبر علی التقية لكون الحصر مذهب بعض العامّة، و العمدة أنّ الخبر ضعيف السند.

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمة10 قسمة12 »

پیام هفته

امر به معروف و نهی از منکر
   آیه شریفه : الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ ... (سوره توبه ، آیه 71)ترجمه : مردان و زنان با ایمان ولی (و یار و یاور) یکدیگرند، امربه معروف و نهی از منکر می‌کنند، نماز را برپا می‌دارند و زکات را می‌پردازند و خدا و رسولش را اطاعت می‌کنند.روایت : قال الباقر(ع) : ان الامر بالمعروف و النهي عن المنكر سبيل الانبياء و منهاج الصالحين فريضة عظيمه بها تقام الفرائض و تأمن المذاهب و تحل المكاسب و ترد المظالم و تعمر الارض و يتصف من الاعداء و يستقيم الامر. ( تهذيب الأحكام ، ج6 ،ص ١٨٠و اصول کافی ، ج5 ، ص 55)ترجمه : امام...

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

HTML 5نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+

پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید