قسمة9

 

و في سند الحديث أبو بردة بن رجا، و لم يذكر بمدح و لا ذمّ، إلّا أنّه ذكر في ترجمته أنّه روی ثلاث روايات رواها عنه صفوان بن يحيی، و حيث إنّ صفوانا أحد الثلاثة الّذين قال الشيخ في العدّة إنّهم لا يروون إلّا عن ثقة، فلا محالة يكون الحديث صحيح السند.

و أمّا مدلوله فبعد السؤال عن رأيه عليه السّلام في شراء أرض الخراج أجاب بقوله:

 «من يبيع ذلك؟ هي أرض المسلمين» و جملته الاولی استفهام إنكاري مدلوله النهي عن بيعها، و ظاهر جملته الثانية أنّها ملك المسلمين و هو المطلوب، كما أنّه الوجه لإنكار بيعها الّذي أفاده في الجملة الاولی.

و ما أفاده عليه السّلام في ذيل الحديث من تجويز الشراء إنّما هو تجويز شراء حقّ من كانت الأرض بيده، فهو يبيع حقّه لا أصل رقبة الأرض فهو أيضا تأكيد لكون العين ملك المسلمين و ليس منافيا له.

ثمّ إنّ موضوع الحكم بالملكية هو أرض الخراج، و واضح أنّها عبارة اخری عن الأرض المفتوحة عنوة فإنّها الّتي يضرب عليها الخراج.

3- و منها صحيحة يعقوب بن شعيب- المروية في الكافي و التهذيب- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال: و سألته عن المزارعة، فقال: النفقة منك و الأرض لصاحبها، فما أخرج اللّه منها من شي‏ء قسّم علی الشطر [الشرط- يب‏] و كذلك أعطی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله أهل خبير حين أتوه، فأعطاهم إيّاها علی أن يعمروها [يعمروا- يب‏] و لهم النصف ممّا أخرجت «1».

بيان الدلالة: أنّه عليه السّلام بيّن أوّلا حقيقة المزارعة بقوله: «النفقة منك و الأرض لصاحبها» فأفاد أنّ الأرض ملك لصاحبها يعطيها المزارع، ثمّ طبّق هذا المعنی علی فعل رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بأهل خيبر، و معلوم أنّ المزارع هناك كان أهل خبير

                       

فلازمه أنّ الرسول صلّی اللّه عليه و آله عدّ مالك الأرض و صاحبها، و من الواضح انّ أرض خيبر أرض خراجية فلا محالة تكون الأرض الخراجية ملكا للمسلمين و قد اسندت إلی النبيّ الأعظم لكونه إمام المسلمين و وليّ أمرهم، فالصحيحة تامّ الدلالة في أرض خيبر نفسها، و بإلغاء الخصوصية منها يعرف أنّ ما فيها هو حكم كلّ أرض خراجية، و قد مرّ أنّ الأرض الخراجية عبارة اخری عن المفتوحة عنوة.

و لا مجال للنقاش في دلالتها إلّا أن يقال: إنّ مدلولها أنّ المالك هو شخص الرسول صلّی اللّه عليه و آله لا المسلمون فلا دلالة فيها بالاستقلال. نعم تحمل علی إرادة أنّه وليّ أمر المسلمين بقرينة سائر الأخبار.

4- و منها ما رواه الشيخ و الصدوق عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لا تشتر من أرض السواد شيئا إلّا من كانت له ذمّة فإنّما هو في‏ء للمسلمين.

و عبارة الصدوق هكذا: و لا يشتری [لا تشتری- خ ل‏] من أراضي أهل السواد شيئا إلّا من كانت له ذمّة فإنّما هي في‏ء للمسلمين «1».

و لا يبعد اعتبار سنديهما إلی أبي الربيع الشامي خليد بن أوفی إلّا أنّ أبا الربيع لم يوثّق، نعم له كتاب روی عنه عبد اللّه بن مسكان الّذي هو من أصحاب الإجماع، و روی عنه الصدوق في من لا يحضره الفقيه الّذي ضمن وثاقة أخباره، و ربما يكتفی بهما في اعتبار السند.

و أمّا دلالته فموضع الدلالة هو قوله عليه السّلام: «هي في‏ء للمسلمين». و بيانه: أنّ الفي‏ء هو ما يرجع إلی المسلمين مثلا ممّن لا يحقّ أن يكون المال لديه، فإذا كانت الأرض فيئا لهم فهي بأيديهم و ملك لهم، فمدلول الحديث أنّ أرض السواد يعني أرض العراق في‏ء و ملك للمسلمين، و قد مرّ أنّ أرض العراق مفتوحة عنوة فهي ملك للمسلمين. و بضميمة صحيحة محمّد بن مسلم الماضية الدالّة علی أنّ أرض‏

                       

العراق إمام لسائر الأرضين يثبت ملكية الأراضي المفتوحة عنوة بعد النبيّ صلّی اللّه عليه و آله بيد أهل الجور بل مطلقا كما مرّ.

5- و منها ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمّد بن شريح قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن شراء الأرض من أرض الخراج فكرهه و قال: إنّما أرض الخراج للمسلمين، فقالوا له: فإنّه يشتريها الرجل و عليه خراجها، فقال: لا بأس إلّا أن يستحيي من عيب ذلك «1».

و محمّد بن شريح الحضرمي و إن كان ثقة إلّا أنّ في السند بكار بن أبي بكر و عليّ بن الحرث و هما مجهولان فالسند غير معتبر.

و موضع الدلالة قوله عليه السّلام: «إنّما أرض الخراج للمسلمين» فإنّ ظاهره أنّ أرض الخراج ملك للمسلمين و لا ينافيه تجويز شرائها فانّه في معنی أن يصير الأرض بيد المشتري كما كانت بيد البائع عليها الخراج، فدلالته تامّة.

هذه هي الأخبار الدالّة علی أنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك للمسلمين و قد عرفت تمامية دلالتها.

 [خراج هذه الأراضي بيد وليّ الأمر]

ثمّ إنّ هنا أخبارا اخر تدلّ علی أنّ الأرض المفتوحة عنوة بيد وليّ الأمر يأخذ منها الخراج و يصرفه في مصارفه المقرّرة من غير تصريح علی أنّها ملك للمسلمين:

1- فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام الخراج و ما سار به أهل بيته، فقال:

العشر و نصف العشر علی من أسلم تطوّعا، تركت أرضه في يده و اخذ منه العشر و نصف العشر فيما عمر منها، و ما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبّله ممّن يعمره و كان للمسلمين، و ليس فيما كان أقلّ من خمسة أوساق شي‏ء، و ما اخذ بالسيف فذلك للإمام [إلی الإمام- ئل‏] يقبّله بالّذي يری كما صنع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بخيبر،

                       

قبّل أرضها و نخلها، و الناس يقولون: لا تصلح قبالة الأرض و النخل إذا كان البياض أكثر من السواد، و قد قبّل رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله خيبر، و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر «1». و رواه الحميري أيضا في الصحيح في قرب الاسناد عنه «2».

و موضع الاستدلال فقراته الثانية الواردة فيما اخذ بالسيف من الأراضي فهو المأخوذ عنوة و حكم عليه السّلام عليه بأنّه بيد الإمام بما أنّه وليّ الأمر بقرينة الاستشهاد بفعل رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله في أرض خيبر يقبّله بالّذي يری من الخراج، و لفظة «للإمام» يراد منها «إلی الإمام» كما في الوسائل بقرينة سائر الأخبار، و بملاحظة أنّ بداهة الخراج من الأموال المجعولة لأن تصرف في مصالح المسلمين.

2- و منها ما رواه الكليني و الشيخ بإسناده عن الكليني عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسی عن عليّ بن أحمد بن أشيم عن صفوان بن يحيی و أحمد بن محمّد بن أبي نصر قالا: ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج و ما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده و اخذ منه العشر ممّا [في ما- يب‏] سقت السماء و الأنهار و نصف العشر ممّا [فيما- يب‏] كان بالرشا [نادرا- يب‏] فيما عمروه منها، و ما لم يعمروه منها أخذه الإمام فقبّله ممّن يعمره و كان للمسلمين، و علی المتقبّلين في حصصهم العشر و نصف العشر، و ليس فيما أقلّ من خمسة أوساق شي‏ء من الزكاة، و ما اخذ بالسيف فذلك إلی الإمام يقبّله بالّذي يری كما صنع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بخيبر، قبّل سوادها و بياضها- يعني أرضها و نخلها- و الناس يقولون: لا يصلح قبالة الأرض و النخل؛ و قد قبّل رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله خيبر، و علی المتقبّلين سوی قبالة الأرض العشر و نصف العشر في حصصهم. و قال: إنّ أهل الطائف أسلموا و جعلوا عليهم العشر و نصف العشر، و إنّ أهل مكّة دخلها [لمّا دخلها- يب‏] رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله عنوة

                       

فكانوا [و كانوا- ين‏] اسراء في يده فأعتقهم و قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء «1».

و موضع الاستشهاد في هذا الحديث أيضا قوله «و ما اخذ بالسيف ...» و دلالته مثل الصحيحة السابقة، و اللفظ هنا «إلی الإمام» فلا مجال لطرح الشبهة المندفعة.

إلّا أنّ في السند عليّ بن أحمد بن أشيم و هو من أصحاب الرضا عليه السّلام إلّا أنّه مجهول الحال، مضافا إلی أنّ في الحديث إضمارا، لكنّه غير مضرّ لعظم مكانة صفوان و البزنطي فإنّهما لا يسألان غير الإمام، مضافا إلی أنّ قولهما في السؤال: «... و ما سار فيها أهل بيته» شاهد علی أنّ المسؤول كان من أهل البيت عليهم السّلام، و ليس ببعيد أن يكون هو الرضا عليه السّلام و أن يكون هذا الحديث متحدا مع الصحيحة السابقة.

3- و منها مرسل حمّاد بن عيسی عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح [أبي الحسن الأوّل- يب‏] عليه السّلام- الّذي رواه الكليني و الشيخ- و الحديث طويل، و فيه:

و الأرضون [الأرض- يب‏] الّتي اخذت عنوة بخيل و رجال [بخيل و ركاب- يب‏] فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها و يحييها و يقوم عليها علی [... صلح- يب‏] ما يصالحهم الوالي علی قدر طاقتهم من الحقّ [... من الخراج- يب‏] النصف أو الثلث أو الثلثين، و علی قدر ما يكون لهم صلاحا [... صالحا- يب‏] و لا يضرّهم [بهم- يب‏] فإذا أخرج منها ما أخرج بدأ [... فإذا خرج منها ابتدأ- يب‏] فأخرج منه العشر من الجميع ممّا سقت السماء أو سقي سيحا و نصف العشر ممّا سقي بالدوالي و النواضح ...]. و يؤخذ بعد ما بقی من العشر فيقسّم بين الوالي و بين شركائه الّذين هم عمّال الأرض و اكرتها، فيدفع إليهم أنصباؤهم علی ما [علی قدر ما- يب‏] صالحهم عليه، و يؤخذ [و يأخذ- يب‏] الباقي فيكون بعد ذلك [فيكون ذلك- يب‏] أرزاق أعوانه علی دين اللّه و في مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام و تقوية الدين في وجوه الجهاد [وجه الجهاد- يب‏] و غير ذلك ممّا فيه مصلحة

                       

العامّة، ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير ... الحديث «1».

و هذا المرسل المبارك قد عمل به الأصحاب، فمن ناحية السند معتبر.

و موضوعه الأراضي الّتي اخذت عنوة، و قد صرّح بأنّها بيد الوالي يجعل عليها الخراج و يكون مصرف خراجه ما في مصلحة عامّة المسلمين، إلّا أنّه ليس فيه تعرّض لأنّ نفس الأرض تكون للمسلمين، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ توصيف هذه الأراضي بوصف «الّتي اخذت عنوة بخيل ...» فيه دلالة علی أنّ هذه الأراضي مأخوذة من مالكيها، و ليس المراد بالأخذ إخراجها عملا عن أيديهم فإنّه خلاف ما فيه من قوله: «فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها و يحييها و يقوم عليها» فالأراضي تترك في أيديهم عملا، فلا محالة يكون المراد بأخذها إخراجها عن ملك مالكيها، و حيث إنّ خراجها يصرف في مصلحة عامّة المسلمين فتدخل في ملك المسلمين حتّی ينتج كون خراجها لهم.

و الإنصاف أنّ هذا الوجه قويّ و به يخرج هذا المرسل، بل و خبر أحمد بن محمّد ابن أبي نصر البزنطي أيضا عن الأخبار المشتملة علی مجرّد ذكر وجوب جعل الخراج علی هذه الأراضي و تكون ثلاثتها من قبيل ما سبقتها من الروايات الخمسة.

فالحاصل: أنّ هذه الأخبار الّتي فيها معتبرات السند قد دلّت علی أنّ الأراضي المأخوذة عنوة ملك لعامّة المسلمين يجعل عليها الخراج و مصرف خراجها مصلحة عامّة المسلمين.

 [حول ما يتوهّم معارضته لأدلّة كون الأراضي ملكا للمسلمين‏]

و قد يتوهّم وجود روايات مدلولها أنّ الأرض الخراجية ملك لأهل الذمّة و من عليه الخراج، و هذه الأخبار علی طائفتين:

 (الطائفة الاولی) ما تدلّ علی ملكيّتهم بتعبير أنّ الأرض لهم، و هي روايات:

منها ما رواه الشيخ بسند صحيح و الصدوق أيضا بسند صحيح عن محمّد بن‏

                       

مسلم و رواه الشيخ أيضا بسند موثّق عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الشراء من أرض اليهود و النصاری، فقال: ليس به بأس، قد ظهر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله علی أهل خيبر فخارجهم علی أن يترك الأرض بأيديهم يعملونها و يعمرونها، فلا أری بها بأسا لو أنّك اشتريت منها شيئا، و أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عملوها فهم أحقّ بها و هي لهم «1».

و هذا اللفظ لفظ الموثّق، و إنّما اخترناه لاحتمال الإضمار في صحيح الشيخ و صحيح الصدوق، و إن كان الظاهر أن لا إضمار في التهذيب فإنّ الظاهر رجوع الضمير إلی أبي عبد اللّه عليه السّلام المذكور في الخبر المتقدّم عليه، مضافا إلی أنّ مثل محمّد بن مسلم الفقيه المعروف الّذي هو من أصحاب الإجماع لا يسأل طبعا عن غير الإمام عليه السّلام بل من المحتمل جدّا أن يكون الحديث مأخوذا عن أصله و قد سبق منه ذكر الإمام عليه السّلام صريحا فاكتفی به و اقتصر علی المجي‏ء بالضمير الراجع إليه. و هكذا الكلام بعينه في صحيح الصدوق في من لا يحضره الفقيه.

و كيف كان، فالجملة المذكورة أخيرا- بعد تجويز شراء أرضهم- في صحيح الشيخ هكذا: «و أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها و هي لهم» و في صحيح الصدوق هكذا: «و أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض فعمروه فهم أحقّ به و هو لهم».

و موضع الاستدلال هو نفس هذه الجملة الأخيرة، فإنّه عليه السّلام حكم أوّلا بجواز شراء أرضهم و ذكر بعده جعل رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله للخراج علی أرض خيبر الّتي لا شبهة في أنّها مأخوذة و مفتوحة عنوة، و ذكرها قرينة علی أنّ مورد السؤال هو الشراء من أراضيهم الخراجية الّتي قد جعلها وليّ أمر المسلمين بأيديهم، و بعد ذلك أعاد ذكر جواز اشترائها و ذكر أخيرا قوله: «و أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض فهم أحقّ‏

                       

بها و هي لهم» فيدلّ بوضوح علی أنّ هؤلاء القوم أهل الذمّة أيضا، حيث إنّهم عمروا و أحيوا أراضيهم فهم أحقّ بها و هي لهم، و جملة «و هي لهم» معناها أنّها ملك لهم.

هذا بالنسبة لجملة الموثق. و مثله الكلام في صحيح التهذيب و صحيح من لا يحضره الفقيه أيضا.

2- و منها ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده الصحيح عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن شعيب عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن شراء الأرضين من أهل الذمّة، فقال: لا بأس بأن يشتری منهم، إذا عملوها و أحيوها فهي لهم، و قد كان رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله حين ظهر علی خيبر و فيها اليهود خارجهم علی أمر و ترك الأرض في أيديهم يعملونها و يعمرونها «1».

و محلّ الكلام فيه سؤالا و جوابا بقرينة ذكر أراضي خيبر هو الشراء من الأراضي الخراجية. و قوله عليه السّلام بعد تجويز اشترائها «إذا عملوها و أحيوها فهي لهم» دليل واضح علی أنّها ملك لهم كما مرّ الآن بيانه، فدلالته واضحة.

و أمّا سنده فما ذكرناه هو المذكور في التهذيب طبعة النجف الأشرف المحقّقة بتحقيق السيّد الخرسان و نقل أنّ نسخته هكذا في الطبعة القديمة، و عليه فحمّاد بن شعيب لم تثبت وثاقته فيكون الحديث غير معتبر السند، إلّا أنّ المذكور في الوسائل الباب الرابع من كتاب إحياء الموات و هكذا المذكور في الوافي في باب حكم أرض الخراج و أرض أهل الذمّة عند نقلهما لهذا الحديث عن الشيخ يكون السند هكذا: الحسين بن سعيد عن حمّاد عن شعيب عن أبي بصير، و هكذا ذكر في التهذيب المطبوع أخيرا بتعليق الغفاري «2». و يكون سند هذا الحديث في الاستبصار في باب شراء أرض أهل الذمّة «3» أيضا مثل الوسائل و الوافي. فعلی جميع ذلك فالظاهر خطأ نسخة حمّاد بن شعيب، و علی النسخة الصحيحة فحمّاد

                       

هو ابن عيسی الثقة الجليل و شعيب هو شعيب بن يعقوب العقرقوفي الّذي يروي عنه حمّاد بن عيسی علی ما في ترجمة شعيب، و أيضا شعيب هو ابن اخت أبي بصير يحيی ابن القاسم فيكون ذكره قرينة علی أنّ المراد بأبي بصير في الحديث يحيی بن القاسم الأسدي الّذي قال فيه النجاشي: «ثقة وجيه» و تكون الرواية صحيحة السند، و إن اغمض عن قرينية نقل الوافي و الوسائل فلا شبهة في أنّ سند الاستبصار سند معتبر يكفي في صحّة السند.

3- و منها ما رواه الكليني في باب شراء أرض الخراج من السلطان عن زرارة قال: قال: لا بأس بأن يشتري أرض أهل الذمّة، إذا عمروها و أحيوها فهي لهم «1».

و تقريب الدلالة: أنّ موضوع الحكم بجواز الاشتراء أرض أهل الذمّة و هي منصرفة إلی أراضيهم الخراجية، و لا أقلّ من أنّ إطلاقها يشمل ما كانت من الأراضي الخراجية بأيديهم و قد ذيّله بأنّهم إذا عمروها و أحيوها فهي لهم، فيدلّ الذيل علی أنّ الأراضي الخراجية الّتي بأيديهم ممّا يعمرونها و يحيونها تكون لهم، و هو المطلوب.

و أمّا سنده ففيه معلّی بن محمّد الّذي قال فيه النجاشي: إنّه مضطرب الحديث و المذهب، علی أنّه حديث مضمر لم يعلم أنّ قائله الإمام عليه السّلام، إلّا أن يقال: إنّ كون المضمر زرارة الفقيه العظيم الّذي من أصحاب الإجماع شاهد علی أنّه لا يروي إلّا عن الإمام و معلّی بن محمّد و إن قال فيه النجاشي: إنّه مضطرب الحديث، إلّا أنّه زاد عليه قوله: «و كتبه قريبة» فأفاد أنّ له كتبا و أنّ كتبه قريبة من كتب الأصحاب، و هو نحو إيماء إلی إمكان الاعتماد عليه. و يؤيّده أنّ المنقول عن ابن الغضائري أنّه قال: «المعلّی بن محمّد البصري أبو محمّد نعرف حديثه و ننكره يروي عن الضعفاء و يجوز أن يخرج شاهدا» فهو مع طول باعه في تضعيف الرواة لم ينصّ علی ضعفه بل قال: «يجوز أن يخرج حديثه شاهدا».

هذه هي الطائفة الاولی من الأخبار.

                       

 (الطائفة الثانية) ما تدلّ علی جواز شراء أرض الخراج ممّن هي في يده فهو يبيعها و المشتري يشتريها، و بما أنّ البيع حقيقته تمليك عين ماله بعوض فيدلّ هذه الأخبار علی أنّ أرض الخراج ملك له. و هذه الطائفة أيضا روايات:

1- منها ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن شراء أرض أهل الذمّة، فقال: لا بأس بها فتكون [فيكون- يب‏] إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدّی عنها [يؤدّی- يب‏] كما يؤدّون ... الحديث «1».

2- و منها ما رواه الشيخ في الموثّق عن محمّد بن مسلم و عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن ذلك فقال: لا بأس بشرائها فإنّها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدّی [تؤدّی- ئل‏] عنها كما يؤدّی عنها «2».

و لفظ «ذلك» المذكور في السؤال إشارة إلی شراء أرض اليهود و النصاری الخراجية كما يشهد به جوابه عليه السّلام بإيجاب أداء الخراج عنها، مضافا إلی أنّ هذه الرواية وقعت في التهذيب بعد موثّق محمّد بن مسلم الّذي ذكرناه في الطائفة الاولی تحت الرقم 1 و كان السؤال فيه عن شراء أرضهم فسبقه قرينة علی أنّ الإشارة إشارة إلی نفس المذكور في ذاك الموثّق.

3- و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سألته عن شراء أرضهم فقال: لا بأس أن تشتريها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدّی فيها كما يؤدّون عنها «3».

و الإضمار فيها غير مضرّ باعتباره لوقوعه أيضا في التهذيب بعد خبرين كان اولاهما سؤالا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام فهذا الصحيح أيضا سؤال عنه، مضافا إلی ما مرّ من أنّ مثل محمّد بن مسلم الفقيه الّذي هو من أصحاب الإجماع لا يسأل غير الإمام عليه السّلام.

                       

فمورد السؤال في هذه الصحاح الثلاث هو شراء أرض الخراج بقرينة إيجاب أداء الخراج علی المشتري عن الأرض كما يؤدّيه البائع عنها، فلا محالة تكون الأرض خراجية اشتراها، و قد مرّ أنّ بيعها دليل علی أنّ البائع كان مالكا لها.

فهاتان الطائفتان من الروايات قد يمكن أن يقال بدلالتهما علی أنّ أرض الخراج ملك لمن يعمرها و هي في يده ببيان ما مرّ و تجعل معارضة للأخبار الماضية الدالّة علی أنّها للمسلمين.

و الحقّ أنّ ملاحظة عدّة من الأخبار الدالّة علی أنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك للمسلمين توجب شرحا لهاتين الطائفتين و إن لا تنعقد معارضة في البين، فمثلا في صحيحة محمّد الحلبي بعد ما أفاد الإمام الصادق عليه السّلام أنّ أرض العراق المفتوحة عنوة- الّتي هي إمام لسائر الأرضين المفتوحة عنوة- ملك لجميع المسلمين فبعد ذلك جوّز شراءها بقوله عليه السّلام: «لا يصلح إلّا أن تشتری منهم علی أن يصيّرها للمسلمين، فإذا شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها» فأفاد عليه السّلام أنّ الشراء لا يسلب أصل هذا المبيع عن مالكه الأصلي، بل إنّ شراءها إنّما يصحّ بشرط أن يجعلها و يراها المشتري بعد شرائها للمسلمين بحيث لا تخرج عن ولاية وليّ الأمر بل بعد شرائها أيضا يكون ولايته عليها باقية، فإذا شاء أن يأخذها أخذها، غاية الأمر أنّه إذا أخذها يردّ علی المشتري رأس ماله- كما في ذيل الصحيحة- فالاشتراء و إن أوجب للمشتري حقّا علی الأرض إلّا أنّ الأرض بعد الاشتراء أيضا للمسلمين.

فهذه الصحيحة تشرح مفاد قولهم عليهم السّلام: «أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض فهي لهم» باق مفاد اللام فيه ليس معنی الملكية بل مجرّد حقّ يثبت لأهل الذمّة الّذين يعمرونها و يحيونها، و تشرح أيضا أنّ حقيقة البيع تقع علی نقل هذا الحقّ إلی المشتري، و قد حقّق أهل التحقيق أنّ البيع غير متقوّم بنقل الأعيان بل يطلق عند العقلاء علی نقل بعض الحقوق أيضا، و بعد هذا الشرح لا تنعقد بين الأخبار معارضة أصلا.

                       

و هكذا الأمر إذا لاحظنا مصحّحة أبي بردة بن رجا فإنّ أبا عبد اللّه عليه السّلام بعد أن منع بيعها بقوله عليه السّلام: «من يبيع ذلك؟! هي أرض المسلمين» فبعد هذا ذكر طريق حلّ لبيعها بقوله: «لا بأس اشتری حقّه منها و يحوّل حقّ المسلمين عليه و لعلّه يكون أقوی عليها و أملأ بخراجهم منه» فأراد أنّ البيع و الاشتراء إنّما يقعان علی حقّ الدهقان الّذي بيده الأرض علی الأرض و هذا الحقّ ينتقل إلی المشتري و يكون عليه الخراج مثل الدهقان.

فهذه المصحّحة أيضا تكون شارحة للطائفتين من الأخبار، و بعد هذا الشرح لا تنعقد معارضة في البين.

و مثلهما المقال إذا لوحظ خبر أبي الربيع الشامي و رواية محمّد بن شريح، فلاحظ.

و من هذا المعنی الّذي ذكرنا و شرحناه تعرف أنّه لا يجوز بيع عين هذه الأراضي المأخوذة عنوة بل هي أراضي للمسلمين قاطبة و يؤخذ عليها الخراج ممّن كانت بيدها، فإنّ الأخبار العديدة الّتي دلّت علی أنّها ملك المسلمين قد منعت عن بيع أعيانها، و إنّما جوّزت بيع حقّ الدهقان و صرّحت بأنّها بعد الاشتراء أيضا تكون للمسلمين و بأنّها في‏ء المسلمين و إنّما يجوز بيعها و اشتراؤها بحيث تبقی علی ما كانت عليه قبل الاشتراء تبقی علی كونها للمسلمين و عليها الخراج.

و قد عرفت أنّ هذا المعنی هو المراد بالأخبار المتعدّدة الّتي أجازت اشتراء الأراضي الخراجية.

و حيث إنّ اللازم علی هذه الأراضي أن تكون ملكا لقاطبة المسلمين و أن تبقی خراجية فكما لا يجوز بيع أعيانها كذلك لا يجوز وقفها و لا هبتها و لا أيّ تصرّف فيها يوجب انتقالها عن ملك المسلمين، و لمّا كان هذا الحكم هو حكمها الشرعيّ البتّي فلا محالة لا يقدم وليّ أمر المسلمين بنقل أعيانها عن ملك المسلمين بأيّ وجه أصلا.

و قد عرفت التأكيد علی أنّ لها هذه الخاصّة في كلمات جمع من أصحابنا الكرام الّذين أوردنا كلماتهم، فتذكّر.

                       

نعم قد عرفت دلالة الأخبار المذكورة علی أنّ لمن بيده أرض خراجية حقّا عليها هو المنشأ لجواز إقدامهم ببيعها.

و يستفاد أيضا أنّ لمن بيده أرض الخراج حقّا عليها طوائف اخر من الأخبار:

 (الطائفة الاولی) ما تدلّ علی أنّ له اجارة الأرض الخراجية الّتي بيده. ففي صحيحة داود بن سرحان المروية عن المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم و ربما زاد و ربما نقص فيدفعها إلی رجل علی أن يكفيه خراجها و يعطيه مائتي درهم في السنة، قال: لا بأس «1».

و بمضمونها صحيح يعقوب بن شعيب و رواية أبي الربيع «2» و خبر سعيد الكندي «3» و خبر الفيض المختار «4».

بيان دلالة هذه الطائفة أنّ الإجارة موقوفة عند العقلاء و في الشريعة علی أن يكون المؤجر مالكا لمنفعة العين الّتي يؤجرها و الملك موضوع للحقوق المترتبة عليه.

 (الطائفة الثانية) ما تدلّ علی أنّ لصاحب هذه الأراضي أن يضعها مجّانا بيد من يريد بحيث يكون أخذها منه بعد انقضاء القرار بيده، و لا معنی له إلّا أنّ أمر الأراضي بيده و هو عبارة اخری عن ثبوت حقّ له فيها. ففي مصحّحة أبي بردة بن رجا قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن القوم يدفعون أرضهم إلی رجل فيقولون: كلّها و أدّ خراجها، قال عليه السّلام: لا بأس به إذا شاءوا أن يأخذوها أخذوها «5».

و مثلها رواية إبراهيم بن ميمون و رواية أبي الربيع 6 و صحيح الحلبي «7» و صحيح آخر له «8»، فراجع.

                       

 (الطائفة الثالثة) ما تدلّ علی أنّ جواز أخذ الأراضي الخراجية الّتي بيد أهل الذمّة مشروط برضاهم، و لا معنی له إلّا أنّ لهم عليها حقّا لا بدّ من رعايته. ففي معتبر إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اكتری أرضا من أرض أهل الذمّة من الخراج و أهلها كارهون و إنّما تقبّلها من السلطان [يقبّلها السلطان- يب‏] لعجز أهلها عنها أو غير عجز، فقال: إذا عجز أربابها عنها فلك أن تأخذها إلّا أن يضارّوا، و إن أعطيتهم شيئا فسخت أنفس أهلها لكم [بها- كا] فخذوها ... الحديث «1».

فالاكتراء للأرض [أو اشتراؤها- كما في نسخة نقلها الوسائل في أبواب عقد البيع- الّذي هو أيضا علی ما عرفت بمعنی الاكتراء] و إن كان من السلطان إلّا أنّه عليه السّلام شرط جوازه بعجز أهل الذمّة عن عمارتها أو تحصيل رضاهم بإعطاء شي‏ء لهم.

و لعلّ المتتبّع يقف علی أخبار اخر متّحدة المضمون لإحدی الطوائف أو دالّة بوجه آخر علی ثبوت حقّ لمن بيده الأرض.

 [تعميم هذه الأراضي لما فتحت أيّام خلفاء الجور]

تتمّة و تعميم: هل الأرض المأخوذة عنوة الّتي للمسلمين عامّة تشمل ما فتحت أيّام خلفاء الجور؟ أم هي مختصّة بخصوص ما فتحت في أيّام الدولة الحقّة كزمن النبيّ و أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليهما و آلهما و أمّا ما فتحت أيّام الجائرين فهي من مصاديق الأنفال و ملك خاصّ للإمام المعصوم عليه السّلام؟

مقتضی إطلاق كلام جلّ من مرّت عباراتهم التعميم، إلّا أنّ للشيخ في جهاد المبسوط عبارة ربما يكون ظاهرها الاختصاص، فإنّه بعد ذكر أنّ أرض السواد و غيرها من البلاد الّتي فتحت عنوة للمسلمين قاطبة قال: و علی الرواية الّتي رواها أصحابنا أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت يكون الغنيمة

                       

للإمام، خاصّة هذه الأرضون و غيرها ممّا فتحت بعد الرسول صلّی اللّه عليه و آله إلّا ما فتح في أيّام أمير المؤمنين عليه السّلام- إن صحّ شي‏ء من ذلك- يكون للإمام خاصّة و يكون من جملة الأنفال الّتي لا يشركه فيها غيره «1».

و قد مرّ أنّ العلّامة في جهاد التذكرة و المنتهی نقل هذه العبارة عنه من دون إظهار نظر في مفادها.

و سند الشيخ قدّس سرّه في هذا الاختصاص كما ذكر في عبارته إنّما هو الرواية الخاصّة الّتي رواها أصحابنا، و هي كما مرّ عند البحث عن مصاديق الأنفال رواية العبّاس الورّاق عن رجل سمّاه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس «2».

و قد مرّ أن الرواية و إن كانت بنفسها غير معتبرة السند إلّا أنّ الأصحاب عملوا بها، و ينجبر ضعف سندها بعمل الأصحاب، و تكون دليلا علی تقييد إطلاقات أنّ غنيمة الحرب بعد إخراج الخمس تقسّم بين المقاتلين «3»، فهاهنا أيضا يقال: إنّ أدلّة كون الأرض المفتوحة عنوة لقاطبة المسلمين أيضا مطلقة تشمل ما إذا كان الفتح في حكومة سلاطين الجور إلّا أنّ الرواية الخاصّة المعتبرة دليل علی تقييدها و اختصاصها بما إذا كان الحرب بإذن الإمام العدل، و أمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام كان الأرض المغنومة عنوة مثل الغنيمة المنقولة كلّها للإمام عليه السّلام و هي كما مرّ من مصاديق الأنفال.

لكنّ الحقّ هنا هو القول بالتعميم و ذلك لما مرّ من أنّ صحيح محمّد الحلبي قد نصّ علی أنّ السواد التي هي أرض العراق لقاطبة المسلمين و مضافا إلی أنّ أرض العراق قد فتحت في خلافة عمر بن الخطّاب فهي بنفسها من الأراضي المفتوحة زمن خليفة الجور، فقد عرفت أنّه وردت صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي‏

                       

جعفر عليه السّلام قال: سألته عن سيرة الإمام في الأرض الّتي فتحت بعد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فقال: إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قد سار في أهل العراق بسيرة فهي إمام لسائر الأرضين ... الحديث «1». فقد أفاد أنّ أرض العراق الّتي فتحت بعد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله إمام لسائر الأرضين الّتي فتحت بعده و حكمها جار في الأرضين الاخر، و إذا كان حكمها بنصّ صحيحة الحلبي أنّها لقاطبة المسلمين فيكون سائر الأرضين المفتوحة بعده أيضا لقاطبة المسلمين.

فبين الأراضي المفتوحة عنوة و الغنائم المنقولة فرق، و هو أنّه ليس في الغنائم المنقولة سوی الإطلاقات المحكومة بالتقييد و هذا بخلاف الأراضي فإنّ فيها دليلا خاصّا علی أنّها أيضا لقاطبة المسلمين، و هذا الدليل الخاصّ يؤكّد الإطلاقات و يوجب تقييد الغنيمة المذكورة في رواية الورّاق المحكومة بأنّ كلّها للإمام بخصوص الغنيمة المنقولة.

و أمّا المسير لإجراء حكم المفتوحة بإذن الإمام عليها بتكلّف أنّ ما نقل في بعض التواريخ من استشارة عمر لأمير المؤمنين عليه السّلام و حضور ابنه الحسن في حرب إيران و قبول عمّار إمارة العساكر و قبول سلمان تولية المدائن شاهد علی إذنه عليه السّلام بهذا الجهاد. فهو غير مستقيم لعدم ثبوت شي‏ء منها بسند معتبر و عدم استلزام شي‏ء منها لأن يكون الجهاد بإذن الإمام و أمره فلعلّه أبرز نظره الموافق إلّا أنّ كلّ أمر الجهاد كان بإذن عمر و أمره، و لعلّ ابنه و عمّار أو سلمان قد أذن أمير المؤمنين بأن يفعلوا ما فعلوا لوجود مصلحة تقتضيه.

 [2- حكم هذه الأراضي زمن الغيبة]

المسألة الثانية: قد عرفت أنّ الأرض المفتوحة عنوة لا يجوز بيع عينها و لا سائر التصرّفات الناقلة فيها، فهل هذا الحكم مختصّ بحال الحضور أو يعمّها و حال غيبة الإمام عليه السّلام؟

                       

إطلاق كلام من تقدّمت كلماتهم و هكذا غيرهم من الأصحاب عموم الحكم لحال الغيبة أيضا، إلّا ما مرّ في كلام الشهيد في الدروس فإنّه لمّا حكم بعدم جواز هذه التصرّفات قال: نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك.

و قال المحقّق الثاني في جامع المقاصد تعليقا علی قول العلّامة: «و لا يصحّ بيعها و لا وقفها و لا هبتها»: هذا في حال ظهور الإمام عليه السّلام، و أمّا في حال الغيبة فينفذ ذلك كلّه كما صرّح به في الدروس و صرّح به غيره «1».

أقول: لا ينبغي الارتياب في أنّ مقتضی الأدلّة المتقدّمة هو تعميم المنع، و ذلك لا لمجرّد أنّها ملك قاطبة المسلمين و لا يجوز بيع ملك الغير- كما في مجمع البرهان- و ذلك أنّه قد يجوز بيع مال الغير كبيع ما وقف علی المسجد من ثمرة البساتين مثلا و كعين مال الزكاة إذا اقتضت المصلحة بيعه فتأمّل، بل لأنّ الأدلّة الماضية كما عرفت قد دلّت علی عدم جواز بيعها، و هي مطلقة من جهة زمان حضور الإمام عليه السّلام أو غيبته.

و في مجمع البرهان الاستدل‏ال لجوازه بأنّ الظاهر أنّ هذه التصرّفات متداولة بين المسلمين في زمان الحضور و الغيبة بين العامّة و الخاصّة في الأراضي المشهورة بأنّها مفتوحة عنوة إلی الآن، من غير إنكار أحد ذلك، و إجراء أحكام المسجد علی ما جعل مسجدا و أحكام الملكية في غيره ممّا بيعت «2». ثمّ استشكله باحتمال أن يكون ما نراه الآن مسجدا قد وقف في أرض كانت مواتا حال الفتح، و هكذا الأمر فيما كان في يد أحد يدا مالكية ثمّ عقّبه بأنّ ما ادّعی أنّها مفتوحة عنوة هي أرض العراق و هو لم يعلم إلّا ببعض التواريخ مع عدم تواتر ناقليه و عدم ثبوت عدالتهم، بل وقع بين علماء العامّة أيضا الخلاف في كونها مفتوحة عنوة كما في التذكرة، بل يحتمل أن تكون من الأنفال لعدم كون فتحها بإذن الإمام عليه السّلام 3.

و استدلاله راجع إلی دعوی سيرة بين المسلمين مستمرّة من زمن المعصومين عليهم السّلام‏

                       

إلی زماننا علی هذه التصرّفات في الأراضي المفتوحة عنوة و لم يرد إنكار بالنسبة إليها لا من المسلمين و لا من الأئمّة العظام سلام اللّه عليهم، فتكون سيرة متشرعية قابلة للاستناد إليها في جوازها زمن الحضور فضلا عن الغيبة.

هذا حاصل ما ذكره من الاستدلال، و الجواب عنه (أوّلا) إلی أنّ مآله ما هو خلاف اتفاق العلماء فإنّه لا خلاف بل الإجماع- كما مرّ- علی عدم جواز هذه التصرّفات بلا إذن الإمام في زمن الحضور. و (ثانيا) ما ذكره هو نفسه من احتمال أن يكون مثل المساجد بل و ما عليه يد المالكية من موات الأراضي و لم تثبت السيرة المستمرّة في جواز التصرّفات الناقلة فيما يعلم أنّه من المفتوحة عنوة المحياة حين الفتح. و (ثالثا) أنّ أراضي بلاد الإسلام حتّی أراضي العراق كانت تحت لواء الحكومات الجائرة العاملة علی فتاوی أهل الخلاف، و قد عرفت أنّ كثيرا منهم يفتون بجواز تقسيم الأرض المفتوحة عنوة بين المقاتلين، و جمعا منهم قالوا: إنّ العراق فتحت صلحا فتكون أراضيها المفتوحة لمالكيها الأوّلين، فمع احتمال ابتناء السيرة علی هذه الامور لا يكون حجّة فيها.

و أمّا ما ذكره من عدم ثبوت كون أرض العراق مفتوحة عنوة فهو ضعيف جدّا لما مرّ من قيام الروايات المعتبرة الاسناد التامّة الدلالة علی أنّها فتحت بعد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و أنّها لجميع المسلمين و لا يجوز بيعها و شراؤها.

كما أنّ ما احتمله من كون أرض السواد بل كلّ ما فتحت أيّام خلفاء الجور من الأنفال قد عرفت قيام الدليل الخاصّ علی خلافه و علی أنّ جميع هذه الأراضي أيضا ملك للمسلمين قاطبة لا يجوز بيعها و لا أيّ تصرّف ناقل فيها.

 [3- هل ملكية المسلمين مختصّة بالمحياة منها؟]

المسألة الثالثة: هل أنّ موضوع الحكم في الأراضي المفتوحة عنوة هو خصوص المحياة من الأراضي فتكون الأراضي الموات من الأنفال و ملكا للإمام عليه السّلام؟ أم موضوعه هو مطلق الأراضي حيّا كانت أم ميّتة؟

قد صرّح بالاختصاص فيما مرّ من العبارات المحقّق في الشرائع و النافع‏

                        

و العلّامة في القواعد و الإرشاد و التذكرة و المنتهی، فراجع. و غيرهما و إن لم يصرّحوا به في عباراتهم الماضية إلّا أنّ المستفاد من كلام كثير منهم ذلك.

و هذا بملاحظة أنّ المذكور في عباراتهم أنّ الأراضي منقسمة إلی أقسام أربعة أو ثلاثة مثلا، فعدّوا الأرض المفتوحة عنوة قسما منها، و جعلوا في قبالها أراضي الأنفال قسما آخر، و لا ريب في أنّ الأراضي الموات من مصاديق الأنفال كما مرّ الكلام فيها فيما مرّ.

1- فهذا الشيخ في زكاة النهاية بعد عدّ أرض من أسلم أهلها عليها و ما اخذ عنوة- و قد مرّت عبارتها فيهما- و عدّ أرض الجزية قال: و الضرب الرابع كلّ أرض انجلی أهلها عنها أو كانت مواتا فاحييت أو كانت آجاما و غيرها ممّا لا يزرع فيها فاستحدثت مزارع فإنّ هذه الأرضين كلّها للإمام خاصّة ليس لأحد معه فيها نصيب ... «1».

فهو قدّس سرّه و إن قيّد الموات المذكور فيه بقيد «فاحييت» و هكذا قيّد ما لا يزرع فيها بقيد «فاستحدثت مزارع» إلّا أنّ من المعلوم أنّ هذا الضرب الرابع هو الأنفال من الأراضي بقرينة ذكر «كلّ أرض انجلی أهلها عنها» و ذكر «أو كانت آجاما» و لمّا كان من الواضح أنّ الموات من الأراضي مطلقا من الأنفال فلا مفهوم للتقييد بالاحياء أو باستحداث مزارع.

و قد عرفت أنّ عبارة الشيخ في آخر كتاب الزكاة من المبسوط مثل عبارته في زكاة النهاية.

2- و قد أشرنا إلی أنّ الشيخ في كتاب البيع من النهاية ذكر الأقسام الأربعة و جعل رابعها الأنفال؛ و عبارته هكذا: و منها أرض الأنفال، و هي كلّ أرض انجلی أهلها عنها من غير قتال و الأرضون الموات و رءوس الجبال و الآجام و المعادن‏

                       

و قطائع الملوك، و هذه كلّها للإمام خاصّة يقبّلها من شاء بما أراد و يهبها و يبيعها إن شاء حسب ما أراد»

.

و دلالة عبارته هنا علی ما ذكرنا أوضح، فإنّه لم يقيّد الموات بقيد و زاد عليه رءوس الجبال و الآجام و قطائع الملوك، و جعل عنوان هذا القسم أرض الأنفال، و كلّ منها دليل علی أنّ الأرض الموات مطلقا للإمام عليه السّلام و أنّ أرض الموات عنوان خاصّ في مقابل المفتوحة عنوة.

3- و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي- بعد تقسيم أراضي المحاربين إلی أقسام خمسة- مرّ ذكر بعضها-: فأمّا أرض الأنفال فقد تقدّم بعينها فهي للإمام ليس لأحد من الذرّيّة و لا غيرهم فيها نصيب «2».

و قوله قدّس سرّه: «فقد تقدّم بعينها» إشارة إلی ما مرّ منه في فصل في الأنفال، حيث قال: فرض الأنفال مختصّ بكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و قطائع الملوك و الأرضون الموات و كلّ أرض عطّلها مالكها ثلاث سنين و رءوس الجبال و بطون الأودية من كلّ أرض و البحار و الآجام و تركات من لا وارث له من الأموال و غيرها 3.

و بيان دلالته واضح ممّا قدّمنا ابتداء و ذيل عبارة النهاية المذكورة آنفا.

4- و قال القاضي ابن البرّاج في كتاب الخمس من المهذّب في باب أحكام الأرضين و تقسيمها إلی أربعة أقسام: ثانيها الأرض المفتحة بالسيف عنوة ... و رابعها الأنفال قال: «باب ذكر أرض الأنفال، كلّ أرض انجلی أهلها عنها، و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب إذا سلّمها أهلها من غير قتال، و كلّ أرض باد أهلها، و رءوس الجبال، و بطون الأودية، و الآجام، و صوافي الملوك و قطائعهم ما لم يكن غصبا، و كلّ أرض كانت آجاما فاستحدثت مزارع، أو كانت مواتا فاحييت، فجميع ذلك من الأنفال، و هي للإمام عليه السّلام خاصّة دون غيره من سائر الناس، و له أن‏

                       

يتصرّف فيها بالهبة و البيع و غير ذلك من سائر أنواع التصرّف حسب ما يراه ... «1».

و بيان دلالته أيضا يعرف ممّا سبق و ما عدّ مقابلا للأرض المفتوحة عنوة هي أرض الأنفال، فلا يضرّ بالمطلوب تقييد الموات المذكور فيه بقوله: «فاحييت» فلعلّه لمكان أنّ خصوصه المناسب لأن يذكر أنّه ملك الإمام دون الموات الّذي لا ربّ له، و كيف كان فبعد أن تكون الأرض الموات الّتي هي الأرض الخربة مطلقا من الأنفال فيكون مدلول عبارته أنّ كلّ أرض كانت من الأموال فهي ملك لشخص الإمام لا يشاركه فيها أحد من الناس، و هو المطلوب.

5- و قال ابن زهرة في كتاب الجهاد من الغنية- بعد ذكر الأرض المفتتحة عنوة بالسيف-: و أمّا أرض الصلح فهي أرض الجزية ... فذكر حكمها ثمّ قال: و أمّا أرض الأنفال- و هي كلّ أرض أسلمها أهلها من غير حرب، أو جلوا عنها، و كلّ أرض مات مالكها و لم يخلف وارثا بالقرابة و لا بولاء العتق، و بطون الأودية، و رءوس الجبال، و الآجام، و قطائع الملوك من غير جهة غصب، و الأرضون الموات- فللإمام خاصّة دون غيره، و له التصرّف فيها بما يراه من بيع أو هبة أو غيرهما ... «2».

فقد ذكر أرض الأنفال عدلا للمفتوحة عنوة، و عدّ من مصاديقها الأرضين الموات، و هي عامّة، فيدلّ علی أنّ الأرض الموات مطلقا للإمام عليه السّلام.

6- و قد جعل أبو الحسن الحلبي في كتاب الجهاد من إشارة السبق أرض الأنفال عدلا للمفتتحة عنوة بالسيف قائلا: و أمّا أن تكون من الأنفال و هي كلّ أرض خربت أو باد أهلها ... فكلّها للإمام القائم مقام النبيّ صلّی اللّه عليه و آله لا تصرّف فيها لأحد سواه «3».

فالأنفال عدل و مقابل للمفتوحة عنوة، و قد عدّ منها كلّ أرض خربت، و هي عبارة اخری عن الأرض الموات، فالمستفاد من عبارته أنّ الأرض الموات ليست من المفتوحة عنوة الّتي هي لجميع المسلمين بل هي خاصّة بالإمام عليه السّلام.

7- و قد ذكر الكيدري في الفصل السابع من زكاة إصباح الشيعة- بعد ذكر

                       

حكم كلّ أرض أسلم أهلها عليها طوعا و كلّ أرض صالح الإمام أهلها عليها و كلّ أرض اخذت بالسيف- فقال: و أراضي الأنفال تذكر بعد «1».

ثمّ و في بوعده في الفصل الحادي عشر من زكاته فقال: الفصل الحادي عشر في الأنفال، الأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و هي ما انجلی أهلها، و كلّ أرض أسلمها أهلها بغير قتال، و رءوس الجبال، و بطون الأودية، و الآجام، و الأرضون الموات الّتي لا أرباب لها، و صواف الملوك و قطائعهم الّتي كانت في أيديهم علی غير وجه الغصب و ... كان كلّ هذا للإمام القائم مقام الرسول صلّی اللّه عليه و آله ... «2».

فهو قدّس سرّه كما تری جعل أراضي الأنفال عدلا و مقابلا للأرض المأخوذة بالسيف، ثمّ فسّر الأنفال بامور و جعل منها الأرضين الموات الّتي لا أرباب لها، فلا محالة تكون هي من الأنفال و ملكا للإمام القائم مقام النبيّ صلّی اللّه عليه و آله.

8- و قال ابن إدريس في باب أحكام الأرضين من السرائر- بعد تقسيمها إلی أربعة أقسام و ذكر حكم أرض أسلم أهلها عليها طوعا و ما اخذ عنوة بالسيف، و أرض الجزية-: و الضرب الرابع كلّ أرض انجلی أهلها عنها أو كانت مواتا فاحييت أو كانت آجاما و غيرها ممّا لم يزرع فيها فاستحدثت مزارع فإنّ هذه الأرضين كلّها للإمام خاصّة ليس لأحد معه فيها نصيب «3».

فعدّه لهذه الأراضي في قبال ما اخذ بالسيف دليل علی أنّها ملك للإمام عليه السّلام لا للمسلمين بل ليس لأحد معه عليه السّلام فيها نصيب. نعم موضوع كلامه الموات الّتي احييت أو ما لم يزرع فيها فاستحدثت مزارع و لا يشمل الموات بالفعل و ليس فيه عنوان الأنفال، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ عنوان «كلّ أرض انجلی أهلها عنها» يهدي إلی أنّ مصبّ كلامه الأنفال الّتي منها كلّ أرض انجلی عنها أهلها فلا محالة يكون‏

                       

الموات مطلقا منها و التقييد بالإحياء أو كونه مزرعة إنّما هو لأنّ غيره لا يرغب فيه لا سيّما في تلك الأزمنة السالفة.

و يدلّ أيضا علی قوله قدّس سرّه بأنّ موات أراضي الكفّار للإمام عليه السّلام أنّه بعد ذلك قسّم البلاد قسمين: بلاد الإسلام و بلاد الشرك، ثمّ قسّم أراضي بلاد الشرك قسمين عامرا و غامرا فقال: و أمّا الغامر في بلاد الشرك- و فسّر الغامر بالخراب- فعلی ضربين: أحدهما لم يجر عليه ملك لأحد و الآخر جری عليه ملك، و الّذي لم يجر عليه ملك أحد فهي للإمام خاصّة لعموم الأخبار «1».

فهو قدّس سرّه قد تعرّض لموات بلاد الشرك و صرّح بأنّ ما لم يجر عليه منه ملك أحد فهو للإمام عليه السّلام و استدلّ له بعموم الأخبار، و حيث إنّ من الواضح أنّ أخبار الموات لم ترد في خصوص بلاد الشرك بل موضوعها الأرض الخربة و الموات فلازم كلامه أنّ عموم الأخبار و إطلاقها يشمل الموات الّذي يكون في بلاد الكفّار و لا اختصاص له ببلاد الإسلام، فيدلّ علی أنّ الأراضي الموات مطلقا ملك للإمام عليه السّلام و تختصّ المفتوحة عنوة بغير الموات.

هذا كلّه حول كلمات الأصحاب في مقام البحث عن الأراضي المفتوحة عنوة، و قد عرفت أنّ مقتضاها أنّ الموات من الأراضي للإمام و أنّ المفتوحة عنوة الّتي هي ملك للمسلمين هي خصوص الأراضي العامرة.

و لو اغمض عن كلماتهم هاهنا لأمكن أن يقال: إنّ إطلاق كلامهم عند عدّ الأنفال أنّ الأرض الموات منها و للإمام عليه السّلام يقتضي أنّ الموات مطلقا للإمام سواء كان في بلاد الإسلام أو بلاد الكفر، فإنّ كلامهم هناك في مقام بيان أنّ قسما خاصّا من الأراضي- أعني الموات منها- يكون في شرع الإسلام للإمام عليه السّلام، و بالطبع لا يختلف الأمر في هذا الحكم بين وقوعها في أيّ أجزاء عالم الأرض.

و من جميع ما ذكرنا يتبيّن أنّه لا يوجد في المسألة خلاف بين الأصحاب‏

                       

و دعوی الإجماع علی أنّ الموات وقت الفتح للإمام عليه السّلام كما في الرياض «1» و الجواهر ليست ببعيدة، بل قال فيه صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده بل الإجماع بقسميه عليه» «2» فادّعی عليه الإجماع المحصّل.

إلّا أنّ الإنصاف أنّه لا مجال للاستدلال به بالإجماع لعدم كشف اتفاقهم عن رأي المعصوم عليه السّلام بعد قوّة احتمال أن يكون مستندهم الأخبار، فاللازم هو البحث عن مقتضی الأخبار فنقول:

إنّ اللازم علينا أوّلا ملاحظة الروايات الّتي استدلّ بها علی أنّ الأرض المفتوحة عنوة لكي يتبيّن أنّ لها إطلاقا يقتضي أنّ الأرض الموات أيضا للمسلمين أم ليس لها هذا الإطلاق بل تختصّ بخصوص الأراضي العامرة الّتي بأيدي الكفّار.

فموضوع الحكم في مصحّح أبي بردة بن رجا «3» و خبر محمّد بن شريح «4» هو أرض الخراج، و واضح أنّ الخراج لا يوضع إلّا علی أرض تكون عامرة تزرع و يؤخذ بعنوان الخراج نصيب من حاصلها، فلا محالة تكون محياة غير موات، و احتمال شمولها للموات الّتي يحدث فيه الزراعة أوّل مرّة بعيد جدّا عند العرف الناظر فيهما، فهذان الخبران لا إطلاق لهما.

كما أنّ موضوعه في صحيح البزنطي عن الرضا عليه السّلام و في خبره و خبر صفوان عند قوله عليه السّلام: «و ما اخذ بالسيف فذلك إلی الإمام يقبّله بالّذي يری كما صنع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بخيبر قبّل أرضها و نخلها» «5» و إن كان ما اخذ بالسيف يمكن أن يقال بشموله للموات أيضا، إلّا أنّك عرفت الآن أنّ التقبيل له دليلی علی أنّها عامرة يؤخذ من حاصلها نصيب و يؤكده التنظير لها بفعل الرسول صلّی اللّه عليه و آله بخيبر و بأنّه‏

                        

قبّل أرضها و نخلها، فإنّ من الواضح أنّ التقبيل هناك كان علی البساتين المشتملة علی النخل و الأراضي البياض الّتي كانت تزرع، فلا إطلاق لهذين الخبرين أيضا.

و مثلهما بل أوضح منهما في الاختصاص صحيحة يعقوب بن شعيب الماضية «1» فإنّ موضوع حكمها بأنّ صاحب الأرض رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بما أنّه وليّ أمر المسلمين هو أرض خيبر الّتي قد عرفت أنّها كانت عامرة بأرضها و نخلها.

و كما أنّ موضوع هذا الحكم في خبر حمّاد بن عيسی في قوله عليه السّلام:

 «و الأرضون الّتي اخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها و يقوم عليها علی ما صالحهم الوالي علی قدر طاقتهم من الحقّ الخراج النصف أو الثلث أو الثلثين ...» «2» و إن كان «الأرضون الّتي اخذت عنوة ...»

ربما يتخيّل أنّها عامّة للموات من الأراضي أيضا إلّا أنّه تخيّل غير مستقيم، و ذلك (أوّلا) لأنّ تعبيره في حكمها بقوله: «فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها» لمكان عنوان تركها في أيديهم دليل علی أنّ هذه الأرضين قبل أن تؤخذ كانت بأيديهم يعمرونها و يحيونها فتترك علی ما كانت فلا محالة هي أراضي عامرة محياة و (ثانيا) لأنّ جعل الخراج عليها نصف حاصلها دليل كما عرفت علی أنّها لها حاصلا يؤخذ جزء منه بعنوان الخراج فلا محالة تكون عامرة. و (ثالثا) لأنّ ذيل هذا الحديث قد حكم- كما يأتي إن شاء اللّه- بقول مطلق بأنّ الموات من الأراضي و كلّ أرض لا ربّ لها للإمام عليه السّلام فهو شاهد اختصاص هذه الأراضي المأخوذة عنوة بغير الموات.

نعم موضوع الحكم بأنّها للمسلمين في صحيح الحلبي «3» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‏

                       

أو الحكم بأنّها في‏ء للمسلمين كما في خبر أبي الربيع الشامي «1» بنقل التهذيب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام هو السواد أو أرض السواد، و قد مرّ أنّ السواد هو العراق و لفظه مطلق يعمّ الموات و العامر منها و إن كان يحتمل دعوی انصرافه إلی خصوص ما كانت محياة يزرعونها و يؤدّون بعض حاصلها خراجا عنها لبعد نظر الحديثين إلی ما كانت مواتا لا يرغب و لا ينظر إليها أحد، فتأمّل.

هذا في خبر أبي الربيع بنقل التهذيب، و أمّا نقل الصدوق في الفقيه فهو هكذا:

 «لا يشتری [لا تشتری- خ ل‏] من أراضي أهل السواد شيئا ... الحديث» فموضوعه أراضي أهل السواد، و لا يبعد دعوی انصرافها إلی ما كانت بأيديهم يعمرونها و يحيونها و تكون منصرفة جدّا عن الموات.

فهذا هو مقتضی النظر في روايات استند إليها في الحكم بأنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك للمسلمين أو بأنّ حاصلها يصرف في مصالح المسلمين، و قد تحقّق أن لا إطلاق لجلّها إلّا لصحيح الحلبي الوارد في أرض السواد علی تأمّل فيه.

ثمّ لو سلّم أنّ هذا إطلاقا يقتضي أن يكون الموات من المفتوحة عنوة أيضا ملك للمسلمين فلا بدّ لنا من النظر في الروايات الدالّة علی أنّ موات الأراضي من الأنفال و هي للإمام فهل لها عموم يقضي بأنّ كلّ أرض موات حتّی ما كانت قد وقعت اليد عليها بالفتح عنوة ملك للإمام عليه السّلام ليكون عمومها قرينة علی تقييد إطلاق أخبار الأرض المفتوحة عنوة؟

فلنذكر من هذه الروايات انموذجا لعلّها تهدينا إلی الحكم الإسلامي الواقعي:

1- ففي صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم، و كلّ أرض خربة و بطون الأودية فهو لرسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء «2».

                       

2- و في صحيح محمّد بن مسلم- المروي عن تهذيب الشيخ- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سمعه يقول: إنّ الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان [فما- يب‏] كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كلّه من الفي‏ء و الأنفال للّه و للرسول، فما كان للّه فهو للرسول صلّی اللّه عليه و آله يضعه حيث يحبّ «1».

3- و في صحيح آخر لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سمعته يقول:

الفي‏ء و الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء و قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم و ما كان من أرض خربة أو بطون أودية؛ فهو كلّه من الفي‏ء فهذا للّه و لرسوله، فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث شاء، و هو للإمام بعد الرسول صلّی اللّه عليه و آله ... الحديث 2.

فهذه الصحاح الثلاثة قد صرّحت بأنّ كلّ أرض خربة أو ما كان من أرض خربة فهي للرسول و بعده للإمام صلوات اللّه عليهم، و الصحاح في مقام تقسيم الأراضي و ذكر أنواعها و في مقام بيان أنّ أيّ نوع منها من الأنفال، فبيّنت أنّ هذا النوع- أعني كلّ أرض خربة- هو من الأنفال و يكون كغيره من مصاديق الأنفال ملكا للإمام عليه السّلام، و تدلّ دلالة واضحة أنّ غير الإمام إذا كان له ملك من الأرض فلا محالة هو غير الأرض الخربة، و من الواضح أنّ الأرض الخربة عبارة اخری عن الأرض الموات، فتدلّ هذه الصحاح أنّ ملك المسلمين من الأراضي المفتوحة عنوة أيضا غير الأرض الموات، فتكون دليلا علی تقييد إطلاق أدلّة المفتوحة عنوة.

4- و من قبيل هذه الصحاح ما رواه حمّاد بن عيسی في خبره المرسل الطويل عن العبد الصالح عليه السّلام فقال فيه: و له بعد الخمس الأنفال، و الأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و لكن صالحوا صلحا و أعطوا بأيديهم علی غير قتال، و له رءوس الجبال و بطون الأودية و الآجام و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها الحديث «3».

                       

فهو عليه السّلام في أوّل هذه الفقرات تعرّض للميتة بالعرض الّتي باد أهلها و عدّها من الأنفال و ملكا للإمام عليه السّلام، و صرّح أخيرا بأنّ كلّ أرض ميتة لا ربّ لها فهي للإمام عليه السّلام، و هو بالبيان الّذي قدّمناه ذيل الصحاح يدلّ علی أنّ كلّ أرض ميتة لا يكون لها و عليها ربّ يدير أمرها و هو عبارة اخری عن الميتة بالأصالة و لعلّها تشمل ما لا يعلم لها ربّ أصلا أيضا فهي ملك خاصّ بالإمام عليه السّلام و مقتضاه تقييد إطلاق أخبار الأراضي المفتوحة عنوة كما عرفت.

بل إنّ في هذا الخبر نكتة خاصّة هي أنّه في الفقرات السابقة تضمّن كما تقدّم أنّ الأرضين الّتي اخذت عنوة بيد الوالي و يكون خراجها مصروفا في مصلحة عامّة المسلمين ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير. فبعد تقديم هذه الفقرات في الأراضي المأخوذة عنوة إذا عقبها قوله: «و له ... كلّ أرض ميتة لا ربّ لها فهذا العموم التالي قرينة متصلة توجب تقييد إطلاق تلك الفقرات السابقة، و تكون هذه المرسلة كالصريح في اختصاص الأراضي المأخوذة عنوة الّتي هي و عوائدها للأمّة الإسلامية بخصوص الأراضي غير الموات كما قدّمنا إليه الإشارة.

و يوجد في روايات أنّ الميتة كلّها روايات اخر بذلك المضمون نقتصر بما ذكرناه عن ذكرها.

فتلخّص أنّ مقتضی الأدلّة أنّ ما للمسلمين من الأراضي المأخوذة عنوة هي خصوص العامر منها و أنّ الموات- كما أفاده الأصحاب- ملك للإمام عليه السّلام.

تكملة: إنّ الّذي قد بحثنا عنه و إن كان خصوص الأرض الموات إلّا أنّ الظاهر أنّ الحكم المذكور غير مختصّ بها بل يعمّها و كلّ أرض تعدّ من الأنفال كأرض انجلی عنها أهلها و كبطون الأودية و الآجام. و هذا التعميم مستفاد من كلام الأصحاب و من أخبار الباب.

أمّا كلمات الأصحاب فلأنّ مجرّد التقييد للأرض المفتوحة عنوة بالمحياة و إخراج الموات عنها- كما في عبارة المحقّق و العلّامة- و إن لم يدلّ علی العموم‏

                       

المذكور بداهة إلّا أنّ جعل الأراضي الّتي هي من الأنفال في قبال المفتوحة عنوة في كلامهم، بل و إطلاق الأراضي المعدودة من الأنفال لكلّ تلك الأراضي عند بحثهم عن مصاديق الأنفال دليل واضح علی أنّ هذه الأراضي تعدّ من الأنفال و ملكا للإمام و إن كانت ممّا وقعت اليد عليها بالفتح عنوة.

و أمّا أخبار الباب فلما عرفت من عدم انعقاد إطلاق معتنی به في أدلّة الأراضي المفتوحة عنوة حتّی يشمل تلك الأراضي أيضا، و لو سلّم لها إطلاق ما فأخبار عدّ مصاديق الأنفال الّتي منها تلك الأراضي كما تقتضي تقييد تلك الأدلّة بالنسبة للأرض الموات فهكذا تقتضي تقييدها بالنسبة لهذه الأراضي حرفا بحرف.

 [4- حكم سائر ما أخذ علاوة علی الأراضي من الأموال غير المنقولة]

المسألة الرابعة: هل المأخوذة عنوة الّتي كانت للمسلمين هي خصوص الأرض و العقار و البساتين؟ أم يعمّها و كلّ ما لا ينقل من الدور و الأمكنة التجارية و المصانع و غيرها؟

إنّ جملة من العبارات الماضي نقلها عن أصحابنا الأخيار كان موضوعها الأرض كالمقنعة للمفيد و النهاية لشيخ الطائفة في الزكاة و البيع و كزكاة الخلاف و كتاب السير منه و زكاة المبسوط و خمس المهذّب و زكاة السرائر و إصباح الشيعة و كنافع المحقّق في توابع كتاب الجهاد و كالمنتهی في البحث عن أحكام الأرضين من جهاده و كالإرشاد في هذا المبحث أيضا و ككافي أبي الصلاح عند البحث عن مغانم المحاربين في كتاب الجهاد و كالمراسم في كتاب الخمس.

كما أنّ الموضوع في بعضها الآخر كالشيخ في كتاب الفي‏ء و قسمة الغنائم ما لا يمكن نقله ممثّلا بالدور و العقارات و الأرضين و البساتين و ادّعی علی أنّه لجميع المسلمين إجماع الفرقة و أخبارهم، و هكذا بلا دعوی الإجماع عبارة إشارة السبق و شرائع المحقّق و قواعد العلّامة و تذكرته و دروس الشهيد، و كلّ هذه العبارات- ما عدا الخلاف- في كتاب الجهاد.

و كما أنّ الموضوع في باب الغنائم من مهذّب ابن البرّاج و جهاد الغنية و في‏

                       

باب قسمة الفي‏ء و أحكام الاساری من السرائر هو ما لم يحوه العسكر و واضح أنّه يشمل الأرض و غيرها.

و بملاحظة موارد بحثهم و العناوين المذكورة في كلماتهم لا يبعد دعوی أن لا خلاف بينهم في أنّ ما لم يحوه العسكر ممّا لا ينقل فهو غنيمة لجميع المسلمين، و قد ادّعی عليه الاجماع الشيخ في كتاب الفي‏ء و قسمة الغنائم.

و أمّا الدليل عليه فقد عرفت أنّ القاعدة الأولية عدم جواز أخذ ملك الغير بغير إذن منه و أدلّة الاغتنام علی خلاف هذه القاعدة، و بالتأمّل في الأدلّة الّتي ذكرناها في الأراضي المفتوحة عنوة تعلم أنّ الموضوع فيها هي الأراضي. نعم الأدلّة الحاكية لاغتنام خيبر كصحيح البزنطي و خبره مشتركا مع صفوان «1» هي أنّ نخل خيبر أيضا كانت من جملة الغنائم، فيستفاد شمول الحكم للبساتين و الأشجار أيضا.

و أمّا شمول الحكم لغيرها ممّا لا ينقل كدور السكنی و أمكنة التجارة فله أحد الطريقين:

أحدهما: دعوی إلغاء الخصوصية عن الأراضي و البساتين و الأشجار إلی كلّ ما لا ينقل من أموال المحاربين، و ليست هذه الدعوی ببعيدة.

و الثاني: الاستدلال بما رواه الشيخ في التهذيب باسناده الصحيح عن الصفّار عن عليّ بن محمّد القاساني عن قاسم بن محمّد عن سليمان بن داود المنقريّ عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك، فقال: إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار، و ولده و متاعه و رقيقه له، فأمّا الولد الكبار فهم في‏ء للمسلمين إلّا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك، فأمّا الدور و الأرضون فهي في‏ء و لا تكون له لأنّ الأرض هي أرض جزية لم يجر فيها حكم الإسلام و ليس بمنزلة ما ذكرناه لأنّ‏

                        

ذلك يمكن احتيازه و اخراجه إلی دار الإسلام «1».

و سند الحديث إلی الصفّار الثقة عظيم القدر صحيح، و الظاهر أنّ عليّ بن محمّد القاساني هو عليّ بن محمّد بن شيرة الّذي عن النجاشي «أنّه كان فقيها مكثرا من الحديث فاضلا، غمز عليه أحمد بن محمّد بن عيسی و ذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة، و ليس في كتبه ما يدلّ علی ذلك» فقد شهد له بأنّه فقيه فاضل مكثر من الحديث و حكی أنّ غمز أحمد بن محمّد عليه إنّما هو سماع مذاهب منكرة منه ثمّ زاد كالجواب عنه بأنّه في كتبه ما يدلّ عليه. و الظاهر أنّ هذا القدر من الثناء كاف في كونه معتبر الحديث، و مجرّد سماع مذاهب وصفها ابن عيسی بأنّها منكرة لا سيّما مع قول النجاشي بأنّه ليس في كتبه ما يدلّ علی ذلك لا يوجب قدحا فيه.

و القاسم بن محمّد هو الاصبهاني أو القمّي و لم يرد فيه توثيق صريح و لا تضعيف. نعم قد وقع في طريق من لا يحضره الفقيه إلی الزهري و إلی سليمان بن داود المنقري و إلی حفص بن غياث، و هو- استنادا إلی ما ذكره الصدوق في مقدّمة الفقيه من ضمان اعتبار ما يرويه فيه- نحو توثيق له، فتأمّل.

نعم سليمان بن داود المنقري قد وثّقه النجاشي و حفص بن غياث، قال فيه الشيخ- علی ما عن فهرسته-: «انّه عامّيّ المذهب له كتاب معتمد» و كفی له بالاعتماد عليه.

فالمتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ اعتبار سند الحديث غير بعيد و لعلّ فتوی الأصحاب في مسألتنا بمضمون ذيله أقوی من شهرة عملية توجب أيضا اعتباره.

بل إنّ مضمون الحديث مذكور في كلمات الأصحاب في بحث الأسری من كتاب الجهاد و قد ذكروا أنّ مدركه هذا الحديث.

و في الرياض أنّه لا خلاف فيه. و في الجواهر: بلا خلاف أجده. و فيهما أنّ الحديث منجبر بعمل الأصحاب «2». فلا ريب في اعتبار سنده.

و أمّا دلالته فموضع الاستدلال به هي فقرته الأخيرة، أعني قوله عليه السّلام في ذيله:

                       

 «و ليس بمنزلة ما ذكرناه، لأنّ ذلك يمكن احتيازه و إخراجه إلی دار الإسلام» و بيانه: أنّه عليه السّلام قد حكم في صدر الحديث بأنّه إذا أسلم الكافر من أهل الحرب في دار الحرب ثمّ ظهر المسلمون علی دار الحرب فحكم بأنّ ولده و متاعه و رقيقه له يعني أنّها لا تصير من غنائم المسلمين، ثمّ صرّح أخيرا بأنّ الدور و الأرضين في‏ء و أرض جزية تكون للمسلمين، و علّل التفريق بينهما في الحكم بقوله: «لأنّ ذلك ... إلی آخره». و حاصله: أنّ المتاع و الرقيق أموال يمكن احتيازها و إخراجها إلی دار الإسلام و الدور و الأرضون لا يمكن إخراجها إلی دار الإسلام، فكانت أمتعته و رقيقه ملكا لنفس هذا الّذي أسلم و الدور و الأرضون بما أنّها لا يمكن إخراجها إلی دار الإسلام صارت فيئا للمسلمين و ملكا لهم، فيدلّ دلالة كلّية علی أنّ كلّ ما لا يمكن احتيازه و نقله إلی بلد الإسلام فهو في‏ء للمسلمين، و هو المطلوب.

فالدور و الأرضون مذكورتان في متن الحديث و أنّهما في‏ء للمسلمين، و ذيله يدلّ علی أنّ كلّ ما لا ينقل فهو في‏ء للمسلمين، و قد جعل موضوع فتوی الأصحاب أيضا في بحث الأسری عنوان ما لا ينقل.

 [5- الأراضي المأخوذة عنوة من البغاة]

المسألة الخامسة: هل يشترط في الأرض المأخوذة عنوة أن تؤخذ من الكفّار فإذا كان القتال مع البغاة من المسلمين و غلب جيش الإسلام عليهم فلا تؤخذ أراضيهم بل تجعل بأيدي أنفسهم أو ورثتهم؟

ظاهر كلمات الأصحاب الاشتراط، و ذلك يستفاد من موضعين من كلماتهم:

أحدهما: من ملاحظة أنّهم قد قسّموا الأراضي أقساما ثلاثة أو أربعة أو أكثر، فذكروا قسما منها الأرض الّتي أسلم أهلها عليها و قسما آخر في مقابله الأرض الّتي اخذت بالسيف عنوة، و أقساما اخر، فجعل الأرض الّتي أسلم أهلها عليها مقابلة و قسيما للأرض المأخوذة عنوة دليل علی عدم إسلام أهل القسم الثاني و إلّا لانتفت المقابلة و القسيمية.

و عليه، فيستفاد هذا الاشتراط من مقنعة المفيد، و نهاية الشيخ في باب أحكام الأرضين من كتاب الزكاة و في باب بيع المياه و المراعي و حريم الحقوق و أحكام‏

                       

الأرضين من كتاب بيعه، و مبسوطه في آخر كتاب الزكاة، و الكافي لأبي الصلاح الحلبي في كتاب الجهاد منه، و المراسم في كتاب الخمس، و المهذّب في كتاب الخمس أيضا، و جهاد الغنية، و جهاد المراسم و السرائر في باب أحكام الأرضين من زكاته و زكاة إصباح الشيعة، و من الشرائع و المختصر النافع، و من منتهی العلّامة و قواعده و إرشاده و تذكرته، فإنّ عبارة جميعهم بالكيفية المذكورة، مضافا إلی أنّ الموضوع في الغنية غنائم، من خالف الإسلام من الكفّار، و موضوع كلام التذكرة في الأرض المفتوحة عنوة ما يملك بالاستغنام من الكفّار و يؤخذ قهرا بالسيف، كما أنّ موضوع كلام السرائر في باب قسمة الفي‏ء و أحكام الاساری من كتاب الجهاد كلّ ما غنمه المسلمون من المشركين فالحاصل: أنّ المستفاد من كلمات من تقدّم في بابنا هذا اشتراط الكفر في من يؤخذ منه الأرض المفتوحة عنوة هذا هو الموضع الأوّل.

و ثانيهما: أنّهم صرّحوا بعدم اغتنام غير ما حواه عسكر البغاة و هو شامل لأموالهم غير المنقولة، أو بعدم اغتنام أراضيهم و ذلك عند التعرّض لأحكام القتال لهم.

1- فقال السيّد المرتضی قدّس سرّه في الناصريّات- شرحا لقول الناصر «يغنم ما احتوت عليه عساكر أهل البغي»: هذا غير صحيح لأنّ أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم و قسمتها كما تقسّم أموال أهل الحرب، و لا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك، و مرجع الناس كلّهم في هذا الموضع إلی ما قضی به أمير المؤمنين عليه السّلام في محاربي البصرة، فإنّه منع من غنيمة أموالهم، فلمّا روجع عليه في ذلك قال: أيّكم يأخذ عائشة في سهمه؟! «1».

فقد أفتی بعدم جواز اغتنامهم مطلقا حتّی ما في عسكرهم، و استدلّ بفعل الأمير عليه السّلام و الأموال شامل لأراضيهم المملوكة بالضرورة، و قد ادّعی علی عدم الجواز أنّه لا يعلم خلافا بين الفقهاء فيه و ظاهره جميع فقهاء الإسلام لا خصوص أصحابنا الأعلام.

                        

2- و قال الشيخ في باب قتال أهل البغي و المحاربين من النهاية: كلّ من خرج علی إمام عادل و نكث بيعته و خالفه في أحكامه فهو باغ و جاز للإمام قتاله و مجاهدته ... و يجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوی العسكر و يقسم علی المقاتلة حسب ما قدّمناه و ليس له ما لم يحوه العسكر و لا له إليه سبيل علی حال «1».

3- و قال في كتاب الباغي من الخلاف: ما يحويه عسكر البغاة يجوز أخذه و الانتفاع به و يكون غنيمة يقسم في المقاتلة، و ما لم يحوه العسكر لا يتعرّض له- ثمّ نقل عن الشافعي و أبي حنيفة ردّ ما حواه العسكر علی البغاة، ثمّ قال:- دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم ... «2».

4- و قال في كتاب قتال أهل البغي من المبسوط: إذا انقضت الحرب بين أهل العدل و البغي إمّا بالهزيمة أو بأن عادوا إلی طاعة الإمام ... و روی أنّ عليّا عليه السّلام لمّا هزم الناس يوم الجمل قالوا له: يا أمير المؤمنين ألا تأخذ أموالهم؟ قال عليه السّلام: لا، لأنّهم تحرّموا بحرمة الإسلام فلا يحلّ أموالهم في دار الهجرة ... و قد روی أصحابنا أنّ ما يحويه العسكر من الأموال فإنّه يغنم، و هذا يكون إذا لم يرجعوا إلی طاعة الإمام، فأمّا إن رجعوا إلی طاعة الإمام فهم أحقّ بأموالهم «3».

فهو قدّس سرّه في كتبه الثلاثة قد جزم بعدم جواز اغتنام ما لم يحوه العسكر من أموالهم، و هو يقتضي كما عرفت أن لا تؤخذ أراضيهم الّتي لا محالة ليست ممّا حواه العسكر، فإنّ المراد بما حواه هو الأموال المنقولة الّتي صرّح بتقسيمها بين المقاتلة في النهاية و الخلاف، و تردّده المترائي من المبسوط في جواز اغتنام ما حواه العسكر و عدم جوازه لا يضرّ بما نحن بصدده كما هو واضح.

5- و قال القاضي ابن البرّاج في باب من يجب جهاده من كتاب الجهاد من المهذّب: من يجب جهاده علی ثلاثة أضرب: ... ثالثها [و هم البغاة ممّن انتمی إلی الإسلام‏] علی ضربين: أحدهما له فئة يرجع إليها، و الآخر لا فئة له. و الّذي له فئة

                       

يرجع إليها ... يغنم أموالهم الّتي يحويها العسكر فقط و لا يجوز سبي ذراريهم و لا أخذ شي‏ء من أموالهم الّتي لا يحويها العسكر. و الّذي لا فئة له ... يغنم أموالهم الّتي في العسكر دون غيرها «1».

و دلالته علی المطلوب واضحة غير محتاجة إلی البيان.

6- و قال ابن حمزة في كتاب الجهاد من الوسيلة- بعد تفسير الباغي بأنّه كلّ من خرج علی إمام عادل- في بيان أحكام البغاة: و ما حواه العسكر من المال فهو غنيمة، و ما لم يحوه فلأهله «2».

و دلالته واضحة كما عرفت.

7- و قال أبو الحسن علاء الدين الحلبي في كتاب الجهاد من إشارة السبق:

و لا يغنم من محاربي البغاة إلّا ما حواه الجيش من مال أو متاع و غيرهما فيما يخصّ دار الحرب لا علی جهة الغصب «3».

و دلالته كسابقه، و الظاهر أنّ المراد بما يخصّ دار الحرب لا علی جهة الغصب أنّ المغتنم خصوص أموال أنفسهم الّتي أتوا بها دار الحرب، و أمّا ما غصبوه فهو لا محالة يردّ إلی مالكه و لا يغنم.

8- و قال السيّد أبو المكارم ابن زهرة في كتاب الجهاد من الغنية: و يغنم من جميع من خالف الإسلام من الكفّار ما حواه العسكر و ما لم يحوه من الأموال و الأمتعة و الذراري و الأرضين، و لا يغنم ممّن أظهر الإسلام من البغاة و المحاربين إلّا ما حواه العسكر من الأموال و الأمتعة الّتي تخصّهم فقط من غير جهة غصب دون ما عداها «4».

و دلالته علی المطلوب صريحة، بقرينة ذكر الأرضين في أموال من يقابلهم من محاربي الكفّار.

9- و قال الكيدري في كتاب الجهاد من إصباح الشيعة: و لا يغنم ممّن أظهر

                       

الإسلام من البغاة و المحاربين إلّا ما حواه العسكر من الأموال و الأمتعة الّتي تخصّهم فقط من غير غصب دون ما عداها»

.

و دلالته أيضا واضحة غنية عن البيان.

10- و قال ابن إدريس في باب قتال أهل البغي و المحاربين من جهاد السرائر- بعد نقل قول الشيخ و نقل قول السيّد المرتضی في الناصريّات بأنّه لا يجوز غنيمة أموالهم-: قال محمّد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب: الصحيح ما ذهب إليه السيّد المرتضی رضی اللّه عنه و هو الّذي أختاره و افتي به؛ و الّذي يدلّ علی صحّة ذلك ما استدلّ به رضی اللّه عنه، و أيضا فإجماع المسلمين علی ذلك، و إجماع أصحابنا منعقد علی ذلك، و قد حكينا في صدر المسألة قول شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه اللّه في كتبه، و لا دليل علی خلاف ما اخترناه «2».

و دلالته واضحة جدّا كما مرّ ذيل نقل كلام السيّد، و زاد هو عليه دعوی انعقاد إجماعنا علی عدم الاغتنام.

11- و قال المحقّق في كتاب الجهاد من الشرائع- في مسائل الركن الرابع الّذي هو في قتال أهل البغي-: الثانية: لا يجوز تملّك شي‏ء من أموالهم الّتي لم يحوها العسكر، سواء كانت ممّا ينقل كالثياب و الآلات أو لا ينقل كالعقارات، لتحقّق الإسلام المقتضي لحقن الدم و المال، و هل يؤخذ ما حواه العسكر ممّا ينقل و يحوّل؟

قيل: لا، لما ذكرناه من العلّة، و قيل: نعم، عملا بسيرة عليّ عليه السّلام، و هو الأظهر.

12- و قال في كتاب الجهاد من المختصر النافع: النظر الثاني فيمن يجب جهادهم، و هم ثلاثة: الأوّل البغاة ... و لا تؤخذ أموالهم الّتي ليست في العسكر، و هل يؤخذ ما حواه العسكر ممّا ينقل؟ فيه قولان: أظهرهما الجواز، و تقسّم كما تقسّم أموال الحرب.

و دلالة كلاميه علی المطلوب واضحة.

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمة8 قسمة10 »

پیام هفته

همکاری با نفوذیان خائن و اختلاس‌گران بی دین
قرآن : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ کامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (سوره نحل، آیه 52)ترجمه: تا روز قیامت بار گناهان خود را تمام بردارند ، و [ نیز ] بخشی از بار گناهان کسانی را که ندانسته آنان را گمراه می کنند. آگاه باشید ، چه بد باری را می کشند.حدیث: و ایما داع دعی الی ضلالة فاتبع علیه، فان علیه مثل اوزار من اتبعه، من غیر ان ینقص من اوزارهم شیئا!: (مجمع‌البیان، ج6، ص 365)ترجمه: ... و هر کس دعوت به ضلالت کند و از او پیروی کنند همانند کیفر پیروانش را خواهد داشت، بی آنکه از کیفر آنها کاسته شود.

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

HTML 5نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+

پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید