قسمة2

 

دليل علی انها لم تكن من أموالهم المختصّة بهم عليهم السّلام» «1» فيه ضعف بيّن، فإنّ زمان تسلّط أمير المؤمنين و بعده الحسن المجتبی عليما السّلام زمان مملوّ بالبلوی و الغوغاء و لم تكن دائرة ولايتهما حينئذ وسيعة و لا من المعادن حينئذ هناك أئر بيّن و لا لشيعتهم المقتفين للأحكام المختصّة بهم كثرة و غير الشيعة لم يكونوا معتنين بهذه الأحكام، بل لعلّ كلّ المسلمين- و لو بملاحظة قلّة المعادن المنتفعة بها الممكنة الاستفادة منها بلحاظ عدم وجود الأداة الجديدة المصنوعة في زماننا زمان تقدّم الصنائع الحديثة- كانوا جاهلين بهذه الأحكام و لم يكن مورد الحاجة مرئيّا و محتاجا إلی البيان و ردع من لا يراعي الحكم، فلذلك كلّه أو بعضه لم يعلم تحقّق سيرة يكون فيها دليل علی الخلاف، و لعلّه صدر منهم الإذن في الانتفاع بالمعادن أيضا كما في أرض الموات و لقلّة موارد الاحتياج لم ينقل إلينا بل لم يصل إلينا.

كما أنّ الشبهة فيه بأن لا دلالة و لا إشعار في أخبار تعلّق الخمس بما يحصل من المعادن علی لزوم استئذان وليّ الأمر و إنّما كان عليه مجرّد أداء الخمس، ففيه دلالة علی عدم وجوب الاستئذان و بالملازمة علی انها ليست ملكا لوليّ الأمر و لا من الأنفال.

مدفوعة بأنّه بعد قيام الدليل علی أنّ المعادن من الأنفال، فلا محالة تكون أدلّة وجوب الخمس فيما يتحصّل من المعدن بصدد بيان حكم آخر، و لا ينافي ثبوت حكم وجوب الاستئذان و لا حاجة إلی التعرّض بالخصوص له، فحكم وجوب الخمس حيثيّ لا دلالة فيه و لا في أدلّته علی الخلاف.

و بالجملة: فبعد تمامية الدليل علی انها من الأنفال لا مجال للاعتناء بهذه الشبهات.

ثمّ إن سلّمنا عدم تمامية دليل كونها من الأنفال فموثّقة إسحاق بن عمّار الماضية لا ريب في دلالتها علی أنّ المعادن الواقعة في كلّ أرض لا ربّ لها من‏

                       

الأنفال فإنّه القدر المتيقّن من مدلولها، و بعدها فلا ريب في أنّ المعادن الواقعة في الجبال و بطون الأودية و الأراضي الموات من الأنفال، فإنّ أدلّة كون هذه الثلاثة من الأنفال و ملكا للإمام تدلّ أيضا علی أنّ المعادن الواقعة فيها أيضا ملك للإمام، أمّا في المعادن الظاهرة فلأنها جزء من كلّ واحد من الثلاثة فتدخل في ما حكم بكونها من الأنفال، و أمّا المعادن الباطنة فلأنّ ملكية وليّ الأمر لأرض الموات و بطون الأودية مقتضاها شمول هذه الملكية لمالكها للمعادن و سائر ما تحت ظاهر الأرض إلی تخومها، فإنّه بعد ما كان بناء العرف علی أنّ المعادن أموال عمومية- كما مرّ- فإذا دلّ دليل علی أنّ أرضا أو جبلا ملك للإمام الّذي هو وليّ أمر الامّة فيفهم العرف ثبوت هذه الملكية بالنسبة إلی المعادن الواقعة في تخوم الأرض، فإنّ هذه الأموال و إن جعلت ملكا لوليّ الأمر إلّا أنّه لا ريب في أنّ الغاية منه أن تكون يده واسعة لأن يصرف هذه الأموال فيما هو الصلاح لنفسه أو للإسلام و المسلمين فلا يكون دليل ملكيّته منصرفة عمّا في تخوم الأرض.

و أمّا المعادن الواقعة في أراضي الأشخاص فبالنسبة إلی الظاهرة منها أو الواقعة في النواحي القريبة من سطح الأرض فربما أمكن أن يقال: إنّ دليل ملكيّتهم للأرض يدلّ علی كونهم مالكين لهذه المعادن أيضا، و هذا بخلاف المعادن الواقعة في تخوم أرضه فإنّ دليل ملكيّته للأرض قاصر الدلالة من حيث كون المعدن الكذائي ملكه، فإنّ العقلاء لا يحكمون بتبعيّة هذه المعادن لسطح الأرض في الملكية و لذلك لا يحكمون علی من حفر قناة في أعماق الأراضي و مضت القناة من تخوم أرض شخص خاصّ فلا يحكمون عليه بأنّه تصرّف في مال الغير حتّی يكون تصرّفه هذا بلا استئذان ظلما و حراما.

و عليه فمقتضی أصالة الحلّ و قاعدة البراءة جواز أن يستفيد كلّ أحد من مثل هذه المعادن الباطنة بشرط أن لا يلزم منها ضرر علی مالك الأرض.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ ما مرّ في كلام بعض الأصحاب كالشهيد و العلّامة من أنّ‏

                       

ملك الأرض يلزمه ملك المعدن فإطلاقه محلّ كلام و منع، و ظهر أيضا أنّه إن كان دليل كون المعادن من الأنفال غير تامّ فاللازم هو التفصيل الّذي ذكرناه.

و من جميع ما مرّ تعرف أنّ استثناء المعدن الواقع في أرض المسلم عن الأنفال لا مجال له أصلا، فإنّ عموم المعادن شامل لهذا المعدن أيضا إذا قلنا بتمامية الدليل علی انها من الأنفال، كما أنّه إذا أنكرنا تماميته فملكية شخص لأرض إنّما تقتضي ملكيّته لبعض المعادن لا كلّها كما مرّ بيانه. و قد عرفت أنّ هذا التقييد من السرائر يفتي به حتّی علی تمامية أدلّة الأنفال و لذا قال بهذا التقييد بالنسبة للآجام و رءوس الجبال أيضا، و هو- كما مرّ الكلام فيه- خلاف إطلاق تلك الأدلّة، فتذكّر.

السادس من مصاديق الأنفال ميراث من لا وارث له:

فهو من الأنفال فيكون ملكا للإمام، و ادّعی الإجماع علی أنّه للإمام جماعة، فقال الشيخ في فرائض الخلاف: ميراث من لا وارث له و لا مولی نعمة لإمام المسلمين سواء كان مسلما أو ذمّيّا، و قال جميع الفقهاء: إنّ ميراثه لبيت المال و هو لجميع المسلمين، دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم «1».

و قال أيضا فيها: ميراث من لا وارث له لا ينقل إلی بيت المال و هو للإمام خاصّة، و عند جميع الفقهاء ينقل إلی بيت المال و يكون للمسلمين ... دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم ... فأمّا الذمّي إذا مات و لا وارث له فإنّ ماله لبيت المال فيئا بلا خلاف بينهم، و عندنا أنّه للإمام مثل الّذي للمسلم سواء، دليلنا عليه واحد و هو إجماع الفرقة 2.

و قال ابن زهرة في الغنية- بعد ذكر الوارث بالنسب و السبب و الولاء و ذكر أحكامهم-: فإن عدم جميع هؤلاء الورّاث فالميراث للإمام، فإن مات انتقل إلی‏

                       

من يقوم مقامه في الإمامة دون من يرث تركته، و سهم الزوج و الزوجة ثابت مع جميع من ذكرناه علی ما مضی بيانه، و كلّ ذلك بدليل الإجماع المشار إليه «1». و قد مضی نقل عبارته في عدّ الأنفال و إنّ منها ميراث من لا وارث له، و ادّعی هناك أيضا نقل الإجماع «2».

و دلالة كلّ واحدة من العبارات الثلاث علی دعوی إجماع الفرقة الإمامية واضحة.

و قد نقل عن العلّامة في المنتهی نسبته إلی علمائنا أجمع، قال قدّس سرّه: و من الأنفال ميراث من لا وارث له، ذهب علماؤنا أجمع إلی أنّه يكون للإمام خاصّة ينقل إلی بيت ماله، و خالف فيه الجمهور كافّة و قالوا إنّه للمسلمين أجمع «3».

و قال أيضا في التذكرة- في فصل الأنفال و عدّ مصاديقه-: و منه ميراث من لا وارث له عند علمائنا كافّة خلافا للجمهور كافّة «4». و واضح أنّ نقل قول علمائنا كافّة قريب من نقل الإجماع.

و في بحث الأنفال من المدارك قريب من عبارة التذكرة فقال: و من الأنفال ميراث من لا وارث له عند علمائنا أجمع «5».

و لم نجد في أصل هذه المسألة خلافا من أحد من أصحابنا و إن عبّر في مجمع الفائدة بقوله: ثمّ كون ميراث من لا وارث له للإمام هو المشهور بين الأصحاب «6».

و قال في الرياض- بعد عدّ الأنفال و أنّ منها ميراث من لا وارث له-:

بلا خلاف أجده في شي‏ء من ذلك «7».

ثمّ إنّ الإجماعات المنقولة إنّما هي علی أنّ ميراث من لا وارث له للإمام و لم يصرّح علی أنّه من الأنفال. نعم إنّ ذكره في باب الأنفال كما في التذكرة و تاليتها

                       

قرينة علی إرادة ذلك مضافا إلی تصريح المدارك و الرياض به.

و العمدة في سند الإجماع هي الأخبار العديدة الواردة في المسألة، فالإجماع لا أقلّ من أنّه مظنون المدرك و لا حجّة فيه، بل لا بدّ من ملاحظة الأخبار المذكورة فنقول:

إنّ الأخبار الدالّة علی أنّ ميراث من لا وارث له للإمام عليه السّلام كثيرة و هي علی طائفتين:

الاولی: ما دلّت علی أنّه من الأنفال، فلمّا كانت الأنفال للإمام فلا محالة يكون ميراثه أيضا له، و هي أخبار متعدّدة:

1- فمنها صحيحة محمّد بن مسلم الّتي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: من مات و ليس له وارث من قرابته و لا مولی عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الأنفال «1».

2- و منها صحيحة محمّد الحلبي الّتي رواها الكليني و الشيخ قدّس سرّهما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه تعالی: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قال: من مات و ليس له مولی فماله من الأنفال 2.

3- و منها موثّقة أبان بن تغلب- الّتي رواها الشيخ قدّس سرّه- قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

من مات و لا مولی له و لا ورثة فهو من أهل هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ» 3. و معلوم أنّ المراد أنّ ماله من الأنفال.

4- و منها ما رواه المشايخ الثلاثة قدّس سرّهم عن أبان بن تغلب. عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الرجل يموت و لا وارث له و لا مولی، قال: هو من أهل هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ «4». و لعلّه و ما سبقه واحد و اختلاف التعبير من باب النقل بالمعنی.

5- و منها موثّقة إسحاق بن عمّار- المروية في تفسير عليّ بن إبراهيم- عن‏

                       

أبي عبد اللّه عليه السّلام، و في ذيلها: و من مات و ليس له مولی فماله من الأنفال «1».

6- و منها صحيحة اخری للحلبي- الّتي رواها عنه الكليني قدّس سرّه- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من مات و ترك دينا فعلينا دينه و إلينا عياله، و من مات و ترك مالا فلورثته، و من مات و ليس له موالي فماله من الأنفال «2».

هذه هي الطائفة الاولی من الأخبار، و دلالتها علی أنّ ميراث من لا وارث له من الأنفال واضحة.

و أمّا الطائفة الثانية فهي أيضا أخبار متعدّدة:

1- منها ما رواه حمّاد بن عيسی عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح [و في نقل الشيخ عن العبد الصالح أبي الحسن الأوّل عليه السّلام‏] في حديث طويل، و فيه: و هو [يعني الإمام‏] وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له «3». روی هذا الحديث الكليني و الشيخ قدّس سرّهما.

2- و منها ما رواه الكافي عن حمّاد بن عيسی عن بعض أصحابنا عن أبي لحسن الأوّل عليه السّلام قال: الإمام وارث من لا وارث له 4. و لعلّ هذا الحديث الثاني مقطّع من الأوّل الطويل، و كيف كان فدلالتهما و إطلاقهما واضح.

3- و منها ما رواه أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا رفع الحديث، و فيه: و ما كان من القری و ميراث من لا وارث له فهو له خاصّة، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری‏ «5». و الحديث وارد في بيان ما يختصّ بالإمام عليه السّلام، فالضمير المجرور يرجع إليه، و مضمون هذا الحديث أيضا مضمون ما سبقه إلّا أنّ في سنده إرسال و رفع.

                       

4- و منها ما رواه الشيخ في التهذيبين عن محمّد بن القاسم بن الفضيل بن يسار عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام في رجل صار في يده مال لرجل ميّت لا يعرف له وارثا كيف يصنع بالمال؟ قال: ما أعرفك لمن هو. يعني نفسه «1».

و قول «يعني نفسه» من الراوي، فهو ظهور الحديث، فالحديث، فالحديث دلّ علی أنّ مال من لا يعرف له وارث للإمام عليه السّلام و هو مطلق شامل لجميع الموارد، فدلالته تامّة، إلّا أنّ في السند عبّاد بن سليمان و هو لم يوثّق.

5- و منها ما رواه الشيخ بسند صحيح إلی ابن محبوب عن خالد بن نافع عن حمزة بن حمران، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن سارق عدا علی رجل من المسلمين فعقره و غصب ماله، ثمّ إنّ السارق بعد تاب، فنظر إلی مثل المال الّذي كان غصبه الرجل، فحمله إليه و هو يريد أن يدفعه إليه و يتحلّل منه ممّا صنع به، فوجد الرجل قد مات، فسأل معارفه هل ترك وارثا؟ و قد سألني عن ذلك أن أسألك عن ذلك حتّی ينتهي إلی قولك. قال: فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إن كان الرجل الميّت يوالي إلی رجل من المسلمين و ضمن جريرته و حدثه أو شهد بذلك علی نفسه فإنّ ميراث الميّت له، و إن كان الميّت لم يتوال إلی أحد حتّی مات فإنّ ميراثه لإمام المسلمين فقلت له: فما حال الغاصب فيما بينه و بين اللّه تعالی؟ فقال: إذا هو أوصل المال إلی إمام المسلمين فقد سلم، و أمّا الجراحة فإنّ الجروح يقتصّ منه يوم القيامة 2.

و في سند الحديث لم يوثّق خالد بن نافع و لا حمزة بن حمران إلّا أنّه روی صفوان بن يحيی عن حمزة و صفوان من الثلاثة الّذين لا يروون إلّا عن الثقات، كما أنّه راوي خالد في حديثنا الحسن بن محبوب الّذي قد عدّه بعض من أصحاب الإجماع، و لذلك فليس السند في درجة الانحطاط.

و أمّا دلالته فلا ريب في انها تدلّ علی أنّ ميراث ذلك الميّت إذا لم يتوال إلی‏

                       

أحد لإمام المسلمين، إلّا أنّه لا إطلاق له بالنسبة إلی غير هذا الشخص و إن لم ينف الإطلاق، و بقرينة سائر الأخبار يعلم أنّه لا اختصاص لحكمه بمورده الخاصّ.

6- و منها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضی أمير المؤمنين عليه السّلام فيمن أعتق عبدا سائبة أنّه لا ولاء لمواليه عليه، فإن شاء توالی إلی رجل من المسلمين فليشهد أنّه يضمن جريرته و كلّ حدث يلزمه، فإذا فعل ذلك فهو يرثه، و إن لم يفعل ذلك كان ميراثه يردّ علی إمام المسلمين «1».

و دلالته واضحة و هو مطلق في كلّ ميّت كان عبدا فأعتق سائبة، و لعلّه لا إطلاق له لكلّ أحد و إن كان دعوی ظهوره في أنّه حكم كلّ من مات و لم يكن له وارث و يلغی الخصوصية عن المورد ليست بعيدة.

ثمّ إنّ «سائبة» اسم فاعل من ساب يسيب سيبا: جری و ذهب كلّ مذهب، و إذا كان العبد المعتق لا ولاء عليه لمعتقه فهو سائبة يضع ماله حيث شاء، و قد ذكر ميزان كونه سائبة في صحيحة عليّ بن رئاب الآتية.

7- و منها صحيحة عليّ بن رئاب و رواية عمّار بن أبي الأحوص- و قد رواها الشيخ و الكليني قدّس سرّهما- قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن السائبة فقال: انظروا في القرآن، فما كان فيه فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ* «2» فتلك يا عمّار السائبة الّتي لا ولاء لأحد عليه إلّا اللّه، فما كان ولاؤه للّه فهو لرسول اللّه، و ما كان ولاؤه لرسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فإنّ ولاءه للإمام و جنايته علی الإمام و ميراثه له 3. و دلالتها واضحة في خصوص السائبة، و لا تنافي جريان حكم الإرث في كلّ ميّت لا وارث له.

8- و منها ما رواه الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان قال:

قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: قضی أمير المؤمنين عليه السّلام فيمن كاتب عبدا ان يشترط ولاءه إذا كاتبه، و قال: إذا أعتق المملوك سائبة أنّه لا ولاء عليه لأحد إن كره ذلك، و لا يرثه‏

                       

إلّا من أحبّ أن يرثه، فإن أحبّ أن يرثه وليّ نعمته أو غيره فليشهد رجلين بضمان ما ينوبه لكلّ جريرة جرّها أو حدث، فإن لم يفعل السيّد ذلك و لا يتوالی إلی أحد فإنّ ميراثه يردّ إلی إمام المسلمين «1».

و هو في أصل الدلالة و مقدارها مثل الصحيحة السابقة.

فهذه الروايات بكلتا طائفتيها تدلّ علی أنّ ميراث من لا وارث له للإمام، و الطائفة الاولی بيّنة للطائفة الثانية و أنّ ميراثه من الأنفال و لذا كان ملك الإمام.

و قد روی المستدرك في أبواب ولاء ضمان الجريرة روايات اخر بهذا المضمون، و ربما يظفر المتتبّع بأخبار اخر أيضا، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ هنا أخبارا ربما تعدّ معارضة للأخبار السابقة و هي علی طوائف ثلاث:

الاولی: ما ربما تدلّ علی أنّ ميراث من لا وارث له يجعل في بيت مال المسلمين:

1- ففي صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: سألته عن مملوك أعتق سائبة، قال: يتولّی من شاء، و علی من تولّاه جريرته و له ميراثه، قلت: فإن سكت حتّی يموت؟ قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين «2».

2- و قريب منها خبر معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول:

من أعتق سائبة فليتوال من شاء، و علی من والی جريرته و له ميراثه، فإن سكت حتّی يموت اخذ ميراثه فجعل في بيت مال المسلمين إذا لم يكن له وليّ «3».

3- و في صحيحة اخری لسليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رجل مسلم قتل و له أب نصراني لمن تكون ديته؟ قال: تؤخذ فتجعل في بيت مال المسلمين، لأنّ جنايته علی بيت مال المسلمين 4.

                       

4- و في خبر رواه قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام أنّ عليّا عليه السّلام أعتق عبدا نصرانيا، ثمّ قال: ميراثه بين المسلمين عامّة إن لم يكن له وليّ «1».

5- و في المستدرك عن دعائم الإسلام: قال أبو جعفر عليه السّلام: من مات و لم يدع وارثا فماله من الأنفال، يوضع في بيت المال لأنّ جنايته علی بيت المال «2».

فالأخبار الثلاثة الاول قد حكمت بأنّ ميراث من لا وارث له يجعل في بيت مال المسلمين، و علّلته الصحيحة الثانية بأنّ ذلك لأنّ جنايته علی بيت مال المسلمين.

نعم لا إطلاق لهذه الأخبار، فالأوّلان فيمن أعتق سائبة، و الثالث في ذمّي مات، و أمّا خبر قرب الإسناد الضعيف السند فقد حكی ما فعله الأمير عليه السّلام في عبد أعتقه و لا دلالة علی أنّه حكم العبد المعتق فلعلّ ميراثه كان له عليه السّلام فأعطاه المسلمين فقال: «ميراثه بين المسلمين عامّة». نعم رواية الدعائم مطلقة لكنّها حكمت بأنّ ميراثه من الأنفال و مع ذلك حكمت بوضعه في بيت المال معلّلة بأنّ جناية من لا وارث له علی بيت المال.

و لا يبعد أن يقال: إنّ المراد ببيت المال أو بيت مال المسلمين في هذه الروايات هو بيت مال الإمام عليه السّلام و لو بلحاظ أنّه عليه السّلام يصرف أمواله في مصالح المسلمين و إن كان ربما يصرفه حيثما شاء من المصارف الشخصية أيضا، و هذا بقرينة روايات متعدّدة دالّة علی هذا المعنی:

1- فمنها صحيحة أبي ولّاد الحنّاط قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في الرجل يقتل و ليس له وليّ إلّا الإمام:

إنّه ليس للإمام أن يعفو، له أن يقتل أو يأخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين، لأنّ جناية المقتول كانت علی الإمام، و كذلك ديته يكون لإمام‏

                       

المسلمين «1». فتری أنّه عليه السّلام قد عبّر أوّلا بأنّ ديته تجعل في بيت مال المسلمين ثمّ علّله بأنّه لمّا كان الإمام عاقلته فلذا يكون ديته الّتي بمنزلة ميراثه للإمام عليه السّلام.

فالتعليل المشير إلی عقل الإمام دليل واضح علی أنّ الدية لشخص الإمام و مع ذلك قد عبّر عن محلّ الدية ببيت مال المسلمين، فهي دليل علی أنّه قد يعبّر ببيت مال المسلمين عمّا يجعل فيه أموال الإمام بما أنّه إمام.

2- و منها صحيحة اخری لأبي ولّاد- رواها المشايخ الثلاثة قدس سرهم- قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل مسلم قتل رجلا مسلما [عمدا] فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل الذمّة من قرابته، فقال: علی الإمام أن يعرض علی قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل إليه فإن شاء قتل و إن شاء عفا و إن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام وليّ أمره فإن شاء قتل و إن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين؛ لأنّ جناية المقتول كانت علی الإمام فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين، قلت: فإن عفا عنه الإمام؟ قال: فقال: إنّما هو حقّ جميع المسلمين، و إنّما علی الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية، و ليس له أن يعفو 2.

و بيان دلالتها أيضا مثل ما مرّ في السابقة. لا يقال: إنّ قوله عليه السّلام تعليلا لنفي حقّ العفو عن الإمام: «إنّما هو حقّ جميع المسلمين» قرينة علی الخلاف و علی أنّ الدية لجميع المسلمين، فبيت مال المسلمين اريد منه ما فيه أموال المسلمين عامّة.

قلت: إنّ الظاهر أنّ مراده أنّ لزوم التعرّض للقاتل حقّ المجتمع الإسلامي فلا مجال للعفو عنه بل إمّا يقتله و إمّا يأخذ الدية لنفسه.

3- و منها صحيحة عبد اللّه بن سنان و موثّقة عبد اللّه بن بكير جميعا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضی أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل وجد مقتولا لا يدري من‏

                       

قتله، قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته أعطوا ديته من بيت مال المسلمين و لا يبطل دم امرئ مسلم، لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته علی الإمام ... الحديث «1».

فتعليل الذيل شاهد علی أنّ بيت مال المسلمين اريد منه بيت مال الإمام، و التعليل إشارة إلی القاعدة المرتكزة من أنّ «من له الغنم فعليه الغرم».

4- و منها صحيحة ثالثة لأبي ولّاد- رواها عنه المشايخ الثلاثة قدّس سرّهم- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ليس فيما بين أهل الذمّة معاقلة فيما يجنون من قتل أو جراحة، إنّما يؤخذ ذلك من أموالهم، فإن لم يكن لهم مال رجعت الجناية علی إمام المسلمين، لأنهم يؤدّون إليه الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلی سيّده. قال: وهم مماليك للإمام، من أسلم منهم فهو حرّ «2».

و هذه الصحيحة قد استدلّوا بها علی أنّ الإمام عاقلة، فلا محالة تكون الدية لشخصه عليه السّلام في قبال أنّ عليه ضمان الجريرة، و هذا الاستدلال عين لما ذكر في ذيل الصحيحة الثانية الّتي حكيناها عن سليمان بن خالد، و قد عبّر فيها ببيت مال المسلمين عمّا عليه الجناية و له الدية، فصحيحة أبي ولّاد هذه قرينة علی أنّ المراد به بيت مال الإمام عليه السّلام لما ذكرناه آنفا.

فهذه الروايات الأربع ثلاثها الاولی شاهدة بنفسها علی إطلاق بيت مال المسلمين علی ما فيه مال الإمام بما أنّه إمام و الرابعة دالّة علی أنّ دية أهل الذمّة لشخص الإمام و قرينة علی أنّ المراد ببيت مال المسلمين في الأخبار الّتي ربما تعدّ معارضة لأخبار الباب هو بيت مال الإمام عليه السّلام، فاندفعت المعارضة بحمد اللّه تعالی.

و لعلّ ما ذكرناه هو سرّ عدم عمل الأصحاب بما قد يجي‏ء في الذهن بادي الرأي من الروايات المعارضة ففهموا أنّ المراد ببيت المال أو بيت مال المسلمين المذكور فيها هو ما يعمّ بيت مال الإمام، ففي الحقيقة قد عملوا بتلك الروايات‏

                       

أيضا و لم يعتقدوا معارضة، و منه تعرف أنّ ما ذكره صاحب الجواهر هنا في كتاب الفرائض بقوله: «إنّا لم نعثر علی عامل بالنصوص القاصر أكثر أسانيدها المشتملة علی أنّ إرثه لبيت المال، و في بعضها لبيت مال المسلمين، الموافقة للعامّة، إلّا الإسكافي و الشيخ في محكيّ الاستبصار، فلتطرح أو تحمل علی التقيّة، أو علی أنّ المراد ببيت المال- و إن اضيف إلی المسلمين- مال الإمام عليه السّلام بقرينة الأخبار الاخر و ما عن جماعة من شيوع إطلاق بيت المال و إرادة بيت مال الإمام عليه السّلام «1» ممّا لا يمكنا تصديقه لما عرفت من صحّة ما أفاده ذيلا الراجعة إلی انتفاء المعارضة. نعم لو سلّمت المعارضة كان عمل الأصحاب بروايات أنّ ميراث من لا وارث له للإمام دليلا علی انها المشهور فيؤخذ بها و يترك مقابلها، و مع الغضّ عنه فموافقة العامّة و مخالفتهم أيضا دليل علی تقدّم ما أفتی به الأصحاب كما أفاد.

ثمّ إنّ القول بأنّ ميراث من لا وارث له لبيت مال المسلمين حكاه العلّامة في المختلف عن ابن الجنيد «2»، و أمّا ما حكی عن الاستبصار فهو خلاف ظاهر كلام الشيخ رحمه اللّه فيه، و ذلك أنّه قدّس سرّه روی فيه أوّلا صحيحة سليمان بن خالد الاولی- بحسب ترتيب حكايتنا- ثمّ رواية عمّار بن أبي الأحوص المصرّحة بأنّ ولاء السائبة الّتي لا مولی له للإمام و عليه جنايته و له ميراثه، ثمّ روی موثّقة أبي بصير الّتي فيها أنّ ميراث ذاك السائبة لأقرب الناس لمولاه الّذي أعتقه، ثمّ قال: فهذا الخبر غير معمول عليه لأنّه إذا لم يوال أحدا كان ميراثه لبيت المال و يكون عليه جريرته علی ما تضمّنته الأخبار الاولة «3». فملاحظة كلامه يعطي أنّه أيضا يری أنّ بيت مال المسلمين المذكور في رواية سليمان بن خالد هو بيت المال الّذي يكون فيه أموال الإمام، و هذا بقرينة نقله لرواية عمّار بن أبي الأحوص الدالّة علی أنّ الميراث للإمام و عدم تعليق عليها. و الحاصل: أنّ الظاهر أنّ منشأ حكاية هذا القول الموافق‏

                       

للعامّة عن الاستبصار هو هذا الموضع من الاستبصار و لا دلالة له أصلا كما مرّ.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّه لا شهادة بوجه و لا تأييد في أخبار الباب لأنّ ميراث من لا وارث له الّذي من أنفال ملك لعموم المسلمين ليكون فيه تأييد لأنّ الأنفال ليست ملك شخص الإمام كما ربما يلوح استفادة هذا التأييد من كلمات بعض الأعاظم «1».

الطائفة الثانية: ما ربما تدلّ علی أنّ ميراث السائبة الّذي لا مولی جريرة له لأقرب الناس من سيّده الّذي أعتقه، و هي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: السائبة ليس لأحد عليها سبيل، فإن والی أحدا فميراثه له و جريرته عليه، و إن لم يوال أحدا فهو لأقرب الناس من مولاه الّذي أعتقه «2».

و قد عرفت كلام الشيخ ذيله أنّ هذا الخبر غير معمول عليه، و قال في الجواهر: لم نعثر علی عامل به «3». فإعراض الأصحاب عنه مع وجوده في التهذيبين مسقط له عن الاعتبار و لا يقوی علی معارضة ما عملوا به من الأخبار.

الطائفة الثالثة: ما ربما تدلّ علی أنّ ميراث من لا وارث له لهمشاريجه:

1- ففي ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن خلّاد السندي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «كان عليّ عليه السّلام يقول في الرجل يموت و يترك مالا و ليس له أحد: أعط المال همشاريجه» 4.

2- و في ما رواه الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن خلّاد عن السري يرفعه إلی أمير المؤمنين عليه السّلام في الرجل يموت و يترك مالا ليس له وارث فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: أعط المال همشاريجه 5.

3- و في ما رواه كلاهما عن داود عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

مات رجل علی عهد أمير المؤمنين عليه السّلام لم يكن له وارث، فدفع أمير المؤمنين عليه السّلام‏

                       

ميراثه إلی همشهريجه [همشيريجه‏] «1».

4- و لعلّ إلی بعض هذه الأخبار يشير ما عن الصدوق قدّس سرّه: و روی في خبر آخر أنّ «من مات و ليس له وارث فميراثه لهمشاريجه» يعني أهل بلده 2.

و الحقّ- كما قال الشيخ في التهذيب «3»- أنّ هذه الأخبار إنّما تضمّنت أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أمر بأن يعطی تركته همشاريجه و هو يجتمع مع أن يكون الميراث ملكا له، و إنّما فعل ذلك لبعض الاستصلاح، فإنّه- كما مرّ في أخبار الأنفال- جاز أن يعمل بماله ما شاء. هذا و لو سلّم تمام دلالتها و اعتبار سند الكافي لوجود ابن أبي عمير فلم يقل بها أحد فلا تقاوم الأخبار الكثيرة المعمول بها الدالّة علی أنّ ميراث من لا وارث له ملك خاصّ للإمام عليه السّلام.

و بعد ذلك ينبغي التنبيه علی نكتة و هي أنّ موضوع هذا العنوان هو ميراث من لا وارث له، و الميراث يعمّ كلّ ما يورث من أيّ الأموال و الحقوق، فيشمل جميع أقسام الأموال نقدا كان أو أرضا أو فرشا و فراشا و غيرها، و لا يختصّ بقسم خاصّ منها كما لا يخفی.

هذا تمام الكلام في ميراث من لا وارث له، و قد تحصّل أنّه من الأنفال و ملك للإمام عليه السّلام.

السابع و الثامن و التاسع من مصاديق الأنفال: ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و ما صالحوا عليه و ما أعطی الكفّار بأيديهم.

فإذا ارتفع صيت الإسلام و قدرته أو بعث وليّ الأمر أو المنصوب من قبله جندا للقتال مع قوم فخافوا و انجلوا عن مقرّهم و بلادهم فما بقي منهم فهو ممّا لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و هو من الأنفال، كما أنّ الأعداء إذا بعثوا و فدا

                       

و صالحوا المسلمين علی ترك مقاتلتهم في قبال شي‏ء فهذا الشي‏ء أيضا من الأنفال، كما أنّه إذا لم يكن صلح و ابتدأ الأعداء بإعطاء شي‏ء للمسلمين رجاء رفق أو صفح عنهم فأخذه المسلمون فهذا الشي‏ء أيضا من الأنفال.

قال المحقّق في الشرائع في مقام عدّ أوّل مصاديق الأنفال: و هي- يعني الأنفال- خمسة: الأرض الّتي تملك من غير قتال سواء انجلی أهلها أو سلّموها طوعا. و في الجواهر بعده: بلا خلاف أجده، بل الظاهر أنّه إجماع «1».

و قال ابن زهرة في الغنية: و أمّا أرض الأنفال و هي كلّ أرض أسلمها أهلها من غير حرب أو جلوا عنها ... و دليل ذلك كلّه الإجماع المتكرّر و فيه الحجّة «2».

و في الرياض بعد عبارة النافع بمثل ما في الشرائع: بلا خلاف في شي‏ء من ذلك أجده «3».

و الأمر كما قالوا، فإنّا أيضا وجدنا الأصحاب- فيما عثرنا علی كلماتهم- متوافقين و لم نجد فيه خلافا.

ثمّ إنّ تعبير الأصحاب عن موضوع هذه العناوين الثلاثة مختلف، فتارة عبّروا بكلّ أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل و لا ركاب كما في اصول الكافي و مقنعة المفيد و مراسم سلّار و الكافي للحلبي. و اخری بالأرض الّتي تملك من غير قتال كما في النافع و الشرائع للمحقّق و حدائق البحراني و ولاية الفقيه لبعض الأعاظم، و قد قسّموها بما انجلی أهلها عنها أو سلّموها طوعا. و ثالثة بكلّ أرض لم يوجب عليها بخيل و لا ركاب أو يسلّمونها بغير قتال كما في نهاية الشيخ و سرائر الحلّي و إصباح الشريعة للكيدري. و التعبير الأوّل مطلق و لعلّه مساو للتعبير الثاني إلّا أنّ الثالث بقرينة التقسيم لا يشمل ما سلموها بغير قتال. و رابعة بكلّ أرض جلا عنها أهلها أو أسلمها الكفّار بغير قتال أو لم يوجف عليها بخيل و لا

                       

ركاب كما في الوسيلة لابن حمزة و الغنية و التذكرة. و خامسة بخصوص ما انجلوا عنها أو أسلموها كما في الدروس و اللمعة للشهيد.

إلّا أنّ الظاهر أنّ اختلاف التعابير إنّما حصل تبعا للأخبار العديدة الواردة في موضوع الكلام و ربما انجرّت الدقّة و الاجتهاد إلی بعض هذه التعبيرات، فاللازم هو الرجوع إلی الأدلّة اللفظية من الكتاب و السنّة فإنّها المعتمد الأصيل لأقوال الأصحاب و الإجماع المدّعی في المسألة فنقول:

إنّه قد ورد في الباب بعض آيات الكتاب و أخبار كثيرة، و مقتضی الدقّة فيها أنّ المصداق للأنفال هنا عناوين ثلاثة ذكرناها، فقد قال اللّه تبارك و تعالی: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ* وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ* ... وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلی مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلی كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ «1».

فالآيتان الاوليان تحكيان أنّ جماعة من أهل الكتاب كتب اللّه عليهم الجلاء عن ديارهم فأخربوا بيوتهم و انجلوا عنها، و الآية الأخيرة تحكي أنّه قد بقی منهم أشياء و أنّ هذه الأشياء قد أفاءها اللّه علی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، و علّلت هذه الافاءة عليه بأنّ المؤمنين لم يوجفوا عليها بخيل و لا ركاب فلم تحصل و لم تبق بالجهاد لهم فلا وجه لأن تكون للمؤمنين من باب غنائم الحرب بل هي مختصّة بالرسول صلّی اللّه عليه و آله. هذا مفاد نفس الآيات.

و قد ذكر المفسّرون أنّ هذه الجماعة هم يهود بني النضير الّذين كانوا ساكنين‏

                       

قرب المدينة فلمكان قيامهم مقام إظهار العداوة للمسلمين حاصرهم النبيّ و المسلمون فأخربوا بيوتهم و ذهبوا بأموالهم مهما أمكن و لا محالة بقيت منهم أراض دائرة و ربما بقيت منهم أشياء اخر، فهذه الامور هو المراد بالموصول في قوله تعالی: وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ و واضح أنّ صدق الافاءة إنّما هو لمكان أنّ هذه الامور قد أرجع اللّه من تحت أيديهم إلی الرسول الأعظم «1».

فالمستفاد من الآيات لا سيّما الثالثة منها أنّ الفي‏ء المذكور مختصّ بالرسول و ليس غنيمة حربية لكي يكون للمسلمين فيه نصيب، فمورد الآية هو هذه الأموال شخصا، إلّا أنّه بقرينة التعليل المذكور لا يبعد استفادة قاعدة كلّية هي: أنّ كلّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و وقع تحت يد الإسلام و المسلمين فهو خاصّ بالرسول ليس لغيره فيه نصيب.

و الآية كما تری لم تحمل علی هذه الامور إلّا عنوان الفي‏ء و لم تذكر عنوان الأنفال، إلّا أنّ روايات كثيرة قد نصّت علی أنّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فهو من الأنفال، فلا بدّ من ملاحظة الأخبار.

فالأخبار الواردة في المسألة- بالنسبة إلی النظر إلی الآية المباركة- تنقسم قسمين، فقسم منها بمنزلة شرح و تفسير للمراد من المذكور في الآية، و قسم آخر ليس فيه هذا اللسان.

أمّا القسم الأوّل فهو أخبار أربعة أو ستّة و هي موثّقة ابن مسلم و خبر الحلبي و مرفوعة أحمد بن محمّد و خبر النعماني و خبر ابن أسباط «2».

و خبر آخر رواه الصدوق في الأمالي و عيون الأخبار، و سيأتي هذا الخبر و الأخبار الاخر إن شاء اللّه تعالی.

و حقّ الكلام في الأخبار أنّ لسانها- في موضوع كلامنا- يختلف،

                       

و التحقيق في تحصيل مقتضاها أن يقال:

إنّ ظاهر صحيحة حفص بن البختري أنّ مصداق الأنفال هنا أحد امور ثلاثة، و ذلك أنّه روی عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم ... الحديث «1».

فذكر هذه العناوين الثلاثة و عطف كلّا منها علی ما قبله ب «أو» و هو ظاهر في التنويع، فكلّ منها عنوان مستقلّ في أن يكون من الأنفال و مصاديقها ثلاثة و عليها اعتمدنا أوّل العنوان.

و مثل هذه الصحيحة ما عن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام أنّه قال:

ما كان من أرض لم يوجف عليها المسلمون و لم يكن فيها قتال، أو قوم صالحوا أو أعطوا بأيديهم ... فذلك كلّه للرسول صلّی اللّه عليه و آله يضعه حيث أحبّ و هو بعده للإمام «2».

و أيضا مثلها ما عن تفسير العيّاشي عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

سمعته يقول: إنّ الفي‏ء و الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة، أو بطون الأودية الحديث «3».

و قد وردت أخبار مفادها أنّ كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب من الأنفال:

1- ففي موثّق إسحاق بن عمّار- الّذي رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره- قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الأنفال، فقال: هي القری الّتي قد خرّبت و انجلی أهلها فهي للّه و للرسول، و ما كان للملوك فهو للإمام، و ما كان من أرض الجزية لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و كلّ أرض لا ربّ لها و المعادن منها و من مات‏

                       

و ليس له مولی فماله من الأنفال «1».

فظاهر هذه العبارة المذكورة في التفسير أنّ أرض الجزية- يعني الّتي بيد أهلها- إذا لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب فهي من الأنفال و هي للّه و الرسول، و من المعلوم أنّ مثلها لا ينافي صحيحة حفص فإنّه صرّح بأنّ ما لم يوجف عليه فهو من الأنفال و لم يتعرّض للعنوانين الآخرين، و الصحيحة تثبتهما أيضا و لا منافاة.

2- و فيما رواه العيّاشي عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (في حديث):

قلت: و ما الأنفال؟ قال: بطون الأودية و رءوس الجبال و الآجام و المعادن و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و كلّ أرض ميتة قد جلا أهلها و قطائع الملوك «2» و مقدار دلالتها و الكلام فيها عين ما مرّ في الموثّق.

3- و في الخبر المروي عن تفسير النعماني عن عليّ عليه السّلام: و الفي‏ء يقسّم قسمين: فمنه ما هو خاصّ للإمام، و هو قول اللّه عزّ و جلّ في سورة الحشر: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبی‏ وَ الْيَتامی‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ و هي البلاد الّتي لا يوجف عليها بخيل و لا ركاب «3».

و هذا الخبر و إن خالفته موثّقة محمّد بن مسلم في تفسير الآية المذكورة- كما ستأتي- إلّا أنّه عدّ البلاد الّتي لا يوجف عليها بخيل و لا ركاب خاصّة بالرسول و الإمام، و لا منافاة بينهما فيه، كما لا منافاة فيه بين هذا الخبر و صحيحة حفص كما ذكرنا في الموثّق.

4- و في مرفوعة رواها أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا: و ما كان من فتح لم يقاتل عليه و لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب إلّا أنّ أصحابنا يأتونه فيعاملون‏

                       

عليه فكيف ما عاملهم عليه النصف أو الثلث أو الربع أو ما كان يسهم له خاصّة و ليس لأحد فيه شي‏ء إلّا ما أعطاه هو منه، و بطون الأودية و رءوس الجبال و الموات كلّها هي له، و هو قوله تعالی: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ أن تعطيهم منه قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ و ليس هو يسألونك عن الأنفال، و ما كان من القری و ميراث من لا وارث له فهو له خاصّة، و هو قوله عزّ و جلّ: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری‏ ... الحديث «1».

فهذه المرفوعة أيضا قد عدّت الأرض الّتي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب للإمام عليه السّلام و من الأنفال المذكورة في الآية و هي الّتي قلنا أنّها لا تنافي صحيحة حفص الماضية. نعم تفسيرها لآية الحشر المذكورة بالفي‏ء الّذي هو له صلّی اللّه عليه و آله تنافيه موثّقة محمّد بن مسلم الآتية إن شاء اللّه تعالی كما ذكرنا في خبر النعماني أيضا.

5- و في مضمرة سماعة بن مهران قال: سألته عن الأنفال، فقال: كلّ أرض خربة أو شي‏ء يكون للملوك فهو خالص للإمام و ليس للناس فيها سهم، قال: و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب «2». و رواها العيّاشي أيضا «3». فقوله في الذيل: «و منها البحرين ... إلی آخره» يدلّ علی أنّ البحرين من الأنفال لأنّها لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، فيدلّ علی كبری كلّية هي، أنّه كلّ ما لم يوجف عليه فهو من الأنفال، و هذه الكبری قد فهمت من صحيحة حفص أيضا و لا منافاة بينهما كما مرّ.

6- و في معتبر الريّان بن الصلت- المرويّ في أمالي الصدوق و عيون الأخبار- عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام في مباحثته للعلماء بمحضر المأمون قال عليه السّلام: و الآية الخامسة قول اللّه عزّ و جلّ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبی‏ حَقَّهُ خصوصية خصّهم اللّه العزيز الجبّار بها و اصطفاهم علی الامّة، فلمّا نزلت هذه الآية علی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال:

ادعوا لي فاطمة عليها السّلام، فدعيت له، فقال: يا فاطمة، قالت: لبّيك يا رسول اللّه،

                       

فقال صلّی اللّه عليه و آله: هذه فدك، هي ممّا لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و هي لي خاصّة دون المسلمين، و قد جعلتها لك لما أمرني اللّه به، فخذيها لك و لولدك «1».

فقوله صلّی اللّه عليه و آله: «هذه فدك هي ممّا لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و هي لي خاصّة» و إن كان في مورد خاصّ إلّا جملة «هي ممّا لم يوجف عليه ...» ظاهرة في أنّها علّة اختصاصها بشخصه، فتدلّ علی قاعدة كلّية هي: أنّ كلّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فهو له صلّی اللّه عليه و آله خاصّة و هي متوافقة المضمون للكبری الّتي محلّ البحث.

7- و في خبر عليّ بن أسباط- الّذي رواه الكليني و الشيخ- قال: لمّا ورد أبو الحسن موسی عليه السّلام علی المهدي رآه يردّ المظالم، فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال مظلمتنا لا تردّ؟! فقال له: و ما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: إنّ اللّه فتح علی نبيّه فدك و ما والاها لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فأنزل اللّه علی نبيّه: وَ آتِ ذَا الْقُرْبی‏ حَقَّهُ فلم يدر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله من هم، فراجع في ذلك جبرئيل، و راجع جبرئيل ربّه، فأوحی إليه أن ادفع فدك إلی فاطمة- إلی أن قال عليه السّلام بعد ذكر حدود فدك في جواب سؤال المهدي-: نعم إنّ هذا كلّه ممّا لم يوجف أهله علی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بخيل و لا ركاب «2».

و بيان دلالة هذا الخبر أيضا قريب ممّا مرّ في معتبر الريّان، فإنّ جملة: «لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب» بيان لعلّة اختصاص فدك به و تدلّ علی تلك الكبری الكلّية.

8- و في رواية أبي بصير- المروية في المستدرك عن كتاب عاصم بن حميد الحنّاط- عن أبي جعفر عليه السّلام: و لنا الأنفال، قلت له: و ما الأنفال؟ قال: المعادن منها و الآجام و كلّ أرض لا ربّ لها، و لنا ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و كانت فدك من ذلك «3».

                       

و دلالتها علی أنّ ما لم يوجف عليه لهم بل و علی أنّها من الأنفال واضحة.

فهذه الأخبار الثمانية قد دلّت علی أنّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فهو للرسول و الإمام صلوات اللّه عليهما و آلهما و قد تضمّن بعضها أنّها من الأنفال كما عرفت، و هي من هذه الجهة موافقة لما دلّت عليه صحيحة حفص و رواية الدعائم و لا تنافي ذكر أمرين آخرين أو غيرهما فيهما أو في غيرهما، فإنّه لا دلالة فيها علی الحصر.

و هنا أخبار ثلاثة اخر ظاهرها تفسير الأنفال بما لم يوجف عليه و لعلّها تنفي بمتقضی ظهور الانحصار أن يكون ذانكما الأمران أيضا منها:

1- ففي ما رواه العيّاشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: الأنفال ما لم يوجب عليه بخيل و لا ركاب «1».

2- و فيما رواه العيّاشي عن أبي اسامة زيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن الأنفال فقال: هو كلّ أرض خربة و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب 2.

3- و فيما رواه المفيد في المقنعة عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الأنفال، فقال: كلّ أرض خربة أو شي‏ء كان يكون للملوك، و بطون الأودية و رءوس الجبال و ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فكلّ ذلك للإمام خالصا «3».

ففي هذه الروايات إن اريد ممّا لم يوجف عليه ما لم يقع عليه قتال دخل فيه ما أعطوا بأيديهم و ما صولحوا عليه، و إن اريد ما لا يشملهما يحمل علی المثال و يكون إرادة غيره بقرينة سائر الروايات بلا إشكال، كما أنّ الأمر كذلك بالنسبة إلی ما لم يذكر في شي‏ء منهما كميراث من لا وارث له و الآجام فليس في هذه الأخبار أيضا دليل علی خلاف مفاد الصحيحة.

و مثل هذه الأخبار الثلاثة خبر محمّد بن عليّ الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن الأنفال، فقال: ما كان من الأرضين باد أهلها و في غير ذلك الأنفال‏

                       

هو لنا، و قال: سورة الأنفال فيها جدع الأنف، و قال: وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلی‏ مَنْ يَشاءُ و قال: الفي‏ء ما كان من أموال لم يكن فيها هراقة دم أو قتل، قال: و الأنفال مثل ذلك هو بمنزلته «1».

فقوله عليه السّلام في الذيل: «الفي‏ء ما كان ... إلی آخره» يحمل علی المثال و يراد غيره أيضا بقرينة مثل صحيحة حفص و غيرها فلا منافاة.

و مثلها أيضا ما عن الدعائم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال في قول اللّه عزّ و جلّ:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ قال: هي كلّ قرية أو أرض لم يوجف عليها المسلمون و ما لم يقاتل عليها المسلمون، فهو للإمام يضعه حيث أحبّ «2».

كما أنّ قول العبد الصالح أبي الحسن الأوّل في مرسلة حمّاد الطويلة: «و له بعد الخمس الأنفال، و الأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها، و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و لكن صالحوا صلحا و أعطوا بأيديهم علی غير قتال» «3» حيث جمع فيه قيود عدم الإيجاف و المصالحة و الإعطاء بغير قتال فهو محمول أيضا علی المثال قطعا، و إلّا فلا ريب في أنّ الجلاء عن الأرض بلا قتال الّذي هو مع عدم الايجاف عليها بخيل و لا ركاب كاف قطعا في أن تصير من الأنفال كما في مورد الآية المباركة، فلا يراد منها التقييد، و معه فلا يكون منافاة أصلا.

ثمّ إنّه إذا كان أرض قد جلا أهلها عنها بغير قتال فهي مصداق لما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب بل هي عبارة اخری عنها، و عليه فلا منافاة بين مثل صحيحة حفص و ما عدّ من الأخبار ما جلا عنها أهلها من الأنفال:

1- ففي موثّقة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: ما يقول اللّه‏

                       

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ؟ قال: الأنفال للّه و الرسول صلّی اللّه عليه و آله، و هي كلّ أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل و لا رجال و لا ركاب فهي نفل للّه و الرسول «1».

2- و في خبر محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول- و سئل عن الأنفال- فقال: كلّ قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها فهي نفل للّه عزّ و جلّ ... الحديث 2.

3- و في خبر حريز المروي عنه في تفسير العيّاشي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

سألته أو سئل عن الأنفال، فقال: كلّ قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها فهي نفل، نصفها يقسّم بين الناس و نصفها للرسول صلّی اللّه عليه و آله «3».

فهذه الأخبار أيضا لا تنافي مثل صحيحة حفص، نعم ما في ذيل مرسل حريز و خبر ابن مسلم من أنّ نصف الأنفال فقط للرسول فهو خلاف سائر الأخبار العديدة المعتمدة و لم يعمل به أحد من الأصحاب كما مرّ أوائل البحث، فتذكّر.

فقد تحصّل ممّا مرّ إلی هنا أنّه لم يقم دليل علی خلاف ظاهر صحيحة حفص و الروايتين الاخريين الّتي بمعناها، بل اللازم من الجمع العرفي بين الأخبار أنّ كلّ واحد من العناوين الثلاثة- أعني ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب و ما أعطاه الكفّار بأيديهم و ما صولحوا عليه- عنوان و مصداق خاصّ من الأنفال.

إلّا أنّه توجد هنا طائفتان اخريان من الأخبار ربما يقال بمنافاتهما لصحيحة حفص:

الاولی: روايتان من محمّد بن مسلم، احداهما: موثّقته عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سمعه يقول: إنّ الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما (فما- خ ل) كان من أرض خربة أو بطون أودية، فهذا كلّه من الفي‏ء، و الأنفال للّه و للرسول، فما كان للّه فهو للرسول يضعه حيث يحبّ 4.

                       

و ثانيتهما: موثّقته الاخری عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سمعته يقول: الفي‏ء و الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء و قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطون أودية، فهو كلّه من الفي‏ء، فهذا للّه و لرسوله فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث شاء، و هو للإمام بعد الرسول، و أمّا قوله: وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ قال:

ألا تری؟ هو هذا. و أمّا قوله ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری‏ فهذا بمنزلة المغنم، كان أبي يقول ذلك، و ليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول و سهم القربی، ثمّ نحن شركاء الناس فيما بقي «1».

فهاتان الموثّقتان قد ذكرتا من الأنفال ما لم يكن فيه هراقة الدماء و هو بعينه ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فلا تنافيان صحيحة حفص و لا سائر الأخبار الماضية إلّا أنّهما ذكرتا بعدها «قوما صولحوا و أعطوا بأيديهم» عنوانا واحدا، فلا محالة يكون الإعطاء باليد عقيب المصالحة و لا يبقی لما أعطوه بأيديهم من عند أنفسهم بلا مصالحة محلّ مستقلّ، اللّهمّ إلّا أن يدخل في عنوان ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فبالنتيجة يكون عنوان ما لم يوجف عليه أوسع ممّا اريد منه في مثل صحيحة حفص، و هذا بخلاف تلك الصحيحة فإنّ ما أعطوه بأيديهم عنوان مستقلّ فيها، و لا محالة يكون خارجا عمّا لم يوجف عليه و عدلا له.

لكنّ الحقّ أن يقال: إنّ ظهور صحيحة حفص في كون كلّ من الثلاثة عنوانا خاصّا لمصاديق الأنفال و في أنّ ما لم يوجف عليه اريد منه معنی أخصّ لا يدخل فيه ما أعطوه من عند أنفسهم و لا ما صولحوا عليه، فظهورها في الأمرين واضح.

و حينئذ فلا محالة تكون الموثّقتان من باب الجمع في التعبير بالنسبة لعنوان ما لم يوجف عليه فاريد منه فيهما ما أعطوه من عند أنفسهم و ما جلوا عنه مثلا بغير

                       

قتال، و قد جاءت صحيحة حفص فرّقت بينهما و أفادت أنّ كلّا منهما مصداق و عنوان خاصّ، فالجمع العقلائي هو الأخذ بظاهر صحيحة حفص، و ربما يؤيّده أنّ الدعائم قد روت- كما مرّ- رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام بلفظة «أو» و هي متحدة المضمون مع الصحيحة، فتأمّل.

الطائفة الثانية: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف يقسّم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم اخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسّم بينهم أربعة أخماس، و إن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ «1».

فقد حكم عليه السّلام بمقتضی الفقرة الأخيرة بأنّ كلّ ما لم يقاتل عليها المشركون فهي للإمام، و هي عنوان واحد يعمّ ما لم يوجف عليه و ما أعطوه بأيديهم و ما صولحوا عليه فيسقط صحيحة حفص و كلّ ما ذكر فيه عنوان ما لم يوجف عليه أو عنوان ما جلوا عنه، بل و موثّقتا ابن مسلم الآنفتي الذكر عن الاعتبار إذ هي كلّها بظاهرها دلّت علی اعتبار هذه الخصوصيّات في مصداق الأنفال.

اللّهمّ إلّا أن يقال بمثل ما مرّ منّا آنفا بالنسبة إلی الموثّقتين و هو أنّ ظهور تلك الأخبار الكثيرة في أنّ ل

 

                       

بخصوص الأرض، و أمّا ما لم يوجف عليه فهل يختصّ بالأرض و البلاد و القری كما وقع التعبير بإحداهما في أخبار كثيرة قد مضت كمرسلة حمّاد و الموثّقة الثانية و الاولی لابن مسلم و موثّق زرارة و موثّق إسحاق بن عمّار المروي في تفسير القمّي و ما أرسله العيّاشي عن حريز عن أبي إبراهيم و عن أبي اسامة و عن داود بن فرقد «1» فقد ذكر فيها الأرض و كخبر النعماني «2» الّذي ذكر فيه البلاد و كخبر ابن مسلم و ما أرسله العيّاشي عن عبد اللّه بن سنان و عن حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام و عن ابن سنان «3» فإنّها قد ذكر فيها القری؟ أم يحمل كلّ منها علی المثال و لو بإرادة معنی أعمّ من البلاد و القری من لفظة الأرض و يقال إنّه لا خصوصية لشي‏ء منها في مصداقيّته للأنفال بل الموضوع هنا كلّ مال بل كلّ ما يصدق عليه الموصول كما في الأمرين الآخرين؟

الظاهر هو الاحتمال الأخير، و ذلك لأنّ الموضوع هنا في خبر الحلبي ما كان من أموال فيعمّ الأموال كلّها، بل لا يبعد أن يقال: انّ الموضوع في آية الفي‏ء هو الموصول، يقول اللّه تعالی: وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ و ما يبقی من أهل الكتاب الّذين جلوا عن مقرّهم يعمّ أراضيهم الدائرة و بساتينهم و أشجارها و أثاث بيتهم ممّا لم يحملوها مع أنفسهم إذا ما انجلوا.

و بالجملة: يعمّ كلّ ما له قيمة عند العقلاء من الأموال و الحقوق فالموصول يشمل كلّها، و جعل صلته «أفاء اللّه علی رسوله» يدلّ علی أنّ كلّ هذه الأشياء للرسول صلّی اللّه عليه و آله، و بعد ذلك فقوله تعالی: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ ظاهر في بيان سرّ هذه الملكية له صلّی اللّه عليه و آله يعني فما أوجفتم عليه بأدوات الحرب‏

                       

حتّی يكون لكم نصيب فيها، فهذه الفقرة ذكر علّة ذاك الاختصاص و مؤكّدة لإرادة الإطلاق من الموصول.

و في المرتبة التالية من الآية الشريفة- بحسب الدلالة- صحيحة حفص، فإنّ المذكور فيها أيضا: «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب» فقد ذكر فيها الموصول و صلته أيضا عدم الإيجاف و الموصول شامل لكلّ ما له عند العقلاء قيمة كما عرفت. و مثلها مرفوعة أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا و ما أرسله المفيد في المقنعة عن محمّد بن مسلم و ما أرسله العيّاشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب» «1».

فالآية الشريفة و هذه الروايات تدلّ علی أنّ مصداق الأنفال هنا كلّ أمر له قيمة عند العرف، و لا يختصّ بمثل الأرض و البلاد و القری، بل تحمل المذكورات علی المثال.

و يؤيّد هذا الإطلاق أنّ عنوان الغنائم المذكورة في صحيحة معاوية بن وهب أيضا شامل و عامّ للأمر المذكور، فقد حكم الإمام عليه السّلام بأنّها إذا لم يقاتلوا عليها المشركين فهي كلّها للإمام.

و بالجملة: فالحقّ عدم اختصاص ما لم يوجف عليه بالأرض أو البلاد أو القری بل يعمّها و كلّ مال أو و حقّ له قيمة عقلائية. و الحمد للّه، و هو العالم بحقائق الأحكام.

العاشر ممّا عدّ من الأنفال كلّ أرض باد أهلها:

و المراد بها- كما يدلّ عليه عنوانها- أنّه إذا كانت أرض تحت يد أحد أو جمع و كانوا يستفيدون منها ثمّ ماتوا و هلكوا فأرضهم من الأنفال و ملك للإمام وليّ أمر المسلمين.

                       

فلا تختصّ بأرض أهل الحرب بل إنّ المسلمين أو الكفّار من أهل الذمّة مثلا الّذين يعيشون تحت لواء الإسلام و في البلاد الإسلامية إذا ماتوا و بقيت أرضهم فهي من الأنفال و ملك للإمام عليه السّلام.

و قد ذكرها من الأنفال شيخ الطائفة في النهاية و الجمل و العقود «1» و ابن حمزة في الوسيلة «2» و ابن إدريس في السرائر «3» و الكيدري في إصباح الشيعة «4» و العلّامة في التذكرة «5» و كلّهم عبّروا عنها بكلّ أرض خربة باد أهلها. كما ذكرها منها ابن البرّاج في المهذّب «6» و الشهيد في الدروس «7» معبّرين «بكلّ أرض باد أهلها» في المهذّب و «بالأرض الّتي باد أهلها» في الدروس-.

فهذه أقوال جمع من أعاظم الأصحاب وقفت عليها، إلّا أنّ كلام غيرهم فيما وقفت خال عنها.

و عليه فمقتضی كلام من لم يعدّها أنّها إذا كانت عامرة فهي لوارثهم إلّا أن لا يكون لهم وارث فحينئذ- بمقتضی كونها ميراث من لا وارث له- تكون من الأنفال و ملكا للإمام، و إذا صارت خربة و مواتا بالعرض تكون من الأنفال بناء علی أنّ كلّ أرض موات و خربة من الأنفال- كما مرّ- و هي شاملة للموات بالعرض أيضا.

و هذا الّذي تقتضيه كلماتهم هو مقتضی القواعد أيضا، فالقول بكونها مطلقا من الأنفال يحتاج إلی دليل معتبر خاصّ.

و ما يمكن الاستدلال به عدّة من الأخبار:

1- فمنها قوله عليه السّلام في مرسل حمّاد بن عيسی الطويل: و له- يعني الإمام- بعد الأنفال الخمس، و الأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها «8».

                       

و هو كما تری واضح الدلالة علی أنّ كلّ أرض خربة من الأنفال من غير اختصاص لها بما تفتح و تؤخذ من أهل الحرب فتعمّ ما كانت في بلاد الإسلام أيضا، إلّا أنّ موضوعه الخربة الّتي تكون داخلا في عنوان الموات و لا تكون عنوانا برأسه.

2- و منها ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول و سئل عن الأنفال: فقال: كلّ قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها فهي نفل للّه عزّ و جلّ ... الحديث «1».

فقد حكم بأنّ كلّ قرية هلك أهلها من الأنفال، و من الواضح أنّ القرية شاملة للأراضي العامرة أيضا، فدلالته تامّة، إلّا أنّ سنده ضعيف بإسماعيل بن سهل.

3- و مثله ما في تفسير العيّاشي عن حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته أو سئل عن الأنفال فقال: كلّ قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها فهي نفل، نصفها يقسّم بين الناس و نصفها للرسول صلّی اللّه عليه و آله «2».

و هو في الدلالة مثل رواية محمّد بن مسلم و لا يضرّ بتمامية دلالتهما اشتمال ذيلهما علی أنّ نصف الأنفال فقط للرسول صلّی اللّه عليه و آله و نصفها الآخر للناس، و هو لم يقل به أحد كما مرّ، و ذلك أنّه ايراد علی الذيل و لا يوجب خدشة في تمامية دلالة الصدر و لا في جواز الأخذ بالصدر. إلّا أنّه مرسل كما هو المتعارف في أخبار تفسير العيّاشي.

4- و منها ما في التهذيب عن محمّد بن عليّ الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن الأنفال، فقال: ما كان من الأرضين باد أهلها، و في غير ذلك الأنفال هو لنا ... «3».

                       

و دلالته أيضا تامّة إلّا أنّ في السند أبا جميلة المفضّل بن صالح و هو ضعيف كذّاب.

5- و منها خبر آخر في تفسير العيّاشي عن حريز عن أبي إبراهيم عليه السّلام قال:

سألته عن الأنفال فقال: كلّ ما كان من أرض باد أهلها فذلك الأنفال فهو لنا «1».

و دلالته أيضا كما تری تامّة إلّا أنّه أيضا ضعيف السند بالارسال.

6- و منها ما أرسله العيّاشي عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لنا الأنفال، قلت: و ما الأنفال؟ قال: منها المعادن و الآجام، و كلّ أرض لا ربّ لها، و كلّ أرض باد أهلها فهو لنا «2».

و دلالته أيضا تامّة إلّا أنّ سنده أيضا ضعيف بالإرسال.

فقد تحصّل ممّا مرّ: أنّ الدليل علی أنّ كلّ أرض أو قرية باد أهلها بقول مطلق من الأنفال هو هذه الروايات الخمسة الضعيفة الاسناد، و قد عرفت أنّ من تعرّض من الأصحاب أنّ الأرض الّتي باد أهلها من الأنفال فقد قيّدها بالخربة الّتي كان مقتضی الأدلّة الدالّة علی أنّ الموات من الأنفال شمولها لها. نعم كانت عبارة القاضي ابن البرّاج في المهذّب و الشهيد في الدروس بلا قيد، و من الواضح أنّ عمل هذين الجليلين لا يجبر ضعف اسناد هذه الأخبار بل ربما ينقدح في الذهن إعراض الأصحاب عن القول بمفادها، فالظاهر عدم تمامية الدليل علی عدّ الأرض الّتي باد أهلها من الأنفال.

الحادي عشر ممّا عدّ من الأنفال كلّ أرض جلا عنها أهلها:

و المراد بها ما كانت كذلك و إن كانت من الأراضي الواقعة في بلاد الإسلام بيد

                       

المسلمين أو أهل الذمّة الّذين يعيشون تحت لواء الإسلام، فإذا تركوا أرضهم و جلوا عنها صارت أرضهم من الأنفال و ملكا للإمام. و واضح أنّ أرضهم الّتي كانت بأيديهم أرض عامرة، فاتضح الفرق بين هذا العنوان و بين أرض الخربة و الموات أو الأرض الّتي تؤخذ من الكفّار أهل الحرب من دون أن يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

و كيف كان فقد عدّها بهذا العنوان من الأنفال ابن حمزة في الوسيلة «1» و ابن زهرة في الغنية «2» و ابن إدريس في السرائر «3» و القاضي ابن البرّاج في المهذّب «4» و العلّامة في خمس التذكرة «5» و الشهيد في الدروس «6».

و قد ذكرها جمع، آخر أيضا كمصداق لما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب كالكيدري في إصباح الشيعة «7» و العلّامة في القواعد «8» إلّا أنّا لم نعدّهم ممّن جعل الأرض الّتي جلا عنها أهلها من الأنفال، لإمكان الشبهة في إرادة الإطلاق في كلامهم و احتمال اختصاصه بخصوص ما يؤخذ من الكفّار.

ثمّ إنّ الكلام هنا تارة عن مقتضی القواعد الأوّلية، و اخری عن الأدلّة الخاصّة.

و القواعد الأوّلية تقتضي أن تكون هذه الأرض في عداد ما يعرض المالك عنها فيجوز لكلّ أحد التصرّف فيها أو تملّكها، فإنّ الجلاء بالمرّة عنها إعراض و رفع يد عنها، و لا محالة لا منع من ناحية من كان مالكا لها عن التصرّف فيها، نعم إن فرض أنّهم لم يجلوا عنها بالمرّة فمقتضی الاستصحاب بل عموم مثل قولهم عليهم السّلام: «لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه» عدم جواز تصرّف أحد فيها إلّا لمن أذن المالك له.

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمة 1 قسمة3 »

پیام هفته

اقدام و تلاش
قرآن : ... فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ...  (سوره توبه، آیه 12)ترجمه: با پیشوایان کفرکه دشمن انسان و انسانیت هستند و با ارزش های توحیدی می ستیزند نبرد کنید.حدیث: قَالَ الامام علی (ع) : ... وَ جَاهِدْ فِي اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ لاَ تَأْخُذْكَ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ وَ خُضِ اَلْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَ تَفَقَّهْ فِي اَلدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ اَلتَّصَبُّرَ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ وَ نِعْمَ اَلْخُلُقُ اَلتَّصَبُرُ فِي اَلْحَقِّ و  (نهج البلاغه، نامه 31)ترجمه: امام علی(ع) فرمودند: در راه خدا جهاد كن جهدى كامل، و ملامت ملامت كنندگان تو را از جهاد در راه خدا باز ندارد. به را...

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+
پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید