قسمت 16

فعبارته كما تری أخيرا قد ادّعت الإجماع علی جواز عقد المهادنة بأربعة أشهر و ما دونها سواء كانت فيه مصلحة أم لا، و استند في جوازه بقوله تعالی:

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ و إنّما تعرّض في أوّل العبارة لبيان أصل جوازه بلا ذكر الإجماع و لا بأس به.

10- و قال صاحب الرياض في شرح ما مرّ من عبارة المختصر النافع: و لو اقتضت المصلحة المهادنة و هي المعاقدة مع من يجوز قتاله من الكفّار علی ترك الحرب مدّة معيّنة لقلّة المسلمين أو رجاء إسلامهم أو ما يحصل به الاستظهار و المعاونة و القوّة جاز بالإجماع علی الظاهر المصرّح به في المنتهی و نصّ الكتاب، قال اللّه سبحانه: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها و ليست بمنسوخة عندنا، و إطلاقه كغيره من الآيات يعمّ ما لو كان بغير عوض، و عليه الإجماع في المنتهی، و بعوض يأخذه الإمام منهم بلا خلاف كما فيه، أو يعطيهم إيّاه لضرورة أو غيرها، خلافا للمنتهی فخصّه بالضرورة- إلی أن قال-: ثمّ إنّ المهادنة و إن جازت أو وجبت لكن لا يتولّاها أي عقدها، و كذا عقد الذمّة بالجزية كما في المنتهی إلّا الإمام أو نائبه المنصوب لذلك، بلا خلاف أجده، و في المنتهی: «لا نعلم فيه خلافا». قال:

لأنّ ذلك يتعلّق بنظر الإمام عليه السّلام و ما يراه من المصلحة فلم يكن للرعية تولية، و لأنّ تجويزه من غير الإمام يتضمّن إبطال الجهاد بالكلّية أو إلی تلك الناحية.

فهو قدّس سرّه ادّعی الإجماع علی جواز المهادنة إذا اقتضته المصلحة و نقله عن صريح المنتهی للعلّامة أيضا، كما قد ادّعی انّ اختصاص تولّي عقد المهادنة بالإمام أو نائبه المنصوب لذلك لا يجد فيه خلافا، و نقل عن المنتهی أنّه قال: لا نعلم فيه خلافا.

                       

11- و قال صاحب الجواهر شرحا للعبارة الثانية من الشرائع: «الأمر الخامس في المهادنة «1» الّتي يراد منها- كما في المنتهی- المواعدة و المعاهدة، و هي المعاهدة علی ترك الحرب مدّة معيّنة بعوض و غير عوض كما في المنتهی و محكيّ التذكرة و التحرير، و ما في القواعد و محكيّ المبسوط من زيادة «بغير عوض» في التعريف يراد منه عدم اعتبار العوض فيها لا اعتبار عدم العوض، بل في المنتهی: يجوز مهادنتهم علی غير مال إجماعا لأنّ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله هادنهم يوم الحديبية علی غير مال و يجوز علی مال يأخذه منهم بلا خلاف- إلی أن قال:-

و كيف كان، فهي في الجملة جائزة و مشروعة إذا تضمّنت مصلحة للمسلمين إمّا لقلّتهم عن المقاومة أو لما يحصل به الاستظهار و هو زيادة القوّة أو لرجاء الدخول في الإسلام مع التربّص أو غير ذلك بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه- إلی أن قال:-

و حينئذ فمتی ارتفع ذلك و لو علی كراهة كما إذا كان في المسلمين قوّة علی الخصم و استعداد و في الكافرين ضعف و وهن علی وجه يعلم الاستيلاء عليهم بلا ضرر علی المسلمين لم تجز المهادنة قطعا- إلی أن قال:-

نعم لا خلاف في أنّه تجوز الهدنة إلی أربعة أشهر فما دون مع القوّة، بل في المنتهی و المسالك و محكيّ التذكرة و غيرها الإجماع عليه- إلی أن قال:- و من هنا لا تجوز أكثر من سنة علی قول مشهور بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في المسالك، بل في المنتهی و محكيّ التذكرة الإجماع عليه- إلی أن قال:-

و هل تجوز أكثر من أربعة أشهر و دون السنة؟ قيل و القائل الشيخ فيما حكي عنه: لا يجوز لقوله تعالی: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ و غيره من الآيات المشتملة علی التأكيد في المبادرة إلی قتلهم و التوصّل إليه بأيّ طريق يكون، و قيل و لكن لا أعرف القائل به منّا و إنّما هو محكيّ عن أحد قولي الشافعي:

                       

نعم يجوز لقوله تعالی: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّهِ الّذي قد عرفت أنّه في غير الفرض، كما أنّ الأمر في الآية الاولی ليس للفور، و لذا كان الوجه كما في المنتهی و المسالك و حاشية الكركي و محكيّ التحرير و القواعد مراعاة الأصلح كما هو مقتضی الولاية- إلی أن قال:-

و كيف كان، ففي المنتهی و محكيّ المبسوط و التذكرة و التحرير و غيرها أنّه لا تصحّ المهادنة إلی مدّة مجهولة و لا مطلقا إلّا أن يشترط الإمام عليه السّلام لنفسه الخيار في النقض متی شاء، بل لا أجد فيه خلافا في المستثنی و المستثنی منه الّذي هو مقتضی الأصل بعد ظهور المفسدة في ذلك و قصور الإطلاقات عن تناوله و اقتضاء الإطلاق التأبيد الممنوع في المهادنة ... بل يمكن دعوی الإجماع علی ذلك «1».

فهو قدّس سرّه قد ادّعی الإجماع محصّلا و منقولا علی جواز عقد المهادنة إجمالا كما ادّعی نفسه اللاخلاف و نقل الإجماع علی جواز عقد المهادنة إلی أربعة أشهر و ما دونها مع قوّة المسلمين، فلتكن علی تذكّر لكي تستفيد منه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالی.

فهذه نبذة من أقوال الأصحاب ممّا وقفت عليها، و قد عرفت دلالتها علی أصل جواز عقد المهادنة مع المحاربين بتفصيل قد ذكر في كلماتهم و علی أنّ أمر المهادنة بيد الإمام الّذي هو وليّ الأمر أو بيد من كان مأذونا من قبله و قد ادّعی علی الأمرين جمع كثير منهم الإجماع مصرّحا بعضهم بالمحصّل منه و المنقول، و نكتفي بهذا المقدار في نقل الأقوال.

 [أدلّة مشروعية الصلح مع الكفّار]

و أمّا الاستدلال عليه فلا بدّ من عقد البحث عنه في مرحلتين:

المرحلة الاولی: في أصل جواز عقد الصلح و المهادنة الّذي قد مرّ في كلمات من مضی، و قد ذكر المحقّق في كتابيه و العلّامة أيضا أنّ ملاك الجواز- بالمعنی الأعمّ الشامل للوجوب- أن يكون في الصلح مصلحة للأمّة، و ادّعی علی جوازه معها الإجماع محصّلا و منقولا في كلام العلّامة و الرياض و الجواهر.

                       

و يمكن الاستدلال له- مع الغضّ عن الإجماع- بالكتاب و السنّة:

أمّا الكتاب:

1- فقوله تعالی: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «1». قال في مجمع البيان: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ أي مالوا إلی الصلح و ترك الحرب، فاجنح لها أي مل إليها و اقبلها منهم، و إنّما أنّث لأنّ السلم بمعنی المسالمة «2».

و بيان دلالته أنّه تعالی خاطب رسوله صلّی اللّه عليه و آله و أمره بالميل إلی المسالمة و المهادنة الّتي هي ترك الحرب إذا جنح الكفّار المحاربون إليها، و المتيقّن الّذي كالصريح له جواز الرجوع إليها، فالآية كالنصّ في الدلالة علی الجواز.

لكن في مجمع البيان: «و قيل: إنّ هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «3» و قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الآية 4 عن الحسن و قتادة. و قيل: إنّها ليست بمنسوخة لأنها في الموادعة لأهل الكتاب، و الاخری لعبّاد الأوثان، و هذا هو الصحيح، لأنّ قوله تعالی: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ و الآية الاخری نزلتا في سنة تسع في سورة براءة، و صالح رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و فد نجران بعدها 5.

و تقريب قول القائل المذكور بالنسخ أنّ الضمير الفاعل في قوله تعالی: وَ إِنْ جَنَحُوا راجع إلی الَّذِينَ كَفَرُوا المذكور في آيتين قبلها، و الَّذِينَ كَفَرُوا في زمنه صلّی اللّه عليه و آله- طائفتان: المشركون و أهل الكتاب، فقوله تعالی: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «6» أوضح حال القتال لهم و حكم بوجوب قتلهم و إيجاد الضيق و الحصر لهم و القعود للظفر بهم كلّ مرصد، و جعل غاية رفع اليد عن التعرّض لقتلهم و قتالهم أن يتوبوا و يؤمنوا و يعملوا الصالحات، فلا محالة بحسب مثل هذا الدليل القويّ الدلالة لا يبقی مجال لتأخير أمر

                       

قتلهم و قتالهم في زمن عقد الصلح علی ترك محاربتهم. هذا بالنسبة إلی المشركين.

كما أنّ قوله تعالی: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّی يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ «1» وارد كما تری في أهل الكتاب، و قد حكم بوجوب قتالهم إلی أن يعطوا الجزية، فيدلّ علی وجوب قتالهم و إدامته إلی أن تحصل هذه الغاية، و عليه فرفع اليد عن قتالهم في زمن المهادنة خلاف ظاهر هذه الآية.

فبعد ملاحظة هاتين الآيتين لا يبقی مورد لمدلول آية الأمر بقبول الصلح، فلا محالة يحكم بانها منسوخة.

و ربما يقال بكون آية الصلح منسوخة من طريق آخر و هو ما في تفسير القمّي ذيل الآية، ففيه: قوله: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها قال: هي منسوخة بقوله:

فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَی السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ نزلت هذه الآية- أعني قوله: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ- قبل نزول قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ «2» و قبل الحرب، و قد كتبت في آخر السورة بعد انقضاء أخبار بدر «3». و ضمير قال في قوله «قال:

هي منسوخة» راجع إلی نفس عليّ بن إبراهيم كما هو متعارف في هذا التفسير كثيرا.

و حاصل الوجه الّذي ذكره للمصير إلی النسخ: أنّ قوله تعالی في سورة محمّد:

فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَی السَّلْمِ نهی المسلمين عن المصير إلی السلم، و معه فلا يبقی مجال لقوله تعالی: فَاجْنَحْ لَها فلا محالة يحكم بانها منسوخة.

أقول: و العمدة من هذين الوجهين هو الوجه الأوّل، و إلّا فما عن تفسير القمّي غير تامّ و ذلك أنّه استدلّ علی نسخ آيتنا بقوله تعالی: فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَی السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ مع أنّه لا منافاة بينه و بين آيتنا، و ذلك أنّ تلك الآية إنّما نهت عن صيرورة المسلمين متوانيا و دعوتهم للكفّار إلی السلم مع أنّ‏

                       

آيتنا إنّما تدلّ علی جواز الميل إلی السلم إذا جنح الكفّار إليه فقال تعالی: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها فليست بينهما منافاة لكي نقول بنسخ إحداهما، غاية الأمر أن تكون تلك الآية بيانا لشرط المصير إلی الصلح، فهذا الوجه غير تامّ.

و أمّا الوجه الأوّل فربما يورد عليه بأنّ الكفّار ليسوا محصورين في الطائفتين بل المستفاد من خبر حفص بن غياث الطويل الوارد في الأسياف الخمسة أنّ آية سورة البراءة مختصّة بمشركي العرب الوارد فيهم السيف الأوّل، و أمّا مشركو العجم يعني الترك و الديلم و الخزر فهم لا يدخلون في تلك الآية بل يدخلون في آيات سورة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و ورد فيهم السيف الثالث، فلننظر إلی هذا الخبر قال فيه أبو عبد اللّه عليه السّلام:

و أمّا السيوف الثلاثة الشاهرة فسيف علی مشركي العرب، قال اللّه عزّ و جلّ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا (يعني آمنوا) وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ «1» فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ «2» فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام و أموالهم و ذراريهم سبي علی ما سنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فإنّه سبي و عفا و قبل الفداء ... ثمّ ذكر السيف الثاني الّذي هو علی أهل الكتاب، ثمّ قال: و السيف الثالث سيف علی مشركي العجم- يعني الترك و الديلم و الخزر- قال اللّه عزّ و جلّ في أوّل السورة الّتي يذكر فيها: الَّذِينَ كَفَرُوا ...

فقصّ قصّتهم ثمّ قال: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّی إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّی تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «3» فأمّا قوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ- يعني بعد السبي منهم وَ إِمَّا فِداءً يعني المفاداة بينهم و بين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام و لا يحلّ لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب «4».

                       

فحاصل هذا الايراد: أنّه يبقی من الكفّار المقاتلين طائفة و هم مشركو العجم فيمكن اختصاص آية النهج إلی السلم بهم.

و يمكن دفعه إمّا بأنّ سند خبر حفص لم يثبت اعتباره و إمّا بأنّ ما ورد فيه لعلّه مورد نزول آيات البراءة، كما لعلّه يستظهر أيضا من الآيات أنفسها، فإنّ السورة شرعت بإعلام براءة اللّه من المشركين الّذين عاهدوا المسلمين و بعضهم كانت المعاهدة معهم عند المسجد الحرام، و من الواضح انهم مشركو العرب إلّا أنّه مع ذلك فلا يبعد إلغاء الخصوصية عنهم إلی كلّ مشرك، فيأتي الحكم المذكور لهم إلی مشركي العجم النازلة فيهم آية سورة محمّد. و هذا الدفع الثاني قويّ.

بل الحقّ أن يورد علی الوجه الأوّل بأنّ المستفاد من آيات قتل المشركين و قتالهم و هكذا من آية قتال أهل الكتاب أنّ الواجب في الشريعة الإسلامية أن يقاتل المسلمون جميع طوائف الكفّار و لا يرتفع هذا الوجوب و لا يرفع اليد عن قتالهم إلّا إذا آمن المشركون أو أعطی أهل الكتاب الجزية عن يد و هم صاغرون، فهذا هو المستفاد من هاتين الطائفتين من الآيات.

و بعد البناء عليه فهل إيقاع القتال لهم دائم و عامّ في جميع الأوقات و الأحوال و في تمام أيّام السنة أم أنّه يمكن ترك قتالهم مدّة من السنة لبعض المصالح كحصول استراحة للمجاهدين أو حصول قوّة أكثر ممّا كانت و أمثالهما؟ فهو أمر آخر و لا يتمّ استدلالهم بهذا الوجه إلّا مع إثبات الاحتمال الأوّل، و هو محلّ كلام بل منع.

إذ ما يأتي في الذهن في مقام الاستدلال له هو أن يقال: إنّ إطلاق كلتا الطائفتين من الآيات وجوب إيقاع القتال لهم و إيراد كلّ ضيق و شدّة عليهم- كما صرّح به في المشركين- إلی أن يؤمنوا و يعملوا بالوظائف الإسلامية أو إلی أن يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون، و إطلاقهما يشمل جميع الأزمنة و الحالات فالمصير إلی السلم و لو مدّة قليلة حيث إنّه بمعنی رفع اليد عن القتال في هذه المدّة فهو خلاف مدلول هذه الآيات. بل و مثلهما إطلاق سائر الآيات الآمرة بالجهاد في‏

                       

سبيل اللّه و الأخبار الكثيرة الدالّة علی وجوب الجهاد للكفّار علی المسلمين.

لكنّه مندفع (أوّلا) بأنّ المستفاد من كلام جمع من الفقهاء أنّ القتال مع الكفّار لا يجب أن يستوعب جميع السنة بل لا يجب في كلّ سنة إلّا مرّة واحدة، فقد قال شيخ الطائفة في أوّل كتاب الجهاد من المبسوط: و علی الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في كلّ سنة دفعة حتّی لا يتعطّل الجهاد، اللّهمّ إلّا أن يعلم خوفا فيكثر من ذلك.

و قال العلّامة في ذيل المسألة الاولی من مسائل البحث الثالث من المنتهی:

و علی الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في سنة دفعة حتّی لا يعطّل الجهاد إلّا أن يعلموا خوفا فيكثر من ذلك «1».

و قال العلّامة في أوّل المقصد الأوّل من مقاصد كتاب الجهاد من قواعده: و هو واجب في كلّ سنة مرّة إلّا لضرورة علی الكفاية. و قال المحقّق الكركي في جامع المقاصد تعليقا و شرحا للعبارة: فمع الضرورة قد لا يجب في السنة أصلا، و قد يجب أزيد من مرّة، و المستند النصّ و الإجماع «2».

فقد صرّح العلّامة نفسه بأنّ الجهاد في كلّ سنة لا يجب إلّا مرّة و وافقه عليه الشارح و ذكر في وجهه أنّ المستند النصّ و الإجماع، فقد ادّعی الإجماع علی عدم وجوبه في السنة أزيد من مرّة إلّا أن تقوم ضرورة.

و قد مرّ عن الشهيد الثاني في المسالك أنّه قال: و الحاصل أنّ ترك القتال أربعة أشهر سائغ بالمهادنة و غيرها فإذا طلبوا المهادنة ذلك القدر كان سائغا، و في جوازها أكثر من ذلك خلاف يأتي «3».

فصرّح بجواز ترك القتال أربعة أشهر بغير المهادنة أيضا، بل ظاهر ما زاد عليه أنّه لا خلاف فيه، فتأمّل.

                       

و لمثل ذلك قال صاحب الجواهر: و عن الشيخ و الفاضل و الشهيدين و الكركي أنّ أقلّ ما يفعل الجهاد في السنة مرّة، بل عن الأخير دعوی الإجماع عليه. «1»

فبعد ذلك نقول: إذا كان الواجب من الجهاد في كلّ سنة مرّة و يتحقّق المصداق الواجب بمدّة ما من السنة فلا محالة لا يجب استيعاب السنة بالجهاد حتّی في غير الأشهر الحرم، و عليه فلوليّ الأمر إذا رأی مصلحة أن يعقد عقد الصلح مع الكفّار مدّة مضبوطة، لا سيّما إذا جنح الكفّار أنفسهم إلی السلم كما هو مضمون آيتنا المبحوث عنها.

و (ثانيا) أنّه قد مرّ عن جمع من الأصحاب دعوی الإجماع علی أنّ عقد الهدنة إذا كان فيها مصلحة جائز، بل قد عرفت عن بعضهم دعوی الإجماع المحصّل عليه، فهذا الاجماع أيضا يكشف عن أنّ استيعاب جميع الأشهر غير الحرم بالجهاد و القتال غير واجب فلا محالة يخصّص بمثله أيضا إطلاق آيات الكتاب الشريف و السنّة المباركة، و يوجد مجال صحيح لانطباق مفاد آية الصلح.

و أمّا ما رواه الكليني عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها قلت: ما السلم؟ قال: الدخول في أمرك «2» و قريب منه رواية العيّاشي عن الحلبي عنه عليه السّلام «3» فلا مجال لأن يقال: فبناء علی هذه الرواية اريد من السلم الدخول في المذهب الحقّ لا الدخول في الصلح، و ذلك أنّه لا ينبغي الشبهة في أنّ الرواية من باب التأويل فلا تنافي ما هو ظاهر الآية، مضافا إلی ضعف سندها.

كما أنّ ما في تفسير القمّي- عند بيان حرب بدر و قبل حدوثها- من قوله:

و فزع أصحاب رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله حين نظروا إلی كثرة قريش و قوّتهم، فأنزل اللّه علی رسوله: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّهِ و قد علم اللّه انهم لا يجنحون و لا يجيبون إلی السلم، و إنّما أراد سبحانه بذلك ليطيب قلوب أصحاب‏

                       

رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله «1» فهو مضافا إلی أنّه أشبه باجتهاد منه- غير مناف لإرادة المعنی الكلّي من الآية المباركة كما هو ظاهرها.

2- و ربما يستدلّ أيضا- كما في التذكرة و المنتهی بل و الجواهر أيضا- بآيات سورة براءة الواردة في المشركين، فقد قال اللّه تبارك و تعالی: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ* وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ* إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلی‏ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ* فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّی يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ* كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «2».

و بيان دلالتها: أنّه يظهر منها أنّه كان قد وقع عهد علی أن لا يقع بين المسلمين و جمع من المشركين قتل و مقاتلة، فأعلن اللّه تعالی بأنّه تعالی بري‏ء من المشركين كلّهم و استثنی لهم أربعة أشهر فإذا انسلخ هذه الأشهر الحرم فعلی المسلمين أن يحصروهم و يقعدوا لهم كلّ مرصد و يأخذوهم و يقتلوهم، فهذا إعلان واضح بأنّه لا عهد عند اللّه و لا عند رسوله لأحد من المشركين، إلّا أنّه مع ذلك كلّه فقد استثنی عن هذا العموم طائفة من المشركين و هم الّذين عاهدهم المسلمون علی ترك‏

                       

القتال و هم عملوا بعهدهم و لم ينقصوا للمسلمين شيئا و لم يظاهروا عليهم أحدا فأوجب فيهم علی المسلمين أن يتمّوا إليهم عهدهم إلی مدّتهم، فإنّ إتمام عهدهم حينئذ مقتضی التقوی و إنّ اللّه يحبّ المتّقين، و أكّد ثانيا علی بقاء عهد هؤلاء و وجوب الوفاء به ما داموا هم أيضا يوفون به بقوله تعالی في الآية الأخيرة: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «1».

فهذا الاستثناء و هذا التأكيد علی وجوب الوفاء بعهد هؤلاء عبارة اخری عمّا نحن بصدده من وجوب الوفاء علی المسلمين بالعهد الّذي عاهدوه مع هؤلاء المشركين، ففيه دلالة واضحة علی مشروعية عهد الصلح و علی وجوب الوفاء به و هو المطلوب.

هذا غاية التقريب في دلالة الآيات الشريفة علی صحّة عقد الصلح مع الكفّار.

لكن لقائل أن يمنع دلالة الآيات علی هذا المعنی و ذلك انها قد دلّت علی وقوع معاهدة ترك القتال بين المسلمين و المشركين إلی مدّة- علی ما يدلّ عليه قوله تعالی: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلی‏ مُدَّتِهِمْ- و علی أنّ وقوعها كان قبل نزول الآيات فقد أمر اللّه تعالی المسلمين بإتمام هذا العهد لهم بشرط أن يستقيم هؤلاء أيضا علی عهدهم، يقول اللّه تعالی: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ فهذا العهد السابق واجب الوفاء.

و أمّا غير هذا العهد الّذي قد وقع سابقا فالآيات المباركة صريحة في إعلان براءة اللّه و رسوله إلی غير هؤلاء من المشركين حتّی من كان بينه و بين المسلمين عهد، فجعل اللّه لغيرهم سياحة أربعة أشهر و حكم بأنّه إذا انسلخ هذه الأشهر الحرم يجب إيجاد الضيق الشديد علی المشركين و حصرهم و أخذهم و قتلهم إلّا أن يتوبوا و يقيموا شعائر الإسلام فحينئذ يخلّی سبيلهم.

                       

فالأشهر الحرم الواقع صدر الآية الخامسة الّتي اشترط وجوب حصر المشركين و قتلهم بانسلاخها إنّما هي نفس تلك الأربعة أشهر الواقعة في الآية الثانية بقوله تعالی: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ و ليس المراد بالأشهر الحرم الشهور الأربعة الّتي يكون القتال فيها محرّما- أعني رجب و ذا القعدة و ذا الحجّة و المحرّم- بل هذه الأشهر الحرم باصطلاح الروايات المتعدّدة هي أشهر السياحة، و تعبير السياحة مأخوذ من قوله تعالی: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.

و منه تعرف أنّه لا مجال للاستدلال علی الجواز- كما في الجواهر- بقوله تعالی: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلی‏ مُدَّتِهِمْ و ذلك لما عرفت من أنّه ناظر إلی خصوص العهد السابق الّذي مضی، و ليس فيه إطلاق ليدلّ علی جواز إنشاء عهد الصلح ابتداء بل هو في طائفة خاصّة من المشركين قد مرّ ذكرها، و إلّا فقد حكمت الآيات بأن لا عهد بعد ذلك و يجب أن يحصر المشركون و يقتلون مهما أمكن.

و بعد ذلك فلا بأس بذكر بعض الأخبار الواردة ذيل الآية ليكون تأكيدا و توضيحا لما ذكرناه.

1- فقد روی عليّ بن إبراهيم في تفسيره بسند صحيح- بناء علی أنّ محمّد بن الفضيل الواقع فيه هو محمّد بن القاسم بن الفضيل النهدي الثقة بقرينة روايته عن أبي الصباح- كما ذكره صاحب جامع الرواة في ترجمته- فقد روی عن أبيه عن محمّد ابن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال نزلت هذه الآية- يعني قوله تعالی: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ...- بعد ما رجع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله في سنة تسع «1» من الهجرة و كان رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لمّا فتح مكّة لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السنة- ثمّ ذكر صيرورة امرأة وسيمة جميلة عند طوافها عريانا و ما تعقّبه ثمّ قال:- و كانت سيرة رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلّا

                       

من قاتله و لا يحارب إلّا من حاربه و أراده، و قد كان نزل عليه في ذلك من اللّه عزّ و جلّ:

فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا «1».

فكان رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لا يقاتل أحدا قد تنحّی عنه و اعتزله حتّی نزلت عليه سورة براءة و أمره اللّه بقتل المشركين من اعتزله و من لم يعتزله إلّا الّذين قد كان عاهدهم رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله يوم فتح مكّة إلی مدّة، منهم صفوان ابن اميّة و سهيل بن عمرو، فقال اللّه عزّ و جلّ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثمّ يقتلون حيثما وجدوا، فهذه أشهر السياحة: عشرون من ذي الحجّة و محرّم و صفر و شهر ربيع الأوّل و عشرة من شهر ربيع الآخر ... الحديث «2».

فالمعتبرة- كما تری- تصرّح بأنّ المستثنی هم المشركون الّذين قد عاهدهم الرسول صلّی اللّه عليه و آله يوم فتح مكّة و بأنّ الأشهر الحرم هي أشهر السياحة، و ذلك انها ذكرت أشهر السياحة أوّلا و حكمت بمقتضی «ثمّ» علی أنّ المشركين و يقتلون بعدها حيثما وجدوا، و واضح أنّ هذا القتل هو ما نصّ عليه الكتاب الكريم بقوله تعالی: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا فالمعتبرة كالنصّ في أنّ الأشهر الحرم هي تلك الأربعة الأشهر و هي عشرون من ذي الحجّة إلی عشرة من شهر ربيع الآخر من تلك السنة سنة نزول سورة البراءة.

أقول: و في المعتبرة نكتة يجب التنبّه إليها و هي أنّ لفظة «يوم فتح مكّة» من سهو القلم أو سهو لسان الراوي فإنّ معاهدته المذكورة كانت يوم الحديبية و هو كان في سنة الستّ من الهجرة كما يستفاد ممّا ذكره الطبرسي في مجمع البيان «3».

.                       

 و قد روی حديث صلح الحديبية تفسير القمّي نفسه بسند صحيح عن عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و فيه تصريح بأنّ مندوب المشركين في عقد هذا الصلح هو سهيل بن عمرو، فراجع «1».

2- و قد روی القمّي في تفسيره فقال: حدّثني أبي عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله أمرني أن ابلغ عن اللّه أن لا يطوف بالبيت عريان و لا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العامّ، و قرأ عليهم بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فأحلّ اللّه للمشركين الّذين حجّوا تلك السنة أربعة أشهر حتّی يرجعوا إلی مأمنهم ثمّ يقتلون حيث وجدوا»

.

فذيل هذا الحديث بقرينة عطف جملة «يقتلون حيث وجدوا» ب «ثمّ» علی أربعة أشهر السياحة يدلّ علی أنّ المراد ب «الأشهر الحرم» في صدر الآية الخامسة هي أشهر السياحة كما مرّ بيانه.

3- و روی العيّاشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال: هي يوم النحر إلی عشر مضين من شهر ربيع الآخر «3». و هو كما تری صريح في تفسير الأشهر الحرم بأشهر السياحة.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ مفاد الآيات المباركات أن لا عهد بعد ذلك للمشركين و أنّهم أهملوا أربعة أشهر و إذا انسلخت هذه الأشهر يقتلون حيثما وجدوا إلی أن يتوبوا و يؤمنوا، و استثنی من عمومهم خصوص من عاهدهم النبيّ صلّی اللّه عليه و آله يوم الحديبية، فاولئك يجب إتمام عهدهم إلی مدّتهم بشرط أن يقوموا علی الوفاء بهذا العهد. و المدّة المشار إليها في الآيات هي عشر سنين علی ما ذكرت في الأخبار.

                       

فلا دلالة في هذه الآيات علی مشروعية عقد المهادنة لا مع المشركين و لا مع غيرهم.

و هنا نكتة ينبغي التنبّه لها و هي: أنّ ظاهر الآيات الشريفة أنّه كان بين المسلمين و المشركين قبل نزول هذه الآيات معاهدة و اللّه تعالی في هذه الآيات حكم بانها غير واجبة الوفاء بل لا مجال الاعتناء بها فانظر إلی قوله تعالی في الآية الاولی:

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فتری أنّه قد حكم بتحقق براءته و براءة رسوله من المشركين الّذين عاهدهم المسلمون و أمهلتهم الآية الثانية أربعة أشهر هي أشهر السياحة و أكّد هذه البراءة في الآية الثالثة و صرّحت الآية الخامسة بأنّه إذا انسلخ هذه الأشهر الأربعة فيجب التضييق علی المشركين و قتلهم مهما وجدوهم إلی أن يتوبوا و يؤمنوا.

و قد ذكرت الآية الرابعة في مقام سرّ استثناء من استثنی منهم جملا يستفاد منها علّة هذه البراءة في غيرهم فقال: الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً «1» فمن الجملتين المعطوفتين يعلم أنّ سرّ عدم وجوب الوفاء بمعاهدة غير هؤلاء انهم نقصوا المسلمين شيئا أو ظاهروا عليهم أحدا، فهذا هو علّة عدم الاعتناء بالمعاهدة معهم و إعلام البراءة منهم. و هذا السرّ لإعلام البراءة يظهر من الآيات، فراجع الآية السابعة إلی الخامسة عشر، و الحمد للّه.

فالمتحصّل ممّا مرّ: أنّ الدالّ علی مشروعية الصلح من الكتاب إنّما هو آية الأنفال الماضية.

و أمّا السنّة:

1- فربّما يستدلّ علی جواز الصلح بما مرّ عن العلّامة في التذكرة بقوله:

 «و صالح رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله سهيل بن عمرو بالحديبية علی وضع القتال عشر سنين» «2» و هو محلّ كلام بل منع، و ذلك أنّ صلح الحديبية كان في سنة الستّ من الهجرة، كما

                       

يشهد له ما في مجمع البيان في تفسير سورة الفتح عند ذكر عمرة القضاء حيث قال:

و كذلك جری الأمر في عمرة القضاء في السنة التالية للحديبية و هي سنة سبع من الهجرة في ذي القعدة و هو الشهر الّذي صدّه فيه المشركون عن المسجد الحرام- يعني في السنة السابقة سنة صلح الحديبية- فخرج النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و دخل مكّة مع أصحابه معتمرين و أقاموا بمكّة ثلاثة أيّام ثمّ رجعوا إلی المدينة «1». فسنة صلح الحديبية سنة الستّ، و قد صرّح مجمع البيان كما عرفت بأنّ آيتي قتال المشركين و أهل الكتاب نزلتا في سنة تسع في سورة براءة، فلا محالة ترجع دعوی النسخ إلی أنّ آية الأمر بالميل إلی السلم نسخت بعد نزول سورة البراءة.

فالاستدلال بوقوع صلح الحديبية غير تامّ إلّا أن نكون فارغين عن عدم نسخ آية الصلح، و لعلّ عليه بناء استدلال العلّامة قدّس سرّه.

2- و يمكن الاستدلال لجواز معاهدة الصلح مع العدوّ بما كتبه أمير المؤمنين عليه السّلام في عهده الشريف إلی مالك الأشتر النخعي ففيه: و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك و للّه فيه رضا فإنّ في الصلح دعة لجنودك و راحة من همومك و أمنا لبلادك «2».

و قد عرفت في كلماتنا السابقة أنّ سند العهد من الشيخ الطوسي و النجاشي قدّس سرّهما معتبر، و دلالته علی جواز الصلح إجمالا واضحة، و حيث إنّه صادر من الأمير عليه السّلام زمن فعلية ولايته و تصدّيه عليه السّلام لأمر إدارة امور الامّة خارجا فلا مجال لتوهّم كونه منسوخا بل هو دليل معتبر أيضا علی أنّ آية الدعوة إلی الصلح غير منسوخة كما حقّقناه، و حيث إنّ العهد المبارك عهد له كتبه للأشتر و هو وليّ أمر مصر من ناحية وليّ أمر المسلمين، فما تضمّنه من الأمر بالصلح إنّما هو وظيفة شرعية لولاة امور المسلمين، و هو أمر يفعله وليّ أمر الامّة و يراه مشروعا و لذا أمر به من ولّاه.

3- و قد مرّ عن مجمع البيان في ردّ دعوی نسخ آية الأنفال و تقوية عدم‏

                       

النسخ قوله: و هذا هو الصحيح لأنّ قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ و الآية الاخری نزلتا سنة تسع في سورة براءة و صالح رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و فد نجران بعدها «1».

و مرجع ما أفاده أيضا إلی الاستدلال لجواز الصلح و عدم فسخه بفعله صلّی اللّه عليه و آله بعد نزول آيات البراءة فهو أيضا استدلال لمشروعية الصلح بالسنّة مدّعيا أيضا انها دليل عدم نسخ الآية.

أقول: و الحقّ أنّ هذا الاستدلال غير تامّ، و ذلك أنّ ما ذكره من مصالحة وفد نجران هو الصلح المعقود مع وفد نجران الّذين جاؤوا لمباهلة النبيّ صلّی اللّه عليه و آله، و عبارة نفس مجمع البيان في الحكاية عن مفاد هذا الصلح هكذا:

فقال الأسقف [يعني من الوفد]: يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك و لكن نصالحك فصالحنا علی ما ننهض به، فصالحهم رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله علی ألفي حلّة من حلل الأواقي، قيمة كلّ حلّة أربعون درهما، فما زاد أو نقص فعلی حساب ذلك، و علی عارية ثلاثين درعا و ثلاثين رمحا و ثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد، و رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله ضامن حتّی يؤدّيها، و كتب لهم بذلك كتابا «2».

و الظاهر أنّ هذا الكتاب لم يكن كتاب صلح مع كفّار أهل الكتاب بل مفاده عقد ذمّة عقده عليهم النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و الأموال المذكورة فيه هي الجزية الّتي جعلها عليهم كلّ سنة.

و يشهد لما ذكرناه أنّ نسخة هذا الكتاب قد نقلها غير المجمع بتقييد واضح فيه انها جزية مجعولة عليهم في كلّ سنة.

ففي كتاب مكاتيب الرسول صلّی اللّه عليه و آله بعد أن ذكر أنّ نجران- بفتح النون و سكون‏

                       

الجيم- موضع باليمن من مخاليف مكّة فتح سنة عشر من الهجرة «1» و أنّه لا خلاف عند المؤرّخين في أنّ وفودهم إلی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و كتاب الصلح لهم كانت سنة عشر من الهجرة 2 و بعد ذكر كتابه صلّی اللّه عليه و آله إلی أسقف نجران و أهل نجران و فيه: «أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلی عبادة اللّه من عبادة العباد و أدعوكم إلی ولاية اللّه من ولاية العباد، و إن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، و السلام» 3 فمع ذكر هذا كلّه قد نقل أنّ متن كتابه صلّی اللّه عليه و آله لأهل نجران بنصّ إرشاد الشيخ المفيد قدّس سرّه هكذا:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمّد النبيّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لنجران و حاشيتها في كلّ صفراء و بيضاء و ثمرة و رقيق، لا يؤخذ منهم شي‏ء غير ألفي حلّة من حلل الأواقي، ثمن كلّ حلّة أربعون درهما، فما زاد أو نقص فبحساب ذلك، يؤدّون ألفا منها في صفر و ألفا منها في رجب، و عليهم أربعون دينارا مثواة رسولي «4» [رسلي شهرا- في نسخة اليعقوبي‏] فما فوق ذلك، و عليهم في كلّ حدث يكون باليمن من كلّ ذي عدن عارية مضمونة ثلاثون درعا و ثلاثون فرسا و ثلاثون جملا مضمونة، لهم بذلك جوار اللّه و ذمّة محمّد بن عبد اللّه، فمن أكل الربا منهم بعد عامهم هذا فذمّتي منه بريئة «5».

و الكتاب كما تری قريب المضمون ممّا ذكره المجمع، و نسخ هذا الكتاب مختلفة بحسب نقل الناقلين من شاء الوقوف عليها فليراجع الجزء الثالث من المكاتيب. و هذا النقل صريح في أنّ الكتاب كتاب عقد الذمّة و لذلك كتب في أواخره: «لهم بذلك جوار اللّه و ذمّة محمّد بن عبد اللّه» مضافا إلی أنّه كإجراء لشقّ الجزية المذكور في كتابه صلّی اللّه عليه و آله إليهم الّذي نقلنا متنه فلا محالة إنّ هذه الأموال جزية مجعولة عليهم تؤخذ منهم كلّ سنة، و زاد عليها أن لا يأكلوا الربا و أن يعطوا

                       

الأسلحة و الخيل و الإبل المذكورة عارية مضمونة إذا حدثت باليمن حادثة.

و بالجملة: فالاستدلال بكتابه لوفد نجران غير تامّ لكونه كتاب عقد الجزية و الذمّة لا كتاب عقد الصلح و المهادنة. هذا.

4- و ربما ينقدح في الذهن أن يستدلّ لمشروعية الصلح بما نقل أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام صالح معاوية بصفّين و أنّ الإمام المجتبی عليه السّلام صالحه بعده.

لكنّه أيضا غير تامّ فإنّ فيه (أوّلا) أنّ شيئا من الصلحين لم يكن عن رضا منهما بل الجئا إليه قهرا. (و ثانيا) أنّ طرف الصلح كان يعدّ مسلما و محلّ كلامنا و مفاد آية الصلح إنّما هو أن يهادن المسلمون الكفّار، نعم لو سلّمنا اختيار الإمامين عليهما السّلام للصلح فلعلّه كان فيهما تأييد لمحلّ البحث.

فتلخّص تمامية دلالة بعض آيات الكتاب الكريم و بعض الأخبار الواردة عن المعصومين عليهم السّلام علی مشروعية عقد الصلح مع الكفّار في الجملة.

و أمّا بيان شرائطه و حدوده فبعهدة كتاب الجهاد. و بهذا نختم الكلام عن البحث في المرحلة الاولی.

 [أدلّة أنّ أمر الصلح بيد وليّ الأمر]

المرحلة الثانية: في أنّه إذا جاز عقد الصلح و المهادنة مع الكفّار فأمره موكول إلی وليّ الأمر إثباتا و نفيا، فعقده للمهادنة واجب الاتّباع و ليس لغيره أن يعقد الصلح مع الأعداء، اللّهمّ إلّا أن يكون مأذونا من قبله.

و الاستدلال له أيضا بوجهين، أحدهما: أنّه مقتضی ثبوت الولاية المطلقة علی الامّة لوليّ أمرهم، فإنّه قد مرّ مرارا أنّ مقتضاها أن يكون المهامّ من امورهم الاجتماعية موكولة إلی وليّ أمرهم فإنّه لا معنی لولاية أمر أمّة بلا قيد إلّا أنّ إلی وليّ الأمر و عليه التفكّر و العزم علی ما كان فيه صلاح امّته ثمّ إجراء ما رآه مصلحة فله العزم و الإقدام علی أمر الصلح مع العدوّ بالمقدار المشروع، و لازم وكول أمره إليه أن ليس لغيره الإقدام عليه مستقلّا بحيث كان وليّ الأمر ملزما بما أقدم هذا الغير عليه فإنّه مناف لولايته المطلقة، فإطلاق ولايته يقتضي ثبوت حقّ‏

                       

عقد الصلح مع الأعداء بالنحو المشروع و نفي هذا الحقّ عن غيره، اللّهمّ إلّا أن يكون مأمورا أو مأذونا من قبل وليّ الأمر.

و لهذا الّذي ذكرناه فكلّ شخص أو جمع فوّض الناس إليه إدارة امورهم و جعلوه وليّ أمرهم ولاية مطلقة فالناس أيضا يرون هذا الحقّ- أعني العزم و الإقدام علی المهادنة أو نفيها- ثابتا لوليّ أمرهم خاصّا به، و سرّه أنّ هذا الاختصاص مقتضی ثبوت الولاية المطلقة سواء كان منشأ تحقّقها حكم اللّه و إعطاءه- كما في محلّ بحثنا- أم كان منشأه إعطاء الناس كما في الولايات الخارجية غير الإلهية.

و يشير إلی هذا الوجه ما ذكره العلّامة في التذكرة في مقام الاستدلال لاشتراط صحّة عقد الصلح بتولية الإمام بقوله: لأنه من الامور العظام لما فيه من ترك الجهاد علی الإطلاق أو في جهة من الجهات، و لأنه لا بدّ فيه من رعاية مصلحة المسلمين و النظر لهم و الإمام هو الّذي يتولّی الامور العامّة «1».

الوجه الثاني للاستدلال: أن يستدلّ بالأدلّة الخاصّة فتدلّ عليه امور:

الأوّل: أنّ لازم وكول أمر القتال إليه خاصّة- كما مرّت دلالة أدلّة كثيرة عليه- أن يكون أمر الصلح أيضا مختصّا به موكولا إليه، و ذلك أنّه إذا كان أمر الصلح أيضا موكولا إلی وليّ الأمر فلا يلزم محذور، و أمّا إذا كان لغيره أيضا حقّ إنشاء عقد المهادنة مستقلّا لزم إذا أقدم هذا الغير بعقد الهدنة- و المفروض أنّه عقد صحيح لازم التبعية- أن لا يكون لوليّ الأمر الإقدام بالقتال و هو في معنی عدم وكول أمر القتال إليه خاصّة، كما أنّه إذا أقدم وليّ الأمر نفسه بعقد الصلح و التزم به فإن لم يكن هذا العقد معتدّا به كان في معنی جواز الإقدام إلی القتال مع بناء وليّ الأمر علی الصلح و ترك القتال و هو أيضا يؤول إلی عدم وكول أمر القتال إليه. و بالجملة:

                       

فلازم اختصاص أمر القتال بوليّ الأمر أن يختصّ به أمر الهدنة أيضا، فأدلّة وكول أمر القتال إليه تدلّ بالملازمة علی أنّ أمر الهدنة أيضا موكول إليه.

الثاني: قوله تعالی: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها «1» و ذلك أنّ المخاطب بأن يجنح و يصير إلی الهدنة هو النبيّ الأعظم صلّی اللّه عليه و آله الّذي كان وليّ أمر الامّة، و حيث إنّ العقلاء أنفسهم يرون في الولايات الخارجية بينهم وكول أمر الصلح أيضا إلی وليّ الأمر فيفهمون من الآية المباركة أنّ اللّه تعالی و شرع الإسلام أيضا أعطی هذا المقام لوليّ أمر المسلمين، و المدلول المطابقي للآية الشريفة و إن كانت الجهة الثبوتية و أن وليّ الأمر يصحّ له إنشاء عقد الصلح إلّا أنّه لمّا كان أمر الصلح عند العقلاء مفوّضا إلی وليّ الأمر و مختصّا به إثباتا و نفيا فلا يبعد دعوی انهم من مثل الآية الشريفة أنّ شارع الإسلام أيضا قد شرّع عين ما هو عند العقلاء و فوّض أمر الصلح إلی وليّ الأمر إثباتا و نفيا، فبهذا البيان تدلّ الآية المباركة علی المطلوب بكلتا جهتيه إثباتا و نفيا.

الثالث: قول أمير المؤمنين عليه السّلام في عهد مالك: و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك و للّه فيه رضا، فإنّ في الصلح دعة لجنودك و راحة من همومك و أمنا لبلادك «2».

و دلالته علی أنّ لمالك قبول الصلح و إنشاء عقده مع العدوّ واضحة، بل لا يبعد دعوی دلالة نهية عليه السّلام له عن دفع الصلح أنّ أمر دفعه أيضا خارجا بيده فنهاه أن يدفعه إذا كان للّه فيه رضا، فبهذا اللحاظ يكون كلامه هذا دالّا علی كلتا جهتي المطلوب و تفويض أمر الصلح إثباتا و نفيا إليه.

و مع الغضّ عنه فتتمّ دلالته علی جميع المطلوب بالانفهام العرفي الّذي مرّ ذكره آنفا ذيل آية الصلح، فتذكّر.

                       

ثمّ إنّ من المعلوم أنّ مالكا كان وليّ أمر ناحية من نواحي البلاد الإسلامية- أعني مصر و ما إليها- فإذا ثبت له هذا الاختيار يعلم أنّه ثابت لوليّ الأمر الأعظم أمير المؤمنين عليه السّلام و لكلّ من كان وليّ أمر المسلمين.

ثمّ إنّ ما مرّ من تصدّي النبيّ الأعظم صلّی اللّه عليه و آله لأمر إنشاء عقد الهدنة مع مشركي مكّة عند الحديبية موافق لما نحن بصدده كما لا يخفی.

فثبت بحمده تعالی أنّ الأدلّة المعتبرة قائمة علی جواز عقد الهدنة و علی أنّه مفوّض إلی وليّ الأمر كما عرفت.

إيضاح تكميلي: و هو أنّه كما أنّ أمر القتال و الصلح مفوّض إلی وليّ الأمر فهكذا كلّ ما هو من فروع القتال كمسألة تقسيم الغنائم و العزم علی ما هو الأصلح في الاساری و عقد الذمّة مع أهل الكتاب و مقدار الجزية و غيرها، و مجمل الدليل عليه أنّه مقتضی إطلاق ولاية وليّ الأمر مضافا إلی قيام أدلّة خاصّة علی كلّ منها.

و تمام الكلام فيها موكول إلی كتاب الجهاد.

                       

الفصل الحادي عشر في أنّ بيد وليّ الأمر تعيين البلاد غير الإسلامية الّتي يصلح إقامة العلاقات معها و الّتي لا يصلح‏

و توضيحه: أنّه لا ينبغي الريب في أنّ الشريعة الإسلامية شريعة عالمية تدعو الناس كلّهم إلی التديّن بها، يقول اللّه تعالی: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ «1» فكلّ من يبلغه رسالة النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و وحي القرآن إليه فهو منذر بالقرآن و بالدين الّذي يدعو إليه. و قال تعالی: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً «2» و دلالته علی عموم الرسالة واضحة.

و بالجملة: فلا ريب في عموم شريعة الإسلام لجميع الناس و كلّ العالم، إلّا أنّه لا ريب في أنّ حصول هذه السعة لها أمر تدريجي، و عليه فكلّ قطر و ناحية سيطر عليها الإسلام فلا محالة يكون وليّ الأمر الإلهي وليّا عليها يفعل بالمؤمنين و أهل الكتاب فيها ما تقتضيه الشريعة الإسلامية، و أمّا النواحي و الأقطار الّتي لم يظفر الدين الإسلامي بالسيطرة عليها و تكون لها حكومات و دول مستقلّة فربّما يكون إيجاد الرابطة للدولة الإسلامية مع بعضها ذا مصلحة للأمّة و البلاد الإسلامية و ربّما

 

                       

تكون فيها مفسدة لأحدهما، و حينئذ فتشخيص أنّ أيّة حكومة و دولة صالحة للارتباط بها و أيّتها غير صالحة يكون إلی وليّ الأمر، فما رآها منها صالحة لها يعيّنها و يجوّز أو يأمر بالارتباط بها، و ما رآها غير صالحة يمنع الارتباط بها. فهذا الأمر أيضا موكول إليه، و ما رآه فأمر بها و نهی عنها واجب الاتّباع، و ليس لغيره أخذ التصميم في هذه الجهة استقلالا إلّا أن يحوّل وليّ الأمر أمر هذا التعيين إلی أحد، فتشخيصه في حدّ التفويض إليه لازم الاتّباع.

و الدليل علی ذلك: أنّ ايجاد الارتباط بدولة و أمّة غير إسلامية و تركه من مهامّ الامور الاجتماعية فلا محالة يكون موكولا إلی من هو وليّ أمر الامّة، و إطلاق أدلّة ولاية أولياء الأمر يقتضي ثبوت هذه الولاية أيضا لهم كما مرّ في كلماتنا مرارا في مواضع عديدة.

و من الواضح أنّه كما أنّ إلی وليّ الأمر أصل الارتباط بدولة و أمّة غير مسلمة فهكذا يكون إليه سعة مقدار هذا الارتباط و ضيقه، فقد يكون الارتباط بمفهومه الوسيع ذا مصلحة يجوّزه أو يأمر به، و ربّما يكون الارتباط الاقتصادي مطلقا أو في بعض الموادّ فقط ذا مصلحة و لا مصلحة في غير الارتباط الاقتصادي فيتّبع ما رآه وليّ الأمر ذا مصلحة و يجتنب ما عداه، و هكذا الكلام في أنواع الارتباطات المختلفة الكثيرة سيّما في مثل زماننا المشحون بالصنائع الحديثة، فكلّ نوع منها رأی وليّ الأمر ذا مصلحة يتّبع أمره فيه و كلّ نوع رآه ذا مفسدة يتّبع نهيه، و هكذا الأمر في مقدار الارتباط المختصّ بكلّ نوع فالمتّبع أمره و نهيه بحدودهما.

                       

الفصل الثاني عشر في أنّ علی وليّ الأمر صرف امور مالية

و المقصود بالبحث هنا أنّ الشريعة الإسلامية قد وظّفت وليّ أمر الامّة بصرف المال في بعض المصارف فيستتبع أنّ لولاية الأمر منابع مالية تجعل أموال من جهتها بيد وليّ الأمر و ربّما يعبّر عن محلّ حفظها ببيت المال.

و مقصودنا الآن إثبات أنّ علی وليّ الأمر صرف المال في موارد إجمالا، و لسنا بصدد البحث عن كلّ مورد تفصيلا بل البحث التفصيلي عن كلّ مورد موكول إلی محلّ آخر أو محالّ اخر.

و ينبغي التنبيه أيضا علی أنّ هدفنا الأصيل عدّ بعض هذه الموارد من دون أن ندّعي أنّ جميع موارد المصرف منحصر فيها فنقول: يستفاد ما نبحث عنه من أدلّة من الكتاب الكريم و السنّة المباركة.

أمّا الكتاب فقد قال اللّه تعالی: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «1».

فقد أمره اللّه تعالی بأن يأخذ من أموال المسلمين صدقة، و الصدقة مال يعطی ابتغاء وجه اللّه، و إطلاقها بنفسه شامل للصدقة المندوبة و الواجبة كلتيهما، فتدلّ هذه الآية علی‏

                       

أنّه يقع من هذا الطريق في يد النبيّ العظيم صلّی اللّه عليه و آله أموال و هو وليّ أمر المسلمين.

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان المروية في الكافي قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

لمّا نزلت آية الزكاة: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها و انزلت في شهر رمضان فأمر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله مناديه فنادی في الناس: إنّ اللّه فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة- ثمّ ذكر ما يجب فيها الزكاة، ثمّ قال:- ثمّ لم يفرض لشي‏ء من أموالهم حتّی حال عليهم الحول من قابل، فصاموا و أفطروا، فأمر مناديه فنادی في المسلمين: أيّها المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم.

قال: ثمّ وجّه عمّال الصدقة و عمّال الطسوق «1».

فالصحيحة صريحة في أنّ الآية المباركة شاملة بل واردة في الزكاة الواجبة في الأموال، و في أنّه صلّی اللّه عليه و آله يوجّه عمّال الصدقة إلی المسلمين لأخذ زكاتهم عملا بالآية المباركة.

و قال اللّه تعالی: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «2».

فقد ذكر اللّه تعالی مصارف ثمانية للصدقات، و صرّح آخر الآية الشريفة بانها فريضة من اللّه، فيكون هذا الذيل قرينة علی أنّ المراد بالصدقات هي صدقات جعلت لها مصارف بنحو الفرض و الوجوب، و لا محالة تختصّ بالصدقات الواجبة علی الأموال هي نفس الزكاة المالية الواجبة، فإذا انضمّت هذه الآية المباركة إلی آيتنا الاولی كان مقتضاه أنّ الرسول صلّی اللّه عليه و آله مأمور بأن يصرف الصدقة الّتي يأخذها من أموال المسلمين في هذه المصارف الثمانية، و هذا هو الّذي ذكرناه.

و في صحيح زرارة و محمّد بن مسلم انهما قالا لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أ رأيت قول‏

                       

اللّه عزّ و جلّ: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أ كلّ هؤلاء يعطی و إن كان لا يعرف؟ فقال: إنّ الإمام يعطي هؤلاء جميعا لأنّهم يقرّون له بالطاعة ... الحديث «1».

فالصحيحة فرضت أنّ المعطي للصدقات المذكورة في الآية في المصارف المقرّرة هو الإمام الّذي يقرّ الناس كلّهم له بالطاعة حتّی من كان منهم من غير الشيعة و أهل المعرفة، فهذا الإمام هو عبارة اخری عن وليّ أمر الامّة حقّا، و الصحيحة دليل علی أن لا خصوصية في أخذ الصدقة الواجبة من أموال الناس لشخص النبيّ صلّی اللّه عليه و آله بل الحكم جار في وليّ أمر الامّة و إمامهم نبيّا كان أو غير نبيّ.

فقد تمّت دلالة الآيتين و لا سيّما بملاحظة مثل الصحيحتين علی المطلوب في مفروض الآية. و غرضنا يتمّ بمجرّد دلالة الآية الاولی علی أنّ لوليّ الأمر أخذ الزكاة الواجبة فيكون بعد أخذها موظّفا بمصرفها في المصارف المذكورة، و لسنا بصدد دعوی أنّه لا يجوز صرف الزكاة بيد من وجبت في ماله فإنّ مقامه كتاب الزكاة.

و في الكتاب الكريم آيات اخر لا يبعد دلالتها علی المطلوب إلّا انا نقتصر علی ما ذكرنا من باب الانموذج.

و أمّا السنّة الشريفة فالأخبار الدالّة عليه أيضا كثيرة متفرّقة في أبواب عديدة إلّا انا نقتصر منها أيضا علی ما يستفاد من عهد مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام إلی مالك الأشتر النخعي حين ولّاه مصر، فإنّ سنده كما مرّ مرارا معتبر، و ما كتبه فيه امور و وظائف عدّها ممّا يجب أو ينبغي أن يعمل به الوالي، فلا محالة يكون من أدلّة ما نحن فيه.

1- فمنها ما كتبه عليه السّلام في أمر الخراج فقال: و تفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإنّ في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم و لا صلاح لمن سواهم إلّا بهم، لأنّ‏

                       

الناس كلّهم عيال علی الخراج و أهله «1».

فأمره عليه السّلام بتفقّد أمر الخراج و كمال المراقبة له بما يصلح أمر معطي الخراج و أمر نفس الخراج لأن يظفر بخراج أكثر، و علّله بأنّ صلاح غير معطي الخراج موقوف علی صلاح المعطين له و ذلك أنّ الناس كلّهم عيال علی الخراج و معطيه، فتدلّ العلّة المذكورة بوضوح علی أنّ الخراج من شأنه و حكمه أن يصرفه في مصارف عديدة و هي في الأهمّية بحيث صحّ أن يقال فيها: إنّ الناس كلّهم عيال علی الخراج. فدلالة هذه الفقرات علی أنّ من وظائف الوالي هذه المصارف المالية واضحة.

2- و منها ما كتبه عليه السّلام فيه بقوله الشريف- بعد ذكر أنّ الرعية طبقات سبعة قد سمّی اللّه تعالی لكلّ منها سهمه-: فالجنود بإذن اللّه حصون الرعية و زين الولاة و عزّ الدين و سبل الأمن، و ليس تقوم الرعية إلّا بهم، ثمّ لا قوام للجنود إلّا بما يخرج اللّه لهم من الخراج الّذي يقوون به علی جهاد عدوّهم و يعتمدون عليه فيما يصلحهم و يكون من وراء حاجتهم 2.

فقد بيّن أوّلا لزوم الحاجة إلی الجنود و أنّ حصن الامّة و أمن البلاد الإسلامية بهم بل لا قوام للرعية إلّا بهم، فالحاجة إليهم واضحة لازمة و بعد ذلك فلا بدّ و لا محيص من حفظهم. و قال عليه السّلام لا قوام للجنود إلّا بالخراج الّذي يقوون به علی الجهاد بإعداد الأسلحة المحتاج إليها الجهاد و الّذي يعتمدون عليه فيما يصلح معيشتهم و به يعدّون ما يحتاجون إليه في قضاء حوائج عيالاتهم. و بالجملة:

فالجنود لا محيص عنهم و هم لا يقومون بوظائفهم إلّا بمدد الخراج فلا بدّ و أن يصرف الخراج فيه.

فحاصل الفقرتين: أنّ الناس كلّهم عيال علی الخارج و من بينهم الجنود

                       

خاصّة يحتاجون إليه و لا قوام لهم إلّا به، فالفقرتان تدلّان علی وجوب تحصيل الخراج ثمّ صرفه في المصارف المشار إليها علی الوالي.

3- و منها ما كتبه عليه السّلام في القضاة، فإنّه عليه السّلام بعد أن أمر هذا الوالي بأن يختار للقضاء بين الناس من كان واجدا لأفضل الشرائط قال: ثمّ أكثر تعاهد قضائه، و أفسح له في البذل ما يزيل علّته و تقلّ معه حاجة إلی الناس «1».

فأمره بأن يبذل للقاضي ما يرفع احتياجاته بحيث تقلّ مع ما يبذله له حاجة إلی الناس، فهذا أيضا مصرف مالي قد أوجب علی الوالي صرف المال فيه.

4- و منها ما كتبه عليه السّلام في عمّال الحكومة، فإنّه عليه السّلام بعد الأمر باستعمال ذوي الصفات اللازمة و الهداية إلی كيفيّة استعمالهم قال: ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق، فإنّ ذلك قوّة لهم علی استصلاح أنفسهم و غنی لهم عن تناول ما تحت أيديهم و حجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك 2.

فلا ريب أنّ الحاجة اللازمة إلی استعمال عمّال الولاية لأن يعمل كلّ منهم وظيفته المفوّضة إليه المطلوبة منه بديهية، فبعد استعمالهم للأعمال المختلفة فقد أمر الوالي بأن يعطي كلّا منهم رزقه و أن يسبغ عليه الرزق حتّی يحصل لكلّ عامل قوتا يعتمد بها علی استصلاح حاله و إعداد ما يحتاج إليه هو و عياله و يكون ذا غنی عن التصرّف في الأموال أو الامور الّتي تحت يده من أموال المسلمين و الامور العامّة الّتي هو أمين فيها. فقد أمره بصرف المال هنا، و معلوم أنّ هذا القبال إنّما هو في قبال أعمالهم و بمنزلة الاجرة لأعمالهم، فيكون صرفه واجبا.

هذا مضافا إلی أنّ ظاهر الأمر بنفسه أيضا الوجوب.

5- و منها ما كتبه عليه السّلام في العمل مع الطبقة السفلی الّتي هي الطبقة السابعة من الناس في كلامه عليه السّلام فقال: ثمّ اللّه اللّه في الطبقة السفلی من الّذين لا حيلة لهم من‏

                       

المساكين و أهل البؤسی و الزمنی، فإنّ في هذه الطبقة قانعا و معترّا، و احفظ للّه ما استحفظك من حقّه فيهم، و اجعل لهم قسما من بيت مالك، و قسما من غلّات صوافي الإسلام في كلّ بلد، فإنّ للأقصی منهم مثل الّذي للأدنی، و كلّ قد استرعيت حقّه فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنّك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهمّ ... «1».

فتری أمره الأكيد بأن يحفظ الوالي حقّ هذه الطبقة الشريفة بكمال الدقّة و حسن الحفظ، و أن يحفظ حقّهم الّذي أراد اللّه منه و استحفظه حقّهم، و تری أمره الصريح بأن يجعل لهم قسما من بيت ماله و قسما من غلّات الإسلام و أن يداقّ حتّی لا ينسی الأقصی منهم اكتفاء و قصرا للنظر إلی الأدنی، فإنّ الوالي قد استرعی حقّ كلّهم فلكلّهم حقّ و أمر اللّه الوالي برعايته و أداء حقّ جميعهم إليه، و صرّح عليه السّلام بأنّه يجب أن يكون الوالي علی التفات تامّ عامّ لجميعهم و لأنواع حاجاتهم فإنّه لا يكون معذورا عند اللّه و لا فارغا عن امتثال وظيفة بمجرّد إحكامه المهمّ من احتياجاتهم بل هو مسئول عن الكلّ و عن جميع أنواع حاجاتهم فلا يشغلنّه عن امورهم بطرو لا عذر.

ثمّ عقّب هذه التأكيدات تأكيدات كثيرة اخری يجب للمراجع أن يلاحظها بدقّة.

فهذا الأمر الأكيد بهذا البيان الجلي يدلّ بالوضوح علی أنّ لجميع أفراد الطبقة السفلی حقّا إلهيّا علی الوالي و علی بيت المال، و الوالي موظّف بأداء حقوق جميعهم و جميع حقوقهم إليهم. فهذا أيضا مصرف مالي آخر واجب الرعاية.

6- و منها ما كتبه عليه السّلام علّة لعدم احتجاب الوالي عن الرعية، فإنّه عليه السّلام قد نهاه عنه بقوله: فلا تطوّلنّ احتجابك عن الرعية فإنّ احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق و قلّة علم بالامور.

فبعد ذكر مضارّ الاحتجاب و فوائد تركه قال عليه السّلام: و إنّما أنت أحد رجلين: إمّا

                       

امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ؛ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه أو فعل كريم تسديه! أو مبتلی بالمنع، فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك! مع أنّ أكثر حاجات الناس إليك ممّا لا مئونة فيه عليك، من شكاة مظلمة؛ أو طلب إنصاف في معاملة «1».

فهو عليه السّلام و إن عدّ أكثر حاجات الناس إلی الوالي ممّا لا مئونة عليه فيه، إلّا أنّه مع ذلك فقد ذكر في القليل الباقي واجب حقّ لا محالة يجب أن يعطی أو فعل كريم يسديه الكريم إلی من يحتاج إليه، و الحقّ الواجب إعطاؤه ربما كان ما لا يحتاج إليه المحتاج الحاضر لديه، فتدلّ هذه الفقرة أيضا علی أنّ للوالي مصارف واجبة مالية.

فالحاصل: أنّ هنا أدلّة كثيرة تدلّ علی أنّ لوالي أمر المسلمين مصارف مالية يجب عليه صرف المال فيها أو يندب عليه، و ما ذكرناه من الكتاب الكريم و السنّة المباركة نماذج من هذه الأدلّة الكثيرة، و حينئذ فقد حان زمان البحث عن المنابع المالية الّتي جعلت في الشرع لوصول المال بيد وليّ الأمر، و هو المقام الثاني.

فهذه الموارد الّتي ذكرنا انها بيد وليّ الأمر هي نماذج عمدة ممّا أمرها إلی وليّ الأمر، و إلّا فقد عرفت أنّ مقتضی الأدلّة أنّ بيده كلّ ما يرتبط بإدارة أمر الامّة الإسلامية في داخل البلاد و خارجها سواء كان داخلا تحت بعض هذه العناوين الّتي ذكرناها أو خارجا عنها.

 

 

 

 

 

 

 

 

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمت 15

پیام هفته

مصرف گرایی بلای جامعه برانداز
قرآن : وَ لَنُذِیقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الأَکْبَرِ لَعَلَّهُمْ یَرْجِعُونَ  (سوره سجده، آیه 21)ترجمه: به آنان از عذاب نزدیک (عذاب این دنیا) پیش از عذاب بزرگ (آخرت) مى چشانیم، شاید باز گردند.توضیح : مصرف گرایی بدون تولید مناسب سبب می شود تا قیمت ها در جامعه افزایش پیدا کند و گرانی (که در احادیث به عنوان یکی از عذابهای دنیوی عنوان شده) در جامعه شایع شود.حدیث: وَ لِلّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِبَادٌ مَلاعِينُ مَنَاكِيرُ لا يَعِيشُونَ وَ لا يَعِيشُ النَّاسُ فِي أكْنَافِهِمْ وَ هُمْ فِي عِبَادِهِ بِمَنْزِلَة الْجَرَادِ لا يَقَعُونَ عَلَي شَيْ‏ءٍ إلاّ أتَوْا عَلَيْهِ. (اصول کافی،...

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

HTML 5نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+

پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید