قسمت 12

فالصحيحة كما تری تدلّ علی نزول الآية المباركة في أمير المؤمنين و الحسنين عليهم السّلام و أنّهم المصاديق الموجودة من المراد باولي الأمر المذكور فيها، و علی أنّ هذا المنصب المستتبع لوجوب الطاعة يكون بعد الحسين عليه السّلام لولده و أنّهم تأويل قوله تعالی: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلی‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ و ذكر منهم عليّ بن الحسين زين العابدين ثمّ ابنه محمّد بن عليّ الباقر عليهم السّلام و لم يذكر نفسه الشريفة و لعلّه تواضعا و تأدّبا، و إلّا فلا ريب في أنّه عليه السّلام و أولاده المعصومين إلی الإمام القائم الثاني عشر مرادون بالآية المباركة الّتي قد عرفت تمامية دلالتها علی وجوب طاعتهم عليهم السّلام حتّی في أوامرهم الشخصية الصادرة في أعمال الولاية.

فليست في الصحيحة دلالة أزيد عمّا في الآية الشريفة إلّا أنها صريحة في تفسير اولي الأمر بالأئمّة الاثني عشر المعصومين عليهم السّلام.

2- و في معتبرة الحسين بن أبي العلاء المروية فيه أيضا قال: ذكرت لأبي عبد اللّه عليه السّلام قولنا في الأوصياء أنّ طاعتهم مفترضة، قال: فقال عليه السّلام: نعم، هم الّذين قال اللّه تعالی: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و هم الّذين قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا «1».

و هي كما تری دلّت أوّلا بقوله «نعم» علی أنّ طاعة الأوصياء الّذين لا ريب في أنّهم الأئمّة المعصومون عليهم السّلام مفترضة، و ثانيا بذكر الآية الاولی و تطبيقها عليهم تفسير اولي الأمر في الآية بهم، و كلا الجملتين كما مرّ بيانه تدلّ علی وجوب إطاعة أوامرهم الّتي تصدر عن أشخاصهم عليهم السّلام في مقام أعمال الولاية.

3- و في معتبرة أبي الصباح الكناني المروية فيه أيضا قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

نحن قوم فرض اللّه عزّ و جلّ طاعتنا، لنا الأنفال و لنا صفو المال ... الحديث 2.

                       

و دلالتها علی كون طاعتهم فريضة واضحة.

4- و في صحيحة زرارة المروية فيه أيضا عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضا الرحمن تبارك و تعالی الطاعة للإمام بعد معرفته ثمّ قال: إنّ اللّه تبارك و تعالی يقول: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّی فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «1».

و دلالتها علی كون طاعتهم فريضة واضحة لا سيّما بعد الاستشهاد بالآية.

فهذه الأخبار انموذج من الروايات العديدة الّتي مرّت، و دلالتها علی المطلوب واضحة كما مرّ بيانها ذيل الآية.

                       

الفصل الثاني في أنّ علی وليّ الأمر المراقبة و النظارة علی أن تعمل الرعية بوظائفهم و أن يهيّئ مقدّمات امتثالهم لوظائفهم الإلزامية و غيرها

و قبل ذكر الدليل عليه لا بدّ من بيان مقدّمة هي أنّ جميع الوظائف الّتي جعلت علی عهدة المكلّفين فإنّما روعي فيها مصالح أنفسهم سواء في ذلك الأحكام الأصلية الّتي جعلها اللّه و بيّنها الرسول و الأئمّة صلوات اللّه عليهم و الأحكام و الوظائف الّتي يجعلها الولي من عند نفسه.

أمّا الأحكام الأصلية فلما دلّت عليه أدلّة كثيرة من أنّ في جميع ما جاء به الإسلام منافع و مصالح للأمّة.

فمثلا قوله تعالی: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدی‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ «1» فإنّه يدلّ بوضوح علی أنّ كلّ ما جاء به النبيّ صلّی اللّه عليه و آله فهو حقّ، من اهتدی به فاهتداؤه يكون لنفسه و من لم يهتد و ضلّ كان عدم اهتدائه ضلالا للطريق الّذي يجب السير فيه و كان ضلاله أيضا علی نفسه، فاتباع ما جاء به الإسلام وجدان للطريق و اهتداء و عصيانه و عدم الاعتداد به ضلال للطريق، فاتباعه مصلحة المهتدي و عصيانه بضرر العاصي.

                       

و مثلا قوله تعالی: وَ الْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... «1» و مفاده أنّ عدم الإيمان و ترك الأعمال الصالحة الّتي هي ما أمر اللّه تعالی إيجابا أو ندبا ضرر و خسران يقع الإنسان فيه إلّا أن يتوب إلی اللّه و يؤمن به و يعمل جميع الأعمال الصالحة، و هو عبارة اخری عن أنّ في المطلوبات الشرعية مستحبّها و واجبها منافع للمكلّفين، و من الواضح أنّ مثلها المنهيات تحريما أو كراهة.

و هكذا قوله تعالی: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلی‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «2».

وصف الكتاب المبين الّذي جاء به الرسول الأعظم صلّی اللّه عليه و آله نورا يهدي به اللّه من اتّبع رضوان اللّه سبل السلام و يخرجه من الظلمات إلی الضياء و النور و يهديه إلی صراط مستقيم، و كلّ هذه الامور العالية فيها محاسن مرغوبة لمن اهتدی و عمل به، و من الواضح أنّ الكتاب المبين نفسه مشتمل علی بيان عقائد حقّة من التوحيد و النبوّة و المعاد و الإمامة و علی بيان أوصاف كمالية أو تنزيهية للّه تعالی و علی بيان أحكام إلزامية إيجابا و تحريما بل و غير إلزامية و علی لزوم العمل و قبول ما يؤتيه الرسول الأعظم بقوله تعالی: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «3» فقد اشتمل القرآن الشريف مستقلّا أو بالواسطة علی الهداية إلی جميع الاعتقادات و الوظائف المطلوبة أو المنهية و جعل اتّباعه خروجا من الظلمات كلّها إلی النور و اهتداء إلی صراط مستقيم، و هو لا محالة صراط الّذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الشهداء و الصدّيقين و الصالحين كما تصرّح به آية النساء «4».

                       

فبالجملة: فهذه الآية المباركة أيضا تدلّ علی أنّ جميع ما جاء به الإسلام قد لو حظت فيه مصالح الامّة أو مفاسد يمكن الابتلاء بها، فأمر بالأوّل و نهی عن الثاني، و الإسلام دين الهداية و القرآن كتاب الهداية و هدی للمتّقين و لا محالة و النبيّ و الإمام إمام الهداية و وليّها من اللّه تعالی.

و هذا المعنی يستفاد بوضوح من آيات كثيرة اخری و من روايات عديدة و نری في الاقتصار علی ما ذكرنا كفاية، هذا في الأحكام الأصلية.

و أمّا الأحكام الّتي يجعلها وليّ الأمر فكون السرّ و الهدف فيها حصول مصالح للرعية أو اجتنابهم عن المفاسد واضح، فإنّ الوالي لا يجعلها إلّا لأن تصل الرعية إلی مصالح أو لأن لا يقعوا في مفاسد سواء في ذلك ما كان تكليفا لعامّة الناس أو جمع منهم، و ما كان من قبيل وظائف عمّال الدولة فإنّه لا ريب في أنّ السرّ في جميعها هو ما ذكرنا، بل و كذلك الأمر في كلّ ما يصمّم و يراه لازما من أقسام الإدارات و المؤسّسات الحكومية المختلفة فإنّه لا هدف للوالي في جميع هذه الأحكام و الامور إلّا رعاية مصالح الامّة و دفع المفاسد عنه.

بل يمكن أن يستدلّ لاشتمالها علی هذه المنافع أو المضارّ بنفس أدلّة القسم الأوّل من الأحكام، و ذلك لما عرفت من أنّ هذه الأحكام و التصميمات أيضا لازمة الرعاية و لا أقلّ من أنّها تكون داخلة في عموم قوله تعالی: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فتكون ممّا جاء به الإسلام و يعمّه قوله تعالی فَمَنِ اهْتَدی‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها إلی غير ذلك.

فالمتحصّل: أنّ جميع الأحكام الإلهية و الولائية و سائر تصميمات وليّ الأمر فيه لحاظ وصول نفع إلی الامّة أو دفع ضرّ عنه.

و بعد الالتفات إلی هذه المقدّمة نقول: قد عرفت أنّ الأدلّة الكثيرة المعتبرة قد دلّت علی أنّ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و كلّ واحد من الأئمّة عليهم السّلام كلّ في زمان إمامته وليّ من اللّه تعالی و قيّم علی الامّة و راع لهم، و كلّ من هذه المعاني يقتضي أن يكون إليهم‏

                       

رعاية امور جميع أفراد الامّة، فإنّ الولاية هي جعل المولّی عليه تحت رعايته ليسير في المسير الصحيح الّذي ينبغي له المسير فيه، و الولاية و إن كانت حقّا خاصّا للولي إلّا أنّها تقتضي له اختيارات و ربما توجب عليه وظائف، فإنّ له حقّ أخذ التصميم المناسب بالنسبة إلی المولّی عليه و ليس هذا الحقّ لغيره، لكن عليه أيضا أخذ التصميمات و إجراء عمليات يجب علی المولّی عليه أن يقع في مسيرها، فالتخلّف عن إجرائها المناسب تقصير فيما يكون من لوازم الولاية. و هكذا الكلام في القيمية، و مثلهما مقتضی معنی الرعي كما لا يخفی.

و حينئذ فبعد ما اتضح أنّ جميع الأحكام الأصلية و الولائية أحكام انشئت لرعاية مصالح الامّة المولّی عليهم، بل و هكذا غير الأحكام من التصميمات الّتي يأخذها وليّ الأمر. فعليه يجب علی وليّ الأمر بمقتضی لزوم أعمال الولاية الصحيحة امور:

1- فيجب عليه أن يراقب أفراد الامّة لكي يسير كلّ منهم و جميعهم في مسير امتثال كلّ الأحكام المجعولة عليهم، و قد وردت أخبار متعدّدة دالّة علی هذا المعنی في مسألة طلاق السنّة، ففي موثّقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لو و ليت الناس لعلّمتهم كيف ينبغي لهم أن يطلّقوا ثمّ لم اوت برجل قد خالف إلّا أوجعت ظهره، و من طلّق علی غير السنّة ردّ إلی كتاب اللّه و إن رغم أنفه.

و في رواية اخری عنه قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: و اللّه لو ملكت من أمر الناس شيئا لأقمتهم بالسيف و السوط حتّی يطلّقوا للعدّة كما أمر اللّه عزّ و جلّ.

و في هذا الباب «1» ثلاث روايات اخر، فراجع.

2- و يجب عليه أيضا أن يراقب عمل عمّال الدولة كلّ بوظيفته الخاصّة به لكي يحصل للأمّة الأهداف الحسنة المطلوبة لهم الّتي لأجل حصولها اسّست ادارات و مؤسّسات مختلفة و نصب علی كلّ منها عمّال ليحصل بعملهم الصحيح‏

                       

تلك الغايات المطلوبة الحصول للأمّة.

3- بل و يجب عليه أيضا أن يهيّئ لأفراد الامّة أرضية وصول كلّ منهم إلی تلك الأهداف العالية بمثل تبليغ الأعمال الحسنة و بيان الفواحش و القبائح في مجالس يتكلّم و يعظ الناس فيها من يصلح له أو في المجلّات و الجرائد و الكتب و الإذاعات أيّا منها كان هو الأصلح.

و الدليل الأصيل علی وجوب كلّ منها أنّ كلّها من لوازم الولاية و القيمية و الرعي بحيث لو لم يفعل و أحدا منها لما تحقّق مقتضی شي‏ء من هذه المعاني، و لو عمل بها كما ينبغي تبدّلت الأرض جنّة مادّية قبل حلول الموت. فهكذا يكون الإسلام.

ملحق [في أنّ علی وليّ الأمر إرسال الناس إلی الحجّ‏]

و يلحق بهذا الفصل ما يدلّ عليه أخبار متعدّدة من أنّه لو عطّل الناس الحجّ وجب علی الإمام آخر الأمر إرسال الناس إلی الحجّ.

و تفصيل الكلام فيه أنّ اللّه تعالی قد أوجب الحجّ علی العباد لمصالح لهم فيه و قال في كتابه الكريم: وَ لِلَّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «1».

و جاء في الأخبار المعتبرة عن أهل بيت العصمة صلوات اللّه عليهم أجمعين مثل قولهم عليهم السّلام: «انظروا بيت ربّكم فلا يخلونّ منكم فلا تناظروا» «2» ممّا يدلّ علی أنّ من المصالح المرعية في وجوب الحجّ تكريم بيت اللّه الحرام و أن لا يخلو من الحاجّ، فإذا كان علی وليّ الأمر أن يراقب العباد حتّی يحصل منهم الأهداف المطلوبة منهم في الواجبات و المحرّمات فلا محالة إذا لم يكن في سنة ما حاجّ لبيت اللّه الحرام إمّا لعدم وجود مستطيع للحجّ فيهم و إمّا لطغيان المستطيعين و عدم‏

                       

إقدام غيرهم علی إتيان الحجّ المندوب، فعلی وليّ الأمر إرسال طائفة إلی الحجّ و لو بصرف بيت المال فيه لئلّا يخلو بيت اللّه الحرام عن الحاجّ.

قال السيّد الفقيه اليزدي في أوائل كتاب الحجّ من العروة الوثقی: فإنّه لا يبعد وجوب الحجّ كفاية علی كلّ أحد في كلّ عام إذا كان متمكّنا بحيث لا تبقی مكّة خالية عن الحجّاج، لجملة من الأخبار الدالّة علی أنّه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحجّ، و الأخبار الدالّة علی أنّ الإمام (كما في بعضها) و علی الوالي (كما في آخر) أن يجبر الناس علی الحجّ و المقام في مكّة و زيارة الرسول صلّی اللّه عليه و آله و المقام عنده و أنّه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال «1».

و لم يخالفه المراجع المحشّون علی العروة فيما رأيت إلّا واحد منهم فعلّق علی عبارة «لا يبعد وجوب الحجّ» بقوله: «علی الأحوط» و هو كما تری احتياط واجب و ليس نصّا في الخلاف.

فهو قدّس سرّه و إن كان في مقام إثبات وجوب الحجّ كفاية في كلّ عام إلّا أنّه استند له بطائفتين من الأخبار، ثانيتهما هي الأخبار الّتي مدلولها الأوّلي ما نحن الآن بصدد البحث عنه، فنقول:

يمكن الاستدلال له من وجهين:

أحدهما: من جهة ما مرّت الإشارة إليه من أنّ من أهداف إيجاب الحجّ أن لا يخلو بيت الربّ من الحاجّ و وليّ الأمر هو الموظّف بتحقّق هذه الأهداف، فإن وجد الزوّار و الحجّاج بمقدار تحقّق به هذا الهدف فهو و إلّا فاللازم علی وليّ الأمر تحصيله بإرسال الحاجّ و لو بصرف بيت المال لما عرفت من أنّ الولاية علی أمّة تقتضي أن يكون الوليّ مراقبا حتّی يحصل الأهداف المطلوبة منهم من اللّه تعالی.

و الدليل علی أنّ من أهداف الحجّ أن لا يخلو بيت اللّه من الحجّ عدّة من الأخبار:

                       

1- ففي صحيحة حمّاد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان عليّ صلوات اللّه عليه يقول لولده: يا بنيّ انظروا بيت ربّكم فلا يخلونّ منكم فلا تناظروا «1».

فتری أنّه عليه السّلام قد نهی عن خلوّ بيت اللّه عن المسلمين و أنّه لو صار خاليا لما نوظر المكلّفون و عجل إليهم العذاب، فيدلّ بوضوح علی أنّ عدم خلوّ بيت اللّه من الحجّاج و الزوّار هدف مطلوب لا ترفع اليد عنه.

2- و نظير هذه الصحيحة ما في نهج البلاغة في وصيّة له عليه السّلام للحسن و الحسين عليهما السّلام: «و اللّه اللّه في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا» «2». و بيان دلالتها و كيفيتها هو ما مرّ.

3- و قريب منهما صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

إنّ ناسا من هؤلاء القصّاص يقولون: إذا حجّ الرجل حجّة ثمّ تصدّق و وصل كان خيرا له، فقال عليه السّلام: كذبوا، لو فعل هذا الناس لعطّل هذا البيت، إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل هذا البيت قياما للناس «3». فالصحيحة و إن وردت في الحجّة غير الواجبة إلّا أنّ ظاهرها أنّ اللّه تعالی أراد من المسلمين أن لا يعطّل هذا البيت الّذي هو قيام للناس.

فهذه الأخبار تدلّ بوضوح علی أنّ عدم تعطيل البيت عن الزوّار و الحجّاج مطلوب واجب أكيد للّه تعالی، و حيث إنّ وليّ الأمر جعل منه تعالی لأن يتحقّق في الامّة و للأمّة أهداف اللّه تعالی فلا محالة إذا لم يكن للبيت زائر و حاجّ، فعليه أن يقوم بتحصيل هذا الهدف الأكيد بإرسال طائفة من الناس إليه.

الوجه الثاني: من جهة أخبار خاصّة معتبرة السند تامّة الدلالة واردة في هذا الموضوع.

                       

1- ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: قال لي إبراهيم بن ميمون: كنت جالسا عند أبي حنيفة فجاءه رجل فسأله فقال: ما تری في رجل قد حجّ حجّة الإسلام الحجّ أفضل أم يعتق رقبة؟

قال: لا، بل يعتق رقبة، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: كذب و اللّه و أثم؛ الحجّة أفضل من عتق رقبة و رقبة: حتّی عدّ عشرا، ثمّ قال عليه السّلام: ويحه! في أيّ رقبة طواف بالبيت و سعي بين الصفا و المروة و الوقوف بعرفة و حلق الرأس، و رمي الجمار؟! و لو كان كما قال لعطّل الناس الحجّ، و لو فعلوا كان ينبغي للإمام أن يجبرهم علی الحجّ إن شاءوا و إن أبوا، فإنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ «1».

فذيل الصحيحة كما تری واضح الدلالة علی أنّ تعطيل الناس للحجّ مفسدة عظيمة لا بدّ و أن لا تقع بتّا، و علی أنّ هذا البيت يكون لم يوضع إلّا للحجّ و لذلك فعلی الإمام إرسال الناس إلی الحجّ إذا عطّلوه، و بهذا البيان نعرف أنّ الانبغاء اريد منه هنا الوجوب. فإنّه المناسب للكبريين المذكورتين في الصحيحة قبله و بعده.

2- و في صحيح آخر لعبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لو عطّل الناس الحجّ لوجب علی الإمام أن يجبرهم علی الحجّ إن شاءوا و إن أبوا، فإنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ «2». و دلالته علی المطلوب واضحة، و التعبير في جواب «لو» الشرطية بقوله: «لوجب علی الإمام أن يجبرهم» شاهد علی أنّه خبر آخر، و إن كان عند الراوي مأخوذا من الحديث الأوّل كان شاهد صدق علی إرادة الوجوب من عدم الانبغاء و مؤيّدا لما استظهرناه في الخبر الأوّل.

3- و في صحيح الفضلاء: حفص بن البختري و هشام بن سالم و معاوية بن‏

                       

عمّار و غيرهم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لو أنّ الناس تركوا الحجّ لكان علی الوالي أن يجبرهم علی ذلك و علی المقام عنده، و لو تركوا زيارة النبيّ صلّی اللّه عليه و آله لكان علی الوالي أنّ يجبرهم علی ذلك و علی المقام عنده فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين «1».

و دلالته أيضا علی المطلوب واضحة. و قد جعل من يجب عليه إرسال الناس في هذه الصحيحة الوالي، و قد كان في صحيحتي عبد اللّه بن سنان الإمام، و هما واحد- كما مرّ في المباحث الماضية- فإنّ الإمام وليّ أمر المسلمين.

بل زادت هذه الصحيحة علی ما سبقها فجعلت زيارة النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و المقام عند قبره كحجّ البيت فعطفهما عليه و ظاهرها الوجوب فيهما.

فالملخّص أنّ الأدلّة تامّة الدلالة و الاعتبار علی وجوب إرسال الناس إلی الحجّ علی وليّ الأمر إذا تركوه بأنفسهم، و اللّه العالم.

                       

الفصل الثالث في أنّ بيد وليّ الأمر إجراء الحدود و التعزيرات و القصاص و الديات و هو من الوظائف الولائية

و قبل الورود في متن البحث لا بدّ من التنبّه لأنّ «الحدّ» بحسب المصطلح الفقهي هو التأديب المقرّر شرعا المضبوط مقداره كمائة جلدة حدّ بعض أقسام الزنا و اللواط و كقطع يد السارق أوّل مرّة. و «التعزير» هو التأديب الّذي مقداره بل و نوعه موكول إلی رأي الحاكم أو الوالي. و «القصاص» حقّ جعله اللّه للأشخاص فهو حقّ إلهي شخصي و يشمل قصاص النفس و الأطراف. كما أنّ «الديات» يراد بها ما جعله الشرع بدلا عن نقص أو قتل أورده الجاني علی إنسان آخر كدية قتل الخطأ و شبه العمد و دية قطع يده خطأ أو شبه عمد بل و عمدا إذا تصالحوا عليها.

و المقصود بالبحث في هذا الفصل هو أنّ الامور المذكورة مع قبول و تسلّم حقّ الأشخاص ذوي الحقوق في موارد خاصّة منها فقد جعل إجراؤها في المجتمع الإسلامي بيد وليّ أمر المسلمين و هو من حقوقه الولائية مع فرض أنّ اجراءها واجب عليه عند تحقّق شرائط الوجوب كما في الحدود كثيرا ما لا سيّما فيما إذا كان الحدّ حقّ إنسان كحدّ القذف، و هكذا كثيرا من التعزيرات و كما في القصاص بل و في أخذ الديات بتفصيل مذكور في الأبواب المختلفة.

                       

و الاستدلال علی ثبوت الحقّ و الوظيفة له و عليه من طريقين: فتارة يستدلّ عليه بما أنّه مقتضی الولاية، و اخری لقيام أدلّة خاصّة.

أمّا الطريق الأوّل فبيانه بأحد وجهين:

أحدهما: أنّ هذه الامور لمّا كانت امورا عامّة للمجتمع الإسلامي أراد اللّه تبارك و تعالی مشي المجتمع عليها بأن يؤدّب المتخلّف حدّا أو تعزيرا أو قصاصا و يؤخذ عنه بدل جرمه و جنايته دية خاصّة، فحيث إنّ هذا التأديب و أداء و أخذ الدية أمر مطلوب للشارع الأقدس و يجري لا محالة في كلّ المجتمع عند تحقّق موضوعها فولاية الأمر و القيمية و الرعي لهم تقتضي أن تكون هذه الامور تحت إشراف وليّ الأمر و بيده، و سلب هذا الإشراف عنه مناف عند العقلاء لمعنی الولاية، فكما أنّه إذا كان أحد كالأب مثلا وليّا علی شخص خاصّ كان لازم ولايته أن يكون بيده و بإشرافه و اختياره كلّ ما يتوقّع و ينتظر للصبي في مجال تكامله الدنيوي أو المعنوي فإليه تأديبه و تعليمه المعلومات اللازمة بل ليس له القصور في أدائه فهكذا إذا كان المولّی عليه مجتمعا و ينتظر لهم أن يسيروا مسيرا خاصّا عند وقوع تخلّف و عصيان أو جناية علی بعض آخر فلا محالة يكون أداؤه و الإشراف علی أن يقعوا في هذا المسير بعهدة وليّ أمرهم و ليس له القصور عن أدائها.

و قد يتوهّم أنّ إطلاق أو ظهور أدلّة إيجاب الحدود مثل قوله تعالی: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ و قوله تعالی: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أو دليل القصاص مثل قوله تعالی: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ و قوله تعالی: فَمَنِ اعْتَدی‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدی‏ عَلَيْكُمْ فظهور هذه الأدلّة- حيث إنّها خطاب إلی الامّة المسلمة- أنّ المأمور به و الحقّ المجعول فيها إنّما هو للمخاطبين، فجعل أعمالها حقّا للوالي- و لو كان واجب الأداء- خلاف ظاهر هذه الأدلّة. و يجري نظير هذا البيان في أدلّة التعزيرات و الديات.

                       

لكنّه مندفع (أوّلا) بإنكار انعقاد هذا الظهور لمثل هذه الأدلّة، و ذلك أنّ الإشراف و النظارة علی هذه الامور يكون في جميع أقطار الأرض- إذا كان فيها تأسيس نظام دولي- إلی أولياء امور الناس، و إلّا يقع في الأرض هرج و مرج و وقع بين الناجون دائما منازعة و قتال و سلبت عنهم الأمنية اللازمة، فبعد بناء الناس أنفسهم علی ذلك و فرض أنّ للإسلام أيضا ولاية واسعة الاختيار جعلها اللّه تعالی لأشخاص صالحين كمال الصلوح، فلا يفهم من هذه الأدلّة أيضا إطلاق أو ظهور في أن يكون إجراء هذه الامور بيد المخاطبين أنفسهم، بل مقتضی الولاية أن يكون إجراؤها في الإسلام أيضا بيد وليّ أمرهم.

و (ثانيا) بأنّه لو سلّم الظهور المزبور فهو ظهور بدوي يكون ظهور اقتضاء الولاية لأنّ إجراءها بيد وليّ الأمر قرينة علی رفع اليد عن هذا الظهور و حمله علی أنّ هذه الحدود و التأديبات متعلّقة بهم، و قد يكون في بعضها حقّ لبعض أشخاصهم و إلّا فأمر إجرائها موكول إلی وليّ أمرهم و هو حقّه في عين أنّه يجب عليه أن يراقب تحقّقها بالشرائط المذكورة في محلّها.

الوجه الثاني: أنّ في إجراء كلّ من هذه الامور منفعة منظورة للمجتمع الإسلامي و لأفراده، فهذه المنفعة تكون من الحقوق الّتي فرضها اللّه تعالی لهم، و من الواضح أنّ من لوازم ولاية الأمر عند العقلاء أن يقوم الوليّ بإحياء حقوق المولّی عليه و إيصالها إليه.

و الدليل علی اشتمال هذه الامور علی منافع أصيلة للأمّة عديدة نذكر بإذن اللّه تعالی بعضا منها، فنقول:

أمّا في الحدود: ففي معتبر حنّان بن سدير قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: حدّ يقام في الأرض أزكی فيها من مطر أربعين ليلة و أيّامها «1».

و في موثّق السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: إقامة

                       

حدّ خير من مطر أربعين صباحا «1».

و في خبر عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي إبراهيم عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها* قال عليه السّلام: ليس يحييها بالقطر، و لكن يبعث اللّه رجالا فيحيون العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل، و لإقامة الحدّ فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا 2.

و في مرفوعة حفص بن عون قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، و حدّ يقام للّه في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحا «3».

فهذه الأخبار الّتي منها معتبران قد دلّت علی أنّ إقامة حدّ واحد في الأرض أزكی و خير من مطر أربعين يوما و ليلة أو من مطر أربعين صباحا، و من الواضح أنّ في أمطار أربعين يوما خيرا كثيرا واضحا للناس فدلّت علی أنّ إقامة حدّ واحد فيها أنفع منها لهم.

و الحدّ و إن اصطلح عليه في الفقه أنّه التعذيب المضبوط المقدار إلّا أنّه لو اريد منه مطلق التعذيب لتمّ الأمر في التعزير أيضا.

و في ما كتب الرضا عليه السّلام من العلل لمحمّد بن سنان و علّة قطع اليمين من السارق لأنّه يباشر الأشياء (غالبا) بيمينه، و هي أفضل أعضائه و أنفعها له، فجعل قطعها نكالا و عبرة للخلق لئلّا يبتغوا أخذ الأموال من غير حلّها و لأنّه أكثر ما يباشر السرقة بيمينه ... و حرّم السرقة لما فيها من فساد الأموال و قتل الأنفس لو كانت مباحة «4».

فقد جعل سرّ حدّ السرقة أن يكون باعثا لأن لا يبتغي الناس أخذ الأموال من غير حلّها، و هذا نفع عامّ للمجتمع الإسلامي به تحصل الأمنية لأموالهم و رأس مال تجاراتهم.

                       

و في صحيح ابن مسلم المضمر قال: سألته عن الشارب فقال: أمّا رجل كانت منه زلّة فإنّي معزّره، و أمّا آخر يد من فإنّي كنت مهلكه عقوبة، لأنّه يستحلّ المحرّمات كلّها، و لو ترك الناس و ذلك لفسدوا «1».

فقد صرّح بأنّ الناس لو ترك تعزيرهم و حدّهم لفسدوا ففي إجرائهما حياة معنوية حقيقية للناس، و هي المنفعة الحقيقية.

و لا يبعد أن يكون الإضمار من مثل ابن مسلم الّذي لا يعتني بقول غير المعصوم عليه السّلام غير مضرّ. لكنّه لم يعمل به في مورده فإنّ مجرّد إدمان الخمر بلا إجراء ثلاث أو أربع مرّات حدّ الشرب عليه لا يوجب قتلا، اللّهم إلّا أن يكون الإدمان دليلا علی استحلال الخمر الّتي حرمتها من بديهيات الإسلام، و كيف كان ففي سائر الروايات غنی و كفاية.

و أمّا في خصوص التعزير: فلم نقف علی دليل مطلق إلّا أن يدّعی شمول الحدّ المذكور في الأخبار له أصلا. و كيف كان فقد ورد في صحيح عبّاد بن صهيب قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن نصراني قذف مسلما فقال له: يا زان، فقال: يجلد ثمانين جلدة لحقّ المسلم و ثمانين سوطا إلّا سوطا لحرمة الإسلام و يحلق رأسه و يطاف به في أهل دينه لكي ينكل غيره «2».

دلّ علی وجوب تعزير ذاك النصراني بما ذكر لكي ينكل غيره و ليصلح المجتمع الّذي تحت لواء الإسلام العزيز.

و في معتبر الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ رجلا لقي رجلا علی عهد أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: إنّ هذا افتری عليّ، قال: و ما قال لك؟ قال: إنّه احتلم بامّ الآخر، قال عليه السّلام: إنّ في العدل إن شئت جلدت ظلّه؛ فإنّ الحلم إنّما هو مثل الظلّ، و لكنّا سنوجعه ضربا وجيعا حتّی لا يؤذي المسلمين، فضربه ضربا وجيعا.

                       

و عن الكليني روايته عن سماعة مضمرا. و مثله الصدوق في العلل، و عن المفيد نقله مرسلا «1».

و فيما نقله الصدوق بسنده المعتبر إلی قضايا أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رجلا قال له: إنّ هذا زعم أنّه احتلم بامّي، فقال: إنّ الحلم بمنزلة الظلّ، فإن شئت جلدت لك ظلّه، ثمّ قال: لكنّي اؤدّبه [اوجعه- خ ل‏] لئلّا يعود يؤذي المسلمين 2.

فهذان الخبران يدلّان علی أنّ سرّ تعزيره لضرب وجيع هو أن لا يؤذي المسلمين و لا يعود إليه، فحديث عدم إيذاء المسلمين سرّ لهذا التعزير و هو مصلحة عائدة إلی المؤذی و غيره.

فهذه الأخبار الثلاثة مضافة إلی ما مرّ من الصحيح المضمر لمحمّد بن مسلم تدلّ علی أنّ سرّ هذه التعزيرات هي مصلحة تعود إلی جميع المسلمين، بل يستفاد من خبري الاحتلام بامّ الرجل أنّ الأمر كذلك في كلّ تعزير يجري لئلّا يؤذي المسلمين كما يستفاد من مضمر ابن مسلم أنّ سرّ أمثال هذه التعزيرات أن لا يفسد الناس، و لا يبعد دعوی جريان هذا السرّ في جميع التعزيرات الّتي هي كالحدود تأديب للناس حتّی لا يقعوا في الفساد. و بالجملة: فاستفادة عموم المطلب لكلّ التعزيرات غير بعيدة.

و أمّا في القصاص: فقد قال اللّه تعالی: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «3» فصرّح بأنّ في القصاص حياة للناس اولي الألباب، و من المعلوم أنّ القصاص الّذي هو قتل القاتل ليس فيه إحياء له بل هو إعدام له فلا محالة لا يراد به هذا المعنی، بل الظاهر أنّ المراد به أنّ قتل الغير إذا كان في الشرع الإلهي موجبا لقصاص القاتل فلا محالة خوفا عن الابتلاء به يكفّ الأشرار أنفسهم عن قتل غيرهم فيسلم غيرهم و أنفسهم فبذلك يكون في القصاص حياة

                       

لاولي الألباب و لا بعد في الغاء الخصوصية عن قصاص النفس إلی قصاص الأطراف أيضا فإنّه كذلك يوجب صيرورة المعيشة حياة مباركة طيّبة.

و عن الطبرسي في الاحتجاج عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام في قوله تعالی:

وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ: و لكم يا أمّة محمّد صلّی اللّه عليه و آله في القصاص حياة: لأنّ من همّ بالقتل فعرف أنّه يقتصّ منه فكفّ لذلك عن القتل كان ذلك حياة للّذي همّ بقتله و حياة لهذا الجاني الّذي أراد أن يقتل و حياة لغيرهما من الناس إذا علموا أنّ القصاص واجب لا يجرءون علی القتل مخافة القصاص «1». و مثله المروي عن التفسير المنسوب إلی العسكري عليه السّلام 2.

فدلّ الخبر بالوضوح علی أنّه اريد من الآية المباركة نفس المعنی الّذي استظهرناه، و هذه المصلحة فائدة عامّة راجعة إلی الناس كلّهم، و قد مرّ عدم استبعاد إلغاء الخصوصية عن قصاص النفس إلی قصاص الأطراف أيضا، ففي القصاص مطلقا فائدة عامّة للمجتمع.

و أمّا الديات: فكون المصلحة في تشريعها راجعة إلی الناس واضحة، إمّا إلی أولياء الدم في قتل الخطأ و شبه العمد و إمّا إلی نفس المجنيّ عليه في ديات الأطراف و بعض المنافع المجعول فيه الدية.

فتحصّل: أنّ السرّ الأصيل في الحدود و التعزيرات و القصاص و الديات هو حصول نفع مادّيّ أو غير مادّيّ إلی أفراد المجتمع، فأفراده الّذين يعيشون تحت لواء الإسلام قد شرع اللّه لهم هذه المنافع، فإذا جعل عليهم وليّ أمر و قيّما فلا محالة يكون من لوازم ولايته و كونه قيّما عليهم أن يوصلهم إلی هذا الحقّ الّذي جعله اللّه تعالی لهم كما في جميع موارد الولاية.

هذا كلّه في الاستدلال لثبوت هذا الحقّ لوليّ الأمر بمقتضی القواعد.

                       

و أمّا من حيث الأدلّة الخاصّة فنقول:

و أمّا في الحدود: فعمدة الأخبار واردة علی عنوان الإمام و مع ذلك فبعضها ورد في مطلق الحدود و بعضها في حدود خاصّة:

أمّا ما ورد في مطلق الحدود:

1- فمنها قول أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام علی ما في صحيحة إسحاق بن غالب:

رضي اللّه به إماما لهم؛ استودعه سرّه، و استحفظه علمه، و استخبأه حكمته، و استرعاه لدينه، و انتدبه لعظيم أمره، و أحيا به مناهج سبيله و فرائضه و حدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل و تحيير أهل الجدل بالنور الساطع و الشفاء النافع ... «1».

فقد عدّ عليه السّلام من مناصب الإمام أنّ اللّه تعالی يحيي به فرائضه و حدوده، و إحياء الحدود عبارة اخری عن إقامتها، فلا محالة هي من وظائف الإمام و مقتضی إمامته.

2- و منها قول الرضا عليه السّلام في رواية عبد العزيز بن مسلم الواردة في أوصاف الإمام و مقاماته: إنّ الإمامة اسّ الإسلام النامي و فرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة و الزكاة و الصيام و الحجّ و الجهاد، و توفير الفي‏ء و الصدقات و إمضاء الحدود و الأحكام، و منع الثغور و الأطراف؛ الإمام يحلّ حلال اللّه و يحرّم حرام اللّه و يقيم حدود اللّه و يذبّ عن دين اللّه ... «2».

فقد عدّ عليه السّلام من مناصب الإمام أنّ به إمضاء الحدود و الأحكام و أنّه عليه السّلام يقيم حدود اللّه، فلا محالة إقامة الحدود و إمضائها من مناصبه و وظائفه.

3- و منها موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من أخذ سارقا فعفا عنه فذلك له، فإذا رفع إلی الإمام قطعه، فإن قال الّذي سرق له: أنا أهبه له لم يدعه إلی الإمام حتّی يقطعه إذا رفعه إليه، و إنّما الهبة قبل أن يرفع إلی الإمام و ذلك قول اللّه عزّ

                       

و جلّ: وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ فإذا انتهی الحدّ إلی الإمام فليس لأحد أن يتركه «1».

فالموثّقة و إن ورد صدرها في حدّ السرقة إلّا أنّ ذكره عليه السّلام في الذيل لقوله تعالی: وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ و تطبيقه علی الإمام و استفادته منه أنّ علی الإمام إجراء الحدّ يعلم منه أنّ الأئمّة عليهم السّلام هم المراد من الحافظين لحدود اللّه و أنّ من وظائفهم حفظ حدوده و هو المطلوب.

4- و منها ما رواه الصدوق بسنده المعتبر إلی قضايا أمير المؤمنين عليه السّلام من أنّه جاء رجل إلی أمير المؤمنين عليه السّلام فأقرّ بالسرقة فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: أ تقرأ شيئا من كتاب اللّه عزّ و جلّ؟ قال: نعم سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، فقال الأشعث: أ تعطّل حدّا من حدود اللّه تعالی؟ فقال: و ما يدريك ما هذا؟! إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، و إذا أقرّ الرجل علی نفسه فذاك إلی الإمام إن شاء عفا و إن شاء قطع «2».

و رواه في الوسائل بسند فيه إرسال عن الشيخ أيضا «3».

فالحديث و إن ورد صدره في السرقة إلّا أنّ في قوله عليه السّلام جوابا عن شبهة الأشعث إطلاقا لكلّ حدّ بل و للتعزير أيضا و يدلّ علی أنّ أمره إلی الإمام بالتفصيل المزبور، اللّهمّ إلّا أن يستظهر اختصاصه بالسرقة بقرينة قوله عليه السّلام في الذيل: «و إن شاء قطع» إذ يعلم منه أنّ مصبّ الكلام هو حدّ السرقة.

5- و منها ما عن تحف العقول مرسلا عن أبي الحسن الثالث عليه السّلام في حديث قال: و أمّا الرجل الّذي اعترف باللواط فإنّه لم يقم عليه البيّنة، و إنّما تطوّع بالإقرار من نفسه، و إذا كان للإمام الّذي من اللّه أن يعاقب عن اللّه كان له أن يمنّ عن اللّه، أما سمعت قول اللّه: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ 4.

                       

و هذا المرسل أيضا و إن كان موضوعه حدّ اللواط إلّا أنّ تعبيره عليه السّلام في مقام بيان الحكم: «و إذا كان للإمام ... إلی آخره» يدلّ علی أنّ ملاكه إنّما هو كونه عقابا من اللّه فيعمّ كلّ عقاب عنه تعالی و لو كان تعزيرا، و تعليقه الخيار فيه علی الإمام و أنّ له العفو كما له العقاب عن اللّه فيه دلالة واضحة علی أنّ إجراء كلّ عقاب جعله اللّه تعالی فهو إلی الإمام و هو المطلوب.

6- و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رجل أقرّ علی نفسه بحدّ ثمّ جحد بعد، فقال: إذا أقرّ علی نفسه عند الإمام أنّه سرق ثمّ جحد قطعت يده و إن رغم أنفه، و إن أقرّ علی نفسه أنّه شرب خمرا أو بفرية فاجلدوه ثمانين جلدة. قلت: فإن أقرّ علی نفسه بحدّ يجب فيه الرجم أكنت راجمه؟ فقال: لا، و لكن كنت ضاربه الحدّ «1».

و الاستدلال بها بلحاظ أنّ مورد الكلام هو رجل أقرّ علی نفسه بحدّ ثمّ جحد فقيّد عليه السّلام بأن يكون إقراره عند الإمام، ففيه دلالة علی أنّ الإقرار المعتبر في الحدّ هو ما كان عند الإمام و هو عبارة اخری عن أنّ أمر إجراء الحدّ بيد الإمام.

7- و منها رواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: من ضربناه حدّا من حدود اللّه فمات فلا دية له علينا، و من ضربناه حدّا من حدود الناس فمات فإنّ ديته علينا «2».

و تقريب الاستدلال به أنّه عليه السّلام نسب ضرب الحدود سواء كانت للّه أو للناس إلی أنفسهم، ففيه دلالة علی أنّهم عليهم السّلام هم المتصدّون لإجراء الحدود، و هو عبارة اخری عن أنّ أمر إجرائها إليهم، إلّا أنّ لقائل أن يمنع الدلالة عليه بل نهاية الأمر أن تدلّ علی أنّ لهم أن يجروا الحدود لا أنّ أمر إجرائها موكول إليهم. علی أنّ السند ضعيف بالثوري.

8- و منها ما رواه الكليني عن عليّ بن محمّد عن محمّد بن أحمد المحمودي‏

                       

عن أبيه عن يونس عن الحسين بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: الواجب علی الإمام إذا نظر إلی رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ و لا يحتاج إلی بيّنة مع نظره لأنّه أمين اللّه في خلقه، و إذا نظر إلی رجل يسرق أن يزبره و ينهاه و يمضي و يدعه. قلت: و كيف ذلك؟ قال: لأنّ الحقّ إذا كان للّه فالواجب علی الإمام إقامته، و إذا كان للناس فهو للناس «1».

و الظاهر أنّ سند الحديث معتبر فإنّ عليّ بن محمّد شيخ الكليني سواء كان الرازي المعروف بعلّان أو البرقي ابن بنت أحمد بن محمّد بن خالد البرقي فهو ثقة، و عليّ بن محمّد بن أبي القاسم بندار أيضا لعلّه الأوّل، و علی أيّ فهو أيضا ثقة. كما أنّ محمّد بن أحمد المحمودي هو أبو عليّ ابن أحمد بن حمّاد المروزي و هما أيضا من الثقات الأجلّاء علی الظاهر. و يونس هو ابن عبد الرحمن الثقة. و الحسين بن خالد الّذي يروي عن الصادق عليه السّلام هو الحسين بن خالد بن طهمان المكنّی بأبي العلاء المعرّي و هو أيضا ثقة.

فالحديث معتبر السند بنقل الكافي، و الشيخ الطوسي أيضا قد نقله عن الكليني بنفس هذا السند، فالحديث معتبر.

و أمّا دلالته فلا ريب في دلالته علی وجوب إقامة حدود اللّه المحضة علی الإمام بلا انتظار شي‏ء آخر بعد ثبوت موضوعه، و أمّا إذا كان فيها حقّ الناس فحكم بأنّه للناس، و قبل مطالبتهم ليس علی الإمام إلّا نهي مرتكب هذا الحرام لكنّه لا دلالة فيه علی عدم وجوب إقامة حدّ الناس عليه إذا طالبوه منه بل إنّ مقتضی هذا الحديث و سائر الأدلّة أنّه إذا رفع أمر الحدّ الّذي من حقوق الناس إلی الإمام فقد حصل شرط مطالبتهم و كان مقتضی أنّ الأئمّة هم الحافظون لحدود اللّه أن يقيموه كما مرّ في موثّقة سماعة بن مهران الماضية تحت الرقم 3.

                       

و مثل معتبر الحسين بن خالد في قسم حدود تكون من حقوق الناس صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من أقرّ علی نفسه عند الإمام بحقّ أحد من حقوق المسلمين فليس علی الإمام أن يقيم عليه الحدّ الّذي أقرّ به عنده حتّی يحضر صاحبه حقّ الحدّ أو وليّه يطلبه بحقّه «1». و الكلام فيها هو عين ما مرّ في ذيل المعتبر المذكور.

و مثل المعتبر المذكور في كلا الشقّين صحيحة اخری طويلة عن الفضيل قال:

سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من أقرّ علی نفسه عند الإمام بحقّ من حدود اللّه مرّة واحدة حرّا كان أو عبدا أو حرّة كانت أو أمة فعلی الإمام أن يقيم الحدّ عليه للّذي أقرّ به علی نفسه ... قال: و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: و من أقرّ علی نفسه عند الإمام بحقّ حدّ من حدود اللّه في حقوق المسلمين فليس علی الإمام أن يقيم عليه الحدّ الّذي أقرّ به عنده حتّی يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطالبه بحقّه. قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد اللّه عليه السّلام فما هذه الحدود الّتي إذا أقرّ بها عند الإمام مرّة واحدة علی نفسه اقيم عليه الحدّ فيها؟ فقال: إذا أقرّ علی نفسه عند الإمام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق اللّه، و إذا أقرّ علی نفسه أنّه شرب خمرا حدّه، فهذا من حقوق اللّه، و إذا أقرّ علی نفسه بالزنا و هو غير محصن فهذا من حقوق اللّه، قال: و أمّا حقوق المسلمين فإذا أقرّ علی نفسه عند الإمام بفرية لم يحدّه حتّی يحضر صاحب الفرية أو وليّه، و إذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله حتّی يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم 2.

فالصحيحة كما تری قد تعرّضت لكلا الشقّين و اشترط في وجوب إجراء حدّ يكون من حقوق المسلمين حضور صاحبه و مطالبته، و الكلام فيها عين ما مرّ في ذاك المعتبر. و مخالفتها في عدّ حدّ السرقة و زنا المحصن من حدود فيها حقوق‏

                       

المسلمين لسائر الأدلّة كما مرّ في حدّ السرقة و عدم العمل بها من هذه الجهة لا ينافي اعتبارها في بيان الضابطة الكلّية.

فتحصّل تمامية دلالة الأخبار المتعدّدة المعتبرة علی إجراء الحدود كلّها من مناصب الإمام و وظائفه و إن كان إجراؤها فيما كان من حقوق المسلمين مشروطا بحضورهم و مطالبتهم، هذا كلّه في الأخبار الواردة علی مطلق الحدود.

و قد وردت أخبار متعدّدة في أنّ إلی الإمام إجراء بعض الحدود خاصّة من غير مفهوم مخالف فهي مؤكّدة لهذه الإطلاقات.

1- فمنها أخبار متعدّدة وردت في حدّ المحارب، ففي صحيح جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ ...

إلی آخر الآية أيّ شي‏ء عليه من هذه الحدود الّتي سمّی اللّه عزّ و جلّ؟ قال: ذلك إلی الإمام إن شاء قطع و إن شاء نفی و إن شاء صلب و إن شاء قتل، قلت: النفي إلی أين؟

قال: من مصر إلی مصر آخر، و قال: إنّ عليّا عليه السّلام نفی رجلين من الكوفة إلی البصرة «1».

و في صحيح بريد بن معاوية قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ قال: ذلك إلی الإمام يفعل ما شاء، قلت: فمفوّض ذلك إليه؟ قال: لا، و لكن نحو الجناية 2.

و في الباب روايات متعدّدة اخر بهذا المضمون و دلالة جميعها علی أنّ حدّ المحارب موكول الی الإمام لا ريب فيها.

2- و منها صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سئل عمّن شتم رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، فقال عليه السّلام: يقتله الأدنی فالادنی قبل أن يرفع إلی الإمام «3».

فهو يدلّ علی أنّ من يتصوّر رفع أمر السابّ إليه لإجراء الحدّ هو الإمام عليه السّلام‏

                       

لكنّه غير لازم في شاتم النبيّ صلّی اللّه عليه و آله بل يقتله الأدنی فالأدنی من الناس.

3- و منها خبر عمّار السجستاني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ عبد اللّه بن النجاشي قال له و عمّار حاضر: إنّي قتلت ثلاثة عشر رجلا من الخوارج كلّهم سمعته يبرأ من عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فسألت عبد اللّه بن الحسن فلم يكن عنده جواب و عظم عليه و قال: أنت مأخوذ في الدنيا و الآخرة، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: و كيف قتلهم يا أبا بحير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلّم حتّی أقتله، و منهم من دعوته بالليل علی بابه فإذا خرج قتلته، [و] منهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته، و قد استترّ ذلك عليّ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك شي‏ء في قتلهم و لكنّك سبقت الإمام فعليك ثلاثة عشر شاة تذبحها بمنی و تتصدّق بلحمها لسبقك الإمام، و ليس عليك غير ذلك «1». و قد رواه الكليني مرفوعا 2.

و الرواية و إن كانت غير معتبرة السند إلّا أنّها واضحة الدلالة علی أنّ أمر إجراء حدّ الناصب موكول إلی الإمام و أمره.

4- و منها أخبار متعدّدة وردت في حدّ السرقة: ففي معتبر ضريس عن أبي جعفر عليه السّلام قال: العبد إذا أقرّ علی نفسه عند الإمام مرّة أنّه قد سرق قطعه و الأمة إذا أقرّت بالسرقة قطعها «3». و مثله صحيح الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إن أقرّ الرجل الحرّ علی نفسه مرّة واحدة عند الإمام قطع 4. فإنّ في تقييد الإقرار بأن يكون عند الإمام دلالة واضحة علی أنّ إجراء حدّ السرقة موكول إليه.

و في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يأخذ اللصّ يرفعه أو يتركه؟ فقال: إنّ صفوان بن اميّة كان مضطجعا في المسجد الحرام، فوضع رداءه و خرج يهريق الماء، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب‏

                       

بردائي؟ فذهب يطلبه، فأخذ صاحبه فرفعه إلی النبيّ صلّی اللّه عليه و آله، فقال النبيّ صلّی اللّه عليه و آله:

اقطعوا يده، فقال الرجل: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله؟ قال: نعم، قال: فأنا أهبه له، فقال رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: فهلّا كان هذا قبل أن ترفعه إليّ؟ قلت:

فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه؟ نعم. قال: و سألته عن العفو قبل أن ينتهی إلی الإمام؟ فقال: حسن «1».

ففيه دلالة علی أنّ وليّ الأمر النبيّ أو الإمام صلوات اللّه عليهما مفوّض إليه أمر القطع بل عليه أن يقطع يد السارق إذا رفعت السرقة إليه، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ غاية مدلوله وجوب إجراء حدّ القطع عليه بعد الرفع إليه، و أمّا لو لم يرفع إليه فهل ليس لأحد غيره إجراؤه؟ فلا تعرّض له به، نعم إنّ الحكم يستفاد من الأدلّة الاخر كما عرفت.

5- و منها مضمر سماعة المعتبر سندا قال: سألته عن شهود زور، فقال:

يجلدون حدّا ليس له وقت فذلك إلی الإمام و يطاف بهم حتّی يعرفهم الناس ... الحديث «2».

فقد جعل إجراء حدّ شاهد الزور إلی الإمام و هو المطلوب، اللّهمّ إلّا أن يراد من الحدّ فيه التعزير إذ ليس علی شاهد الزور حدّ مضبوط، فيراد من الحدّ هنا التعزير، و أنّ مقداره بل و نوعه إلی الإمام، فالمضمر ينبغي أن يعدّ من الأدلّة الواردة في التعزير، و ستأتي إن شاء اللّه.

هذا كلّه في الأخبار الواردة في أمر الحدّ ممّا كان موضوعها الإمام. و قد عرفت تمامية دلالتها.

و أمّا ما يدلّ علی أنّ أمر إجراء الحدود موكول إلی السلطان الّذي هو لا محالة

                       

وليّ أمر المسلمين فقد عثرنا علی خبرين:

أحدهما: عن الصدوق في الفقيه بإسناده عن سليمان بن داود المنقريّ عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام من يقيم الحدود السلطان أو القاضي؟

فقال: إقامة الحدود إلی من إليه الحكم «1».

و بما أنّه سيأتي إن شاء اللّه تعالی أنّ الحكم و القضاء من وظائف وليّ الأمر و هو ينصب القضاء و قد يفوّض أمر إجراء الحدّ إليهم فلا محالة إجراء الحدّ و إقامته مفوّض إلی السلطان. هذا، إلّا أنّ إسناد الصدوق إلی المنقري ضعيف.

و ثانيهما: معتبرة عليّ بن جعفر قال: أخبرني أخي موسی عليه السّلام قال: كنت واقفا علی رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد اللّه الحارثي عامل المدينة، فقال:

يقول لك الأمير: انهض إليّ، فاعتلّ بعلّة، فعاد إليه الرسول فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي و اعتمد عليّ و دخل علی الوالي و قد جمع فقهاء أهل المدينة كلّهم و بين يديه كتاب فيه شهادة علی رجل من أهل وادي القری قد ذكر النبيّ صلّی اللّه عليه و آله فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد اللّه انظر في الكتاب، قال: حتّی أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا يؤدّب و يضرب و يعزّر [يعذّب‏] و يحبس، قال: فقال لهم: أ رأيتم لو ذكر رجلا من أصحاب النبيّ صلّی اللّه عليه و آله ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال: فليس بين النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و بين رجل من أصحابه فرق؟ فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد اللّه عليه السّلام لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني أبي أنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال: «الناس في اسوة سواء من سمع أحدا يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني و لا يرفع إلی السلطان، و الواجب علی السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال منّي». فقال زياد بن عبيد اللّه: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد اللّه عليه السّلام «2».

                       

فالحديث كما تری و إن صرّح بعدم اشتراط إجراء حدّ قتل الشاتم برفع الأمر إلی أحد إلّا أنّه لمكان ذكر السلطان عند بيان من يرفع الأمر إليه يعلم أنّ السلطان هو المرجع لإجراء مثل هذا الحدّ، و من المعلوم أنّ المقصود بالسلطان في كلامه صلّی اللّه عليه و آله هو سلطان الإسلام حقّا الّذي هو النبيّ و الأئمّة المعصومون صلوات اللّه عليهم.

ثمّ إنّ خبر حفص كان في مطلق الحدّ و معتبر عليّ بن جعفر في خصوص حدّ شاتم النبيّ صلّی اللّه عليه و آله.

و أمّا ما ورد علی عنوان الوالي فهو صحيح حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في أربعة شهدوا علی رجل محصن بالزنا، فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران، فقال:

إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا و اقيم الحدّ علی الّذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا و علموا، و علی الوالي أن يجيز شهادتهم إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق «1».

فهو كما تری قد أوجب علی الوالي إمضاء شهادتهم علی الزنا، فمنه يعلم أنّ الوالي هو المسؤول لإقامة الحدّ في زنا المحصن.

فتحصّل من هذه الأخبار الكثيرة الّتي جلّها القريب من الكلّ معتبرة السند: أنّ إقامة الحدود كلّها من وظائف وليّ أمر المسلمين، فإقامتها من اختياراته و وظائفه.

هذا في الحدود.

و أمّا التعزيرات: فتدلّ أيضا أخبار متعدّدة علی أنّ إجراءها من وظائف وليّ الأمر:

1- فقد مرّت معتبرة الحسين بن الخطّاب أبي العلاء علی أنّ الواجب علی الإمام إقامة حقّ اللّه تعالی و حقّه تعالی شامل للحدّ و التعزير كما لا يخفی. نعم لا تعمّ المعتبرة بإطلاقها للتعزيرات الّتي من حقوق الناس إلّا بعد مطالبتهم، فراجع‏

                       

متن الحديث الماضي ضمن الأخبار الواردة في أنّ إقامة مطلق الحدّ إلی الإمام تحت الرقم، و هكذا راجع صحيحي الفضيل المذكورين بعده.

2- و قد روي عن العلل بسند صحيح عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحدّ. قال: قلت: دون ثمانين؟

قال: لا، و لكن دون الأربعين فإنّها حدّ المملوك، قلت: و كم ذاك؟ قال: علی قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل و قوّة بدنه «1». و قد روي عن الكافي أيضا بسند آخر 2.

فموضوع السؤال و الجواب في الصحيح هو مطلق التعزير و قد سأل عن مقداره و قد أجاب عليه السّلام عنه بأنّه علی قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل و قوّة بدنه فقد عدّ الوالي هو المسؤول عن إجراء التعزير، و التعزير يشمل ما كان من حقوق الناس أيضا.

3- و عن الصدوق في الفقيه أنّه قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: لا يحلّ لوال يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلّا في حدّ، و أذن في أدب المملوك من ثلاثة إلی خمسة «3».

و الحديث مرسل إلّا أنّ إسناده الجزمي إلی النبيّ صلّی اللّه عليه و آله يقرّب الاعتماد عليه و كيف كان فإسناد عدم الحلية إلی الوالي فيه دلالة علی أنّه مسئول إجراء الحدّ و التعزير إلّا أن يقال إنّ غاية مدلوله أنّ إجراءهما يرجع فيه إليه لا أنّه المخصوص به.

4- و قد روی الفضيل بن يسار في الصحيح قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: عشرة قتلوا رجلا، قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعا و غرموا تسع ديات، و إن شاءوا تخيّروا رجلا فقتلوه و أدّی التسعة الباقون إلی أهل المقتول الأخير عشر الدية كلّ رجل منهم. قال: ثمّ الوالي بعد يلي أدبهم و حبسهم «4».

                       

فهذا الأدب و الحبس المذكوران أخيرا تعزير شرعي يجري علی الشركاء في القتل الّذين لم يقتصّ منهم، و قد جعل الإمام عليه السّلام إجراؤه وظيفة الوالي فهو بعض مصاديق التعزير أو كلّه إلی الوالي.

5- و قد روی الكليني مرسلا- في القاتل الّذي هرب و لم يقدر عليه و أدّی الدية من ماله أو أدّاها أقاربه- قال: و في رواية اخری: ثمّ للوالي بعد أدبه و حبسه «1».

و هذا الأدب و الحبس أيضا تعزير أوجب إجراؤه علی الوالي و هو مصداق من التعزيرات الشرعية.

فالمتحصّل من الأخبار الّتي بعضها معتبرة و عامّة أنّ إجراء التعزير أيضا من وظائف الإمام و الوالي الّذي يصير واليا بتولية وليّ الأمر، و قد عرفت أنّ صحيح حمّاد بن عثمان مطلق يشمل التعزيرات كلّها حتّی ما كان فيها حقّ الإنسان.

فإجراء التعزيرات أيضا من اختيارات وليّ الأمر و وظائفه.

و أمّا القصاص: فتوجد أخبار متعدّدة تدلّ علی أنّ أمر إجرائه بيد وليّ أمر المسلمين.

1- ففي رواية حفص بن غياث- الّتي في سندها القاسم بن محمّد الجوهري إلّا أنّها رواها عليّ بن إبراهيم و العيّاشي في تفسيريهما و الكليني في الكافي و الصدوق في الخصال و الشيخ في التهذيب- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سأل رجل أبي عليه السّلام عن حروب أمير المؤمنين عليه السّلام و كان السائل من محبّينا، فقال له أبو جعفر عليه السّلام: بعث اللّه محمّد صلّی اللّه عليه و آله بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة ...

و سيف منها مكفوف و سيف منها مغمود [مغموط- خ ل‏] سلّه إلی غيرنا و حكمه إلينا- فأوضح السيوف الأربعة الاولی إلی أن قال:- و أمّا السيف المغمود فالسيف الّذي يقوم [يقام- خ ل‏] به القصاص، قال اللّه عزّ و جلّ: النَّفْسَ‏

                       

بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ فسلّه إلی أولياء المقتول و حكمه إلينا «1».

فالحديث لا يبعد اعتبار سنده مع نقل هؤلاء الأعاظم من العلماء، و قد عدّ سيف القصاص من سيوف النبيّ صلّی اللّه عليه و آله إلّا أنّ سلّه و تشهيره بيد وليّ القصاص فهو يقاصّ الجاني بسلّه، إلّا أنّه مع ذلك فهذا السيف لا يخرج عن حدود اختيارات وليّ أمر الامّة بل إنّ حكمه إليهم، فلا محالة يعرض موارد إمكان سلّه إليه، فإذا أرادوا سلّه و حكموا به يسلّه أولياء المجنيّ عليه أو نفسه فيجري به القصاص، و كون حكم هذا السيف إليهم عبارة اخری عن أنّ مسألة القصاص تكون تحت نظرهم و إجراؤه باختيارهم و من وظائفهم و هو المطلوب.

ثمّ إنّه عليه السّلام و إن ذكر في ذيل الكلام قوله: «فسلّه إلی أولياء المقتول» المقتضي لاختصاصه بقصاص النفس إلّا أنّ توضيح هذا السيف أوّلا بذكر قوله تعالی: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الصريح في قصاص النفس و الأطراف شاهد علی أن ذكر قصاص النفس من باب المثال، و إلّا فالحكم يعمّ قصاص النفس و الأطراف.

2- و يمكن الاستدلال بما مرّ من أنّ إجراء الحدود مطلقا من اختيارات وليّ الأمر و وظائفه فإنّ الحدود شاملة للحدود الّتي من حدود المسلمين و لمثل القصاص كما مرّ التصريح به في ذيل صحيحة الفضيل الماضية بقوله عليه السّلام في مقام ضرب المثل لهذه الحدود: «و إذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله- يعني الإمام- حتّی يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم» «2» فإنّه صريح في أنّ قصاص النفس من أمثلة الحدود الّتي من حقوق الناس، فلا محالة تعمّه أدلّة أنّ بيد وليّ‏

                       

الأمر إجراء الحدود. نعم شمولها لقصاص الأطراف مشكل.

3- و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قلت له: رجل جنی إليّ أعفو عنه أو أرفعه إلی السلطان؟ قال: هو حقّك إن عفوت عنه فحسن، و إن رفعته إلی الإمام فإنّما طلبت حقّك، و كيف لك بالإمام «1».

و مورد السؤال شامل لجميع الجنايات الّتي لا يموت بها المجنيّ عليه و توجب له حقّا سواء كان حقّ القصاص أو الدية بل أو الأرش و الحكومة فهو شامل لقصاص الأطراف و لديات الأعضاء و المنافع و أرشها و قد سأل عن أنّه يعفو الجاني أم يرفعه إلی السلطان فكان في ارتكاز مثل محمّد بن مسلم أنّ عدل العفو هو الرفع إلی السلطان. و قد قرّر الإمام عليه السّلام ارتكازه هذا مع تبديل لفظ السلطان بالإمام الأظهر في إرادة الإمام العدل الحقّ منه و يدلّ علی أنّ عدل العفو هو رفع الأمر إلی إمام العدل فكان هو المرجع لأمثال ذلك و يكون بيده إجراء قصاص الأطراف و أخذ دياتها.

و هذه الصحيحة لا تشمل قصاص النفس، اللّهمّ إلّا بالأولوية القطعية أو إلغاء الخصوصية.

4- و في خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل و لا جراحة «2».

فتقييد القصاص فيه بأن يكون بأمر الإمام ربما كان قرينة علی أنّه المرجع الصالح لمثله، و الخبر بقرينة ذيله يشمل قصاص النفس و الأطراف.

ثمّ إنّه قد وردت روايات متعدّدة تدلّ علی تسلّم أنّ أمر تبيّن الحكم و بيانه‏

                       

في قصاص النفس بيد الإمام و ربما ذكر فيها الوالي أو السلطان إلّا أنّه لا لفظ عامّ و لا مطلق فيه.

1- ففي صحيحة بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن مؤمن قتل رجلا ناصبا معروفا بالنصب علی دينه غضبا للّه تعالی يقتل به؟ فقال: أمّا هؤلاء فيقتلونه، و لو رفع إلی إمام عادل ظاهر لم يقتله، قلت: فيبطل دمه؟ قال: لا، و لكن إن كان له ورثة فعلی الإمام أن يعطيهم الدية من بيت المال لأنّ قاتله إنّما قتله غضبا للّه عزّ و جلّ و للإمام و لدين المسلمين «1».

فموضع الاستشهاد صدر الصحيحة حيث عدّ قبال هؤلاء الفسقة الطواغيت الإمام العادل، فيستظهر منه أنّ المرجع الصالح لمثل تبيّن أمر قتل هذا القاتل هو الإمام العادل، و إذا لم يكن للمورد خصوصية كان حكم كلّ قتل يتوهّم أو يسلّم فيه القصاص هكذا.

2- و في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول في رجل أراد امرأة علی نفسها حراما فرمته بحجر فأصابت منه مقتلا، قال: ليس عليها شي‏ء فيما بينها و بين اللّه عزّ و جلّ، و إن قدّمت إلی إمام عادل أهدر دمه «2».

و بيان الاستدلال به مثل ما مرّ في الصحيحة السابقة.

3- و في رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن عليه السّلام في أربعة شهدوا علی رجل أنّه زنی فرجم، ثمّ رجعوا و قالوا: قد وهمنا؛ يلزمون الدية، و إن قالوا:

إنّما تعمّدنا قتل أيّ الأربعة شاء وليّ المقتول و ردّ الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلی أولياء المقتول الثاني، و يجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانين جلدة، و إن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات علی أولياء الشهود الأربعة و يجلدون ثمانين كلّ واحد منهم، ثمّ يقتلهم الإمام ... الحديث «3».

                       

و الاستدلال به من حيث إنّه بعد أراد أولياء الدم قتل جميعهم فقد جعل قتلهم فعل الإمام و قال: «ثمّ يقتلهم الإمام» فيعلم منه أنّ المجري لحدّ القصاص أيضا هو الإمام والي امور المسلمين. هذا، لكن الرواية ضعيفة السند.

4- و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في عبد جرح رجلين؛ قال: هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته، قيل له: فإن جرح رجلا في أوّل النهار و جرح آخر في آخر النهار؟ قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل، قال:

فإن جنی بعد ذلك جناية فإنّ جنايته علی الأخير «1».

بيان الدلالة أنّ موضوع السؤال الثاني أن يجرح العبد علی رجلين جراحتين في زمنين المتعاقبين، و مع فرض أنّ جناية العبد تتعلّق برقبته حكم عليه السّلام بأنّه إن حكم الوالي بعد جنايته الاولی ثمّ جنی الثانية فجنايته الثانية علی العبد بما أنّه ملك لمولاه الثاني الّذي هو المجروح الأوّل فالاعتناء بحكم الوالي شاهد علی أنّ الوالي كان هو المرجع في إجراء حكم هذه الجنايات الّتي من قبيل قصاص الأطراف في العبيد، و فيه دلالة علی أنّ الوالي هو من له حقّ إجراء القصاص و هو المطلوب.

اللّهمّ إلّا أن يقال بكونها ناظرة إلی ما هو المتعارف في زمن اولئك الطواغيت و ليس فيه إمضاء له، لكنّه خلاف الظاهر جدّا.

5- و في موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل له مملوكان قتل أحدهما صاحبه أله أن يقيده به دون السلطان إن أحبّ ذلك؟ قال:

هو ماله يفعل به ما شاء، إن شاء قتل و إن شاء عفا «2».

فظاهرها أنّ ارتكاز السائل أنّ إجراء القصاص لا بدّ فيه من الرجوع إلی السلطان الّذي هو وليّ أمر الامّة، لكنّه سأل عن أنّ هذه اللابدّية جارية في مملوكي سيّد واحد إذا قتل أحدهما صاحبه؟ أم أنّه خارج عنها بل يجوز له إجراء

                       

القصاص علی عبده القاتل إن أحبّ ذلك؟ و الإمام عليه السّلام قرّره علی ارتكازه و إنّما اخرج السيّد لأنّ القاتل أيضا ماله يفعل به ما شاء.

فالمتحصّل من هذه الروايات المتكثرة أنّ إجراء القصاص في النفس أو الأطراف أيضا بيد وليّ الأمر و من وظائفه.

و أمّا الديات: فقد ورد فيها ما رواه الكليني بسند معتبر إلی أبي عمرو المتطبّب قال: عرضته (يعني كتاب الفرائض) علی أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: أفتی أمير المؤمنين عليه السّلام فكتب الناس فتياه و كتب به أمير المؤمنين عليه السّلام إلی امرائه و رءوس أجناده ... الحديث «1».

و قد رواه الصدوق في الفقيه في أوّل كتاب الديات بسند معتبر آخر عن ابن أبي عمير [ابن أبي عمر- خ ل‏] الطبيب قال: عرضت هذه الرواية علی أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال: نعم هي حقّ، و قد كان أمير المؤمنين عليه السّلام يأمر عمّاله بذلك «2».

و قد رواه الشيخ في التهذيب في باب ديات الشجاج و كسر العظام و ... بإسناد متعدّدة أكثرها معتبرة عن أبي عمرو المتطبّب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام بلا ذكر للجملة المذكورة، و روی في آخر الأسانيد فقال: «و روی عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضّال و محمّد بن عيسی عن يونس جميعا عن الرضا عليه السّلام قالا: عرضنا عليه الكتاب فقال: هو نعم حقّ، و قد كان أمير المؤمنين عليه السّلام يأمر عمّاله بذلك ... «3» ثمّ ذكر هو كالصدوق الحديث بطوله.

فهذه الجملة قد رواها المشايخ الثلاثة في اصولهم الثلاثة إلّا أنّ أبا عمرو المتطبّب أو ابن أبي عمير [عمر] الطبيب لم تعلم وثاقته فلا يصل نقل الكافي و الفقيه من هذه الجهة مرتبة الاعتبار، إلّا أنّ إسناد الشيخ إلی عليّ بن إبراهيم معتبر

                       

و رجال سنده المذكور ثقات، فقد وصلت الجملة المذكورة إلينا نقيّة السند.

و هي تدلّ بوضوح علی أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أفتی بمتن الحديث و كان يأمر عمّاله بذلك، و من أمر عمّاله عليه السّلام به يعلم أنّ مسألة إجراء الديات في الشجاج و جميع ما ذكر في الحديث بطوله كان موكولا إلی عمّال وليّ أمر الامّة، و هو دليل علی أنّ إجراءها كان من اختيارات وليّ الأمر فوّضه إلی عمّاله و هو المطلوب.

نعم دية قتل الإنسان لم تذكر في الحديث فإلحاقها بغيره يحتاج إلی إلغاء الخصوصية العرفية الّذي ليس ببعيد.

فقد تحصّل من جميع ذلك الّذي مرّ بطوله: أنّ مقتضی القواعد و الأدلّة العامّة و الخاصّة أنّ إجراء الحدود و التعزيرات و القصاص و الديات كلّها من اختيارات وليّ الأمر و وظائفه في الدولة الإسلامية، فإمّا أن يتصدّاه بنفسه و إمّا أن ينصب أفرادا صالحين لإجرائها، و الحمد للّه ربّ العالمين.

                       

الفصل الرابع في أنّ القضاء بيد وليّ الأمر

و لا بأس قبل إقامة الدليل عليه بمراجعة نبذ من أقوال الفقهاء الكرام:

1- قال شيخ الطائفة في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من كتاب الجهاد من النهاية: و أمّا الحكم بين الناس و القضاء بين المختلفين فلا يجوز أيضا إلّا لمن أذن له سلطان الحقّ في ذلك، و قد فوّضوا ذلك إلی فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكّنون فيه من تولّيه بنفوسهم «1».

و العبارة كما تری قد خصّت القضاء بالأئمّة المعصومين بحيث لا يجوز تولّيه حتّی للفقهاء من شيعتهم إلّا في حال لم يتمكّنوا أنفسهم من تولّيه، و معلوم أنّها غير زمن ثبوت ولايتهم خارجا.

2- و قال قدّس سرّه في كتاب الباغي من الخلاف: مسألة 10: إذا نصّب أهل البغي قاضيا يقضي بينهم أو بين غيرهم لم ينفذ حكمه- إلی أن قال بعد نقل قول أبي حنيفة و الشافعي:- دليلنا إجماع الفرقة علی أنّ القاضي لا يجوز أن يولّيه غير الإمام و هذا لم يولّه الإمام فيجب أن لا ينعقد ولايته ... إلی آخره «2».

و عبارته صريحة في أنّ أمر القضاء بيد الإمام و إن تولّی غيره غير نافذ

                       

إلّا بتوليته، و قد ادّعی إجماع الفرقة.

3- و قال ابن حمزة في الوسيلة: القضاء علی خمسة أضرب: فرض عين، و فرض كفاية، و مستحبّ، و مكروه، و محظور. فالأوّل لواحد و هو ثقة من أهل العلم إذا لم يجد الإمام سواه، و الثاني لمن يطلع به و يرغّبه فيه الإمام و يجد غيره ...

فإن عرض حكومة للمؤمنين في حال انقباض يد الإمام فهي إلی فقهاء شيعتهم.

و العبارة كما تری إنّما رأت تفويض القضاء إلی فقهاء الشيعة في حال انقباض يد الإمام، و إلّا فمع عدم انقباض يده المباركة فقد اشترط فيه ترغيب الإمام و هو عبارة اخری عن أنّ أمر القضاء في زمن ولايتهم موكول إليهم.

4- و قال المحقّق في كتاب القضاء من الشرائع: و هنا مسائل، الاولی: يشترط في ثبوت الولاية- يعني ولاية القضاء- إذن الإمام عليه السّلام أو من فوّض إليه الإمام ...

و مع عدم الإمام ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت عليهم السّلام «1».

فحكمه بأنّ نفوذ قضاء الفقهاء يكون مع عدم حضور الإمام دليل علی أنّ أمر القضاء مع فعلية ولاية الأئمّة عليهم السّلام يكون إليهم.

5- و قال صاحب الجواهر معلّقا علی قول صاحب الشرائع: بلا خلاف عندنا بل الإجماع بقسميه عليه في أنّه يشترط في ثبوت الولاية للقضاء و توابعه إذن الإمام عليه السّلام أو من فوّض إليه الإمام ذلك لما عرفت من أنّ منصب الحكومة له «2».

6- و قال صاحب الرياض- في مقام الاستدلال علی اعتبار الشرائط الخاصّة في القاضي-: مضافا إلی الأصل، بناء علی اختصاص منصب القضاء بالإمام عليه السّلام اتفاقا فتوی و نصّا «3».

7- و قال أيضا في شرح قول المحقّق قدّس سرّه «و لا بدّ من إذن الإمام» ما نصّه: و اعلم‏

                       

أنّه لا بدّ مع اجتماع هذه الشرائط من إذن الإمام عليه السّلام بالقضاء لمستجمعها خصوصا أو عموما، و لا يكفي مجرّد اجتماعها فيه إجماعا لما مضی من اختصاص النصّ و الفتوی علی اختصاصه عليه السّلام بمنصب القضاء، فلا يجوز لأحد التصرّف فيه إلّا بإذنه قطعا «1».

هذه نبذة من كلمات فقهائنا، و نحوها عبارات آخرين، و المستفاد منها كما عرفت أنّ أمر القضاء في زمن فعلية الولاية إلی الإمام عليه السّلام الّذي هو وليّ الأمر و مع انقباض يدهم فوّض و أذن في قضاء فقهاء الشيعة.

و أمّا الاستدلال عليه فمن طريقين:

أحدهما: من طريق أنّه من لوازم الولاية علی الامّة فإنّه لا ينبغي الريب في أنّ الأفراد الّذين بهم تتحقّق الامّة قد يقع بينهم تخاصم و تنازع في حقوقهم المختصّة بهم كما أنّه ربما يشهد بعضهم أنّ أحدا أو أكثر يأتي بما هو موجب للحدّ أو التعزير اللذين قد مرّ أنّ أمر إجرائهما من وظائف وليّ الأمر و اختياراته، و حينئذ فلا بدّ من مرجع يقضي في هذه الموارد و يتميّز بقضائه ذو الحقّ فيصل إلی حقّه أو المجرم فتجري عليه العقوبة المقرّرة في الشريعة، و عليه فالامّة في مضيّ امورهم محتاجون إلی القاضي، و إذا كان المفروض أنّ اللّه تعالی عليهم وليّا و قيّما فلا محالة يكون من لوازم ولايته أن يحقّق لهم هذا الاحتياج كسائر حاجاتهم الاجتماعية.

بل لا محيص من أن يقال: لمّا كان مجرّد القضاء ربما لا ينحسم به النزاع بل يعقّب المحكوم عليه ما كان يدّعيه فلا محالة لا يتمّ أمر هذه الحاجة إلّا بأن يجعل وليّ الأمر من يراقب و ينفّذ ما قضی به، و هكذا الأمر في القضاء بأنّ علی أحد حدّا أو تعزيرا.

فمن اختيارات وليّ الأمر و وظائفه السلطة القضائية و التنفيذية.

و ثاني الطريقين: الاستدلال عليه من مسير النقل، و فيه قد يستدلّ بالكتاب و قد يستدلّ بالسنّة، و أمّا الإجماع الّذي مرّ دعواه في كلمات من تقدّم من الأصحاب فلا حجّة فيه بعد كونه- علی تسلّم انعقاده- محتمل المدرك بأحد الطريقين.

                       

فمن الكتاب الشريف يمكن أن يستدلّ له بآيتين، إحداهما: قوله تعالی خطابا لداود النبيّ علی نبيّنا و آله و عليه السلام: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوی‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... «1».

تقريب الاستدلال: أنّه تعالی قد حكم أوّلا علی داود أنّه خليفة في الأرض و أنّه تعالی جعله خليفة، و ظاهره أنّه جعله خليفة لنفسه في الأرض ثمّ فرّع علی ذلك بالفاء بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنّ عليه أن يحكم بين الناس، و الحكم هو القضاء بينهم فيما اختلفوا و تخاصموا فيه فيدلّ علی أنّ من فروع خلافة اللّه هو القضاء بين الناس، هذا من ناحية. و من ناحية اخری قد عرفت أنّ أولياء أمر الامّة الإسلامية قد جعل اللّه لهم هذه المنزلة و مرتبة الولاية فلا محالة أنّهم أيضا خلفاء اللّه في الأرض، و عليه فيتفرّع علی كونهم خليفة أنّ عليهم أيضا أن يحكموا و يقضوا بين الناس و الامّة الّذين هم خليفة اللّه فيهم و عليهم.

لكنّ الإنصاف عدم تماميّة دلالة هذه الآية، و ذلك أنّا لا نسلّم أنّ المتفرّع في كلامه تعالی علی كونه خليفة نفس وجوب تصدّيه بل لا يبعد أن تكون العناية فيه إلی لزوم أن يكون الحكم حكما بالحقّ، بمعنی أنّه كما أنّ اللّه الّذي جعله خليفة لا يحكم إلّا بالحقّ فإذا كان أحد خليفة له فعليه أيضا بمقتضی هذه الخلافة أن لا يحكم إلّا بالحقّ و يشهد لإرادة هذه الجهة ما بعد هذه الفقرة، أعني قوله تعالی: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوی‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ. و من المعلوم أنّ اتّباع الهوی يدعو إلی الحكم بما يميل إليه الأميال و الأهواء الشخصية النفسية لأغراض غير إلهيّة و عليه فلم يجعل من فروع الخلافة إلّا وجوب أن يكون حكم الخليفة بالحقّ، و هو لا ينافي أن لا يكون نفس أمر القضاء من حقوق الخليفة و اختصاصاته بل يجتمع مع أن يصحّ لغير الخليفة أيضا القضاء إلّا أنّ الخلافة يلزمها أن لا يكون قضاء الخليفة إلّا بالحقّ، فلا دلالة في هذه الآية.

                       

الآية الثانية: قوله تعالی خطابا للنبيّ الأكرم صلّی اللّه عليه و آله: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّی يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «1».

و تقريب دلالته: أنّه نفی الإيمان عن الناس إن لم يحكّموا النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و صرّح بأنّهم لا يؤمنون حتّی يحكّموه في ما وقع بينهم تشاجر و اختلاف، و أكّد تصريحه هذا بالقسم فقال: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّی يُحَكِّمُوكَ فجعله صلّی اللّه عليه و آله حكما يرجع إليه شرط الإيمان، فمنه يعلم أنّه المرجع الوحيد لإعلام النظر و إنشاء الحكم في موارد القضاء و حيث إنّه وليّ أمر الامّة المسلمة فلا يختصّ هذه الخصيصة بشخصه بل يجري منه و يسري إلی سائر أولياء الامّة، أعني الأئمّة المعصومين عليهم السّلام.

و الإنصاف عدم تمامية الاستدلال بهذه الآية أيضا و ذلك أنّه إنّما كان لتمامية سبيل لو كان المقصود منها هو ما ذكر في بيان الاستدلال، لكنّ التأمّل في الآية المباركة يعطي أنّ تمام عناية الآية المباركة إنّما هو إلی الرضا و التسليم القلبي لما يحكم به الرسول، أعني إلی مفاد قوله تعالی: ... ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. فحاصل المقصود بالآية أنّ الإنسان لا يصير مسلما حتّی يرجع ما يحدث له و يعرض عليه إلی اللّه و الرسول و يرضی بما يقضي به اللّه تعالی فيه، و حينئذ فذكر النبيّ صلّی اللّه عليه و آله في الآية المباركة إنّما هو لأنّه العالم الخبير بأحكام اللّه تعالی فيسري منه إلی سائر الأئمّة المعصومين عليهم السّلام.

فالحاصل: أنّ الهدف الأصيل من الآية هو تعظيم التسليم لأحكام اللّه و إنّما ذكر النبيّ لأنّه عالم بها. و أمّا مسألة القضاء بما أنّه قضاء فليس مقصود الآية، و لا ينافي أن لا يكون أمره موكولا إليه بل كان كلّ خبير ثقة صالحا له. هذا كلّه في الاستدلال بالكتاب.

و أمّا السنّة فيمكن الاستدلال له بأخبار متعدّدة:

1- منها صحيحة سليمان بن خالد- فإنّها صحيحة بنقل الصدوق و إن كان في‏

                       

سند الكليني و الشيخ رحمهما اللّه زكريّا بن محمّد أبو عبد اللّه المؤمن الّذي لم يوثّق بل قيل فيه إنّه واقفيّ مختلط الأمر في حديثه- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: قال: اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبيّ أو وصيّ نبيّ «1».

و هي كما تری نهی الناس عن الحكومة و علّل نهيه هذا بأنّ الحكومة إنّما هي للإمام المتّصف بالصفات المذكورة، و الحكومة هي إعلام النظر و إبراز الرأي في موارد الخلاف، فهي عبارة اخری عن القضاء، فقد نهی سائر الناس عنه و علّله بأنّه للإمام ذي هذه الأوصاف و الإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لا يكون إلّا النبيّ و الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم، و لذلك صرّح في بيانه و توضيحه بقوله: «لنبيّ أو وصيّ نبيّ» فدلّت بوضوح علی أنّ القضاء مختصّ به و من وظائفه و اختياراته، و الإمام المتّصف بهذه الصفات عبارة اخری عن المعصومين الّذين جعلهم اللّه أولياء أمر المسلمين.

ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما هو عبارة من لا يحضره الفقيه، و في الوسائل الناقل بظاهره عن الكافي جعله نسخة، و النسخة الاخری «كنبيّ أو وصيّ نبيّ» فذكر كاف التشبيه، لكنّه لا يخالف في المفاد النسخة الاخری فإنّ وصيّ النبيّ في شريعتنا المقدّسة هو الإمام المعصوم، فتدلّ الصحيحة علی اختصاص القضاء بالنبيّ و الإمام المعصوم و علی أنّ الأمر كذلك في الأنبياء السابقين.

فالحاصل: أنّ العبارة بأيّ نسخة منهما كانت فهي تدلّ علی القضاء شأن نبيّ الإسلام أو الإمام المعصوم و هو المطلوب.

2- و منها ما كتبه أمير المؤمنين في عهده لمالك الأشتر بقوله عليه السّلام: ... ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الامور و لا تمحكه «2»

                       

الخصوم و لا يتمادی في الزلّة و لا يحصر من الفي‏ء إلی الحقّ إذا عرفه ... «1».

فهذه العبارة و ما تتلوها قد أمر بها مالكا- كما قال هو عليه السّلام في أوّل كتابه هذا- حين ولّاه مصر جباية خراجها و جهاد عدوّها و استصلاح أهلها و عمارة بلادها، فكان مالك ولي أمر الامّة بمصر ولّاه أمير المؤمنين عليه السّلام الّذي هو وليّ أمر الامّة المسلمة بل و من يعيش في ظلّ لواء الولاية الإسلامية و إن كان من أهل الكتاب أو أهل الهدنة و الأمان بعد الاستيمان، فلا ريب في أنّ ما جعله لمالك فقد كان ثابتا لنفسه بالأصالة فأعطاه و ولّی غيره. و مضمون العبارة المذكورة أنّه عليه السّلام أمر مالكا بالتوجّه لحلّ خصومات الناس و اختيار القاضي و نصبه له من أفضل رعيّته ممّن كانت له هذه الصفات المذكورة، فتدلّ العبارة بوضوح علی أنّ أمر القضاء في مصر موكول إليه و التصدّي لحلّه وظيفة له، فيدلّ علی أنّه قد كان بالأصالة و في جميع الامّة وظيفة لنفس الأمير عليه السّلام فوّضه في مصر إلی من ولّاه عليها مالك الأشتر، و هو المطلوب، هذا بعض الكلام في دلالة العبارة.

ثمّ إنّ النسخ المتعدّدة من هذا العهد و إن اختلفت هنا اختلافا يسيرا إلّا أنّه لا يوجب تغييره في ما نطلبه منها، فالعبارة في تمام نهج البلاغة الناقلة للنسخ المتعدّدة هنا هكذا: «فاختر للحكم [للقضاء- خ ل‏] بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك و أنفسهم للعلم و الحلم و الورع و السخاء ممّن لا تضيق به الامور و لا يمحكه الخصوم و لا يتمادی في إثبات الزلّة و لا يحصر من الفي‏ء إلی الحقّ إذا عرفه» فالاختلافات كما تری لا توجب أيّ تغيير فيما ذكرناه من الدلالة علی أنّ أمر القضاء بيد وليّ الأمر.

فدلالة العبارة علی المطلوب تامّة، و أمّا سند العهد فسند النجاشي في رجاله إليه قال: أخبرنا ابن الجندي عن أبي عليّ بن همّام عن الحميري عن هارون بن‏

                       

مسلم عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ بالعهد «1».

و سند شيخ الطائفة إليه في الفهرست هكذا: «أخبرنا بالعهد ابن أبي جيّد عن محمّد بن الحسن عن الحميري عن هارون بن مسلم و الحسن بن ظريف جميعا عن الحسين بن علوان الكلبي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السّلام» «2».

و رجال السندين كما تری مشتركة في غير الأوّلين و زاد في الراوي الرابع في الفهرست راويا آخر هو الحسن بن ظريف.

فابن الجندي في سند النجاشي قال النجاشي فيه: «أحمد بن محمّد بن عمران ابن موسی أبو الحسن المعروف بابن الجندي استاذنا [استادنا] رحمه اللّه ألحقنا بالشيوخ في زمانه» «3» فكونه شيخ روايته و لا سيّما بعد تجليله عنه بقوله: «ألحقنا بالشيوخ في زمانه» كاف في ثبوت وثاقته.

و أبو عليّ بن همّام هو محمّد بن أبي بكر همّام بن سهيل الكاتب الإسكافي- علی ما في رجال النجاشي- قال فيه: «شيخ أصحابنا و متقدّمهم له منزلة عظيمة كثير الحديث» «4». و في جامع الرواة في ترجمته: «و يأتي عن غير النجاشي محمّد بن همّام». ثمّ قال في ترجمة محمّد بن همّام البغدادي: «يكنّی أبا عليّ، و همّام أبا بكر ... جليل القدر ثقة [ست، لم‏]».

و أمّا ابن أبي جيّد في سند الشيخ فهو عليّ بن أحمد بن محمّد بن أبي جيّد فهو كما في جامع الرواة من مشايخ الشيخ و النجاشي و لا يبعد أن يكون هذا يلحقه بالثقات.

كما أنّ محمّد بن الحسن فيه هو ابن الوليد أبو جعفر شيخ القمّيين و فقيههم و متقدّمهم و وجههم، ثقة ثقة عين مسكون إليه.

و أمّا الرجال المشتركة في السندين: فالحميري هو عبد اللّه بن جعفر صاحب قرب الإسناد هو ثقة شيخ القمّيين و وجههم و عنه ابن الوليد.

                       

و هارون بن مسلم بن سعدان ثقة وجه كما عن النجاشي.

و الحسن بن ظريف- في سند الشيخ- هو الحسن بن ظريف بن ناصح، فعن النجاشي أنّه كوفي سكن بغداد ثقة «1».

و الحسين بن علوان الكلبي عامّي وثّقه النجاشي و يستفاد الاعتماد عليه ممّا نقل عن ابن عقدة و الكشّي أيضا.

و سعد بن طريف قال الشيخ في رجاله- علی حكاية جامع الرواة-: روی عن الأصبغ بن نباتة و هو صحيح الحديث. و قال النجاشي فيه: «كوفي، يعرف و ينكر، روی عن الأصبغ بن نباتة» «2». فشهادة الشيخ بكونه صحيح الحديث لا تنافيه عبارة النجاشي: «يعرف و ينكر» لعدم دلالتها علی أزيد من عدم وضوح حاله عنده. نعم حكی عن ابن الغضائري تضعيفه، و لا اعتبار به لا سيّما في قبل تصحيح الشيخ.

فتحصّل من هذا التطويل: أنّ سند عهد مالك معتبر، و الشيخ و النجاشي و إن لم ينقلا متن العهد إلّا أنّ كونه معهودا و كون الرضي مؤلّف نهج البلاغة معاصرا للشيخ و النجاشي، و عدم اختلاف النسخ فيما نريد اثباته- كما عرفت- دليل كاف لوصول العبارة إلينا بطريق معتبر، و قد عرفت تمامية دلالتها.

3- و منها خبر إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه [ما جلسه- خ ل‏] إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ «3».

و شريح كان قاضي المسلمين بنصب أمير المؤمنين عليه السّلام فالمراد بالمجلس الّذي جلسه هو مجلس القضاء فقد أخبر أنّ هذا المجلس لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ و إلّا كان الجالس فيه شقيّا، و لا معنی لإخباره هذا إلّا أنّه لا يصحّ و لا يجوز أن يجلسه إلّا نبيّ أو من أوصی إليه النبيّ، أمّا وصاية مطلقة كما في أئمّتنا

                       

المعصومين أو في خصوص القضاء، و علی أيّ حال فحقّ هذا المجلس للنبيّ و بوصيّته يصلح الغير أن يجلسه و هو عبارة اخری عن أنّ أمر القضاء بيد النبيّ أو من يقوم مقامه، فلا محالة يكون القضاء بيد النبيّ الأكرم و الأئمّة الأوصياء المرضيين صلوات اللّه عليهم إلّا أن يقيموا أحدا آخر فيه و هو المطلوب.

إلّا أنّ سند الخبر ضعيف بأبي جميلة المفضّل بن صالح الأسدي الّذي عن العلّامة في الخلاصة أنّه ضعيف كذّاب يضع الحديث. و أيضا فيه يحيی بن المبارك الّذي هو مجهول.

نعم إنّ أدلّة معتبرة دلّت علی أنّ شريحا قد نصبه أمير المؤمنين عليه السّلام للقضاء بين المسلمين كما في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لمّا ولّی أمير المؤمنين عليه السّلام شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتّی يعرضه عليه «1».

و في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن الباقر عليه السّلام الحاكية لحديث مخاصمة عبد اللّه بن قفل التميمي عليّا عليه السّلام في درع طلحة أنّه «قال له عبد اللّه بن قفل: اجعل بيني و بينك قاضيك الّذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه و بينه شريحا» «2». فلا ريب في أنّ شريحا كان منصوبا للقضاء من قبله عليه السّلام، إلّا أنّه إنّما يدلّ علی أنّ بعض المتصدّين للقضاء لا يقضون إلّا بعد النصب و أمّا أنّه ليس لأحد حتّی من كان مجتهدا عالما عادلا أن يتصدّاه إلّا بعد نصبه فلا دلالة في مثل هذه الصحاح عليه.

4- و منها صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال- بإسناد الصدوق رحمه اللّه- قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام: إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلی أهل الجور، و لكن انظروا إلی رجل منكم يعلم شيئا من قصايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه «3». و رواه الشيخ في التهذيب مثله، و هكذا

                       

رواه الكليني مثله إلّا أنّه قال: شيئا من قضائنا، و في سند الكافي و التهذيب معلّی ابن محمّد الّذي قال فيه النجاشي أنّه مضطرب الحديث و المذهب.

فالإمام كما تری قد نهی عن التحاكم إلی قضاة أهل الجور و أمر بالتحاكم إلی رجل من الشيعة عالم بقضايا الأئمّة مصرّحا و معلّلا بأنّه عليه السّلام قد جعله حاكما، فالصحيحة صريحة في نصب الإمام لمن كان له الشرائط بمنصب القضاء، و لمّا كان هو عليه السّلام وليّ أمر الامّة فربما يستظهر منها دلالتها علی أنّ أمر القضاء إليه كما هو المطلوب.

و يمكن النقاش بأنّه عليه السّلام أقدم علی هذا الأمر في زمان لم يكن له بسط اليد و أمّا إذا بسطت يده و تولّی أمر إدارة امور الامّة بنفسه فلعلّه لا يكون القضاء حينئذ لمن اجتمع فيه شرائط القاضي مشروطا بالنصب بل كان هو بنفسه و بلا نصب قاضيا. اللّهمّ إلّا أن يلغی الخصوصية أو يقال بأنّ اشتراط النصب حينئذ أيضا مثل زمن عدم الانبساط بل هو أولی.

5- و منها خبر آخر عن أبي خديجة أيضا قال: بعثني أبو عبد اللّه عليه السّلام إلی أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدار [بينكم- خ يب‏] في شي‏ء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا [تتحاكموا- يب‏] إلی أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلا [ممّن- يب‏] قد عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم «1» قاضيا، و إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلی السلطان الجائر «2».

و هو في الدلالة و النقض و الإبرام مثل صحيحته، إلّا أنّ في سنده أبا الجهم و هو ثوير بن أبي فاختة سعيد بن أبي علاقة كوفي تابعي و لم يوثّق و إن كان من الشيعة.

6- و منها مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجلين من‏

                       

أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحا كما إلی السلطان و إلی القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلی الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّا ثابتا؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالی: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَی الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [إلی‏] من كان منكم ممّن قد روی حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه، و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ علی اللّه، و هو علی حدّ الشرك باللّه، قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقها في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلی ما يحكم به الآخر ... الحديث «1».

و هي أيضا في الدلالة و النقض و الإبرام فيها مثل روايتي أبي خديجة.

إلّا أنّه قد يستشكل شمولها للقضاء في الشبهات الموضوعية باستظهار أنّ مورد السؤال فيها هو الشبهة الحكمية بقرينة ما في ذيل المقبولة، و حينئذ فبعد معرفة حكم اللّه لا يبقی محلّ لإلزام الحاكم و حكمه كما أنّ الأحكام المعلومة للخواصّ و العوامّ لا معنی لإلزام الحاكم فيها ... فمع اختصاص المقبولة بالشبهات الحكمية كيف يستدلّ بها في الشبهة الموضوعية «2».

أقول: و الظاهر أنّ مراده بقرينة الذيل أنّ الذيل قد تعرّض لحكم اختلاف الحديثين الّذي يختصّ بالشبهات الحكمية.

لكن فيه (أوّلا) أنّ المنازعة في دين أو ميراث المبدوّ بها السؤال قد يدّعی‏

                       

ظهورها في النزاع في الموضوع و اختصاص الذيل بحكم الشبهات الحكمية ليس قرينة علی الخلاف فإنّ كون رواية واحدة مشتملة علی مسائل مختلفة غير عزيز.

و (ثانيا) أنّ إلزام الحاكم له مقام حتّی في الشبهات الحكمية، فإنّ الإلزام بما يقضي به القاضي من لوازم القضاء و إن كان في الشبهات الحكمية و قضاء بحكم كلّي، و تمام الكلام فيه في باب القضاء.

و بالجملة: فلا مجال في الإشكال علی دلالة المقبولة بالخصوص، بل هي مثل روايتي أبي خديجة حرفا بحرف.

و أمّا سندها فجميع رجاله إلی عمر بن حنظلة ثقات، و أمّا عمر بن حنظلة فلم نجد دليلا علی كونه ثقة إلّا أنّ المنقول عن الشهيد الثاني رحمه اللّه توثيقه مضافا إلی أنّ هذه الرواية قبلها و عمل بها الأصحاب حتّی اشتهرت بالمقبولة، فالظاهر أنّ سندها أيضا لا بأس به.

7- و منها ما رواه الصدوق في علل الشرائع عن أحمد بن الحسن القطّان عن أحمد بن سعيد الهمداني عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبيه عن أبي الحسن عليه السّلام قال: سألته عن أمير المؤمنين عليه السّلام لم لم يسترجع فدكا لمّا ولّی الناس؟

فقال عليه السّلام: لأنّا أهل بيت لا نأخذ حقوقنا ممّن ظلمنا إلّا هو، و نحن أولياء المؤمنين إنّما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممّن ظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا «1».

فإنّ قوله عليه السّلام في الذيل: «و نحن أولياء المؤمنين ... إلی آخره» عبارة اخری عن أنّ من وظائفنا و شئوننا إذا صرنا بالفعل أولياء امور المؤمنين أن نراقب حقوقهم و نحكم لذي الحقّ منهم و نأخذ حقوقهم ممّن ظلمهم. و المناقشة في دلالته- بأن يدّعی أنّ غاية مدلوله أنّهم يحكمون للمحقّ و يأخذون حقّه إذا راجعهم للقضاء و إلّا فلا يدلّ علی أنّ مرجع القضاء منحصر فيهم- غير مسموعة بل لا ينبغي‏

                       

الريب في أنّ الهدف الأصيل منه هو التصريح بأنّ هذه المراقبة و التعقيب القضائي و الحكم الشرعي به حقّهم و من امتيازاتهم فدلالته تامّة.

و أمّا رجال السند فأحمد بن سعيد الهمداني هو أحمد بن محمّد بن سعيد المعروف بابن عقدة و هو ثقة، و ابنا فضّال ثقتان، لكن أحمد بن الحسن القطّان لم نجد ذكرا عنه في كتب الرجال إلّا أن يكتفی في ثبوت وثاقته بأنّه شيخ حديث الصدوق قدّس سرّه.

8- و منها ما رواه في العلل- ضمن رواية علل الفضل بن شاذان- من قوله:

فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟ قيل: لعلل ... و منها أنّه لو كانا إمامين لكان لكلّ من الخصمين أن يدعو إلی غير الّذي يدعو إليه الآخر في الحكومة ثمّ لا يكون أحدهما أولی بأن يتبع صاحبه من الآخر فتبطل الحقوق و الأحكام و الحدود «1».

و تقرير دلالته أنّ الظاهر منه أنّ الإمامة ملازمة للمرجعية لفصل الخصومات و لذلك كان لكلّ من الخصوم أن يرجع إلی كلّ واحد من الإمامين، فإذا رجع أحدهما إلی إمام و الآخر إلی إمام آخر فربما لم ينحسم نزاعهما، إمّا لتنازعهما فيمن يرجع إليه فلا يتحقّق قضاء، و أمّا لأنّه ربما يحكم أحد الإمامين بحكم و الآخر بحكم مخالف له فلا يصلان إلی حكم فاصل للخصومة، فكان من لوازم تعدّد الإمام بطلان الأحكام، و مثلها الحدود.

إن قلت: إنّ هذا البيان إنّما يقتضي صلاحية الإمام لمرجعية القضاء لا انحصاره فيه.

قلت: كلّا فإنّه إذا كان هنا إمام واحد فإن رجع الخصمان إليه فالاختصام ينحسم، و إن كان هما قاضيان منصوبان ثمّ دعا أحد الخصمين إلی غير القاضي الّذي يدعو خصمه إليه فمن ناحية هذين القاضيين و إن لم تنحسم الخصومة، إلّا أنّه لمّا كان‏

                       

فوق كليهما و فوق جميع القضاة إمام واحد فالإمام في النهاية يفصل الخصومة.

فدلالة هذا الحديث أيضا تامّة.

و أمّا سنده فقد رواه عن عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النيسابوري العطّار عن أبي الحسن عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري عن أبي محمّد الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام، و الفضل فقيه جليل ثقة، و ابن قتيبة صاحب الفضل و تلميذه و رواية كتبه و اعتمد عليه أبو عمرو الكشّي في رجاله، و عبد الواحد بن محمّد من مشايخ الصدوق و قد روی عنه مترضّيا، فالظاهر أنّ سنده أيضا معتبر لا بأس به.

فتحصّل: أنّ مقتضی الأدلّة أنّ أمر القضاء أيضا من وظائف ولاة الأمر و اختياراتهم.

                       

الفصل الخامس في أنّ أمر صلاة الجمعة بيد وليّ الأمر

و من الامور الّتي بيد وليّ أمر المسلمين صلاة الجمعة فأمرها بيده إمّا يقيمها بنفسه و إمّا ينصب لإقامتها من يراه صالحا و ليس لأحد أن يتصدّی لإقامته مستقلّا من قبل نفسه إلّا بعد أن ينصبه أو يأذن له وليّ الأمر.

و المسألة مذكورة في كلام جمع من فقهائنا الكرام و لا سيّما المتقدّمين، فلا بأس بنقل كلماتهم ثمّ نبيّن مقتضی الأدلّة، فنقول:

1- قال شيخ الطائفة قدّس سرّه في كتاب الجمعة من الخلاف: من شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من يأمره الإمام بذلك من قاض أو أمير و نحو ذلك، و متی اقيمت بغير أمره لم تصحّ، و به قال الأوزاعي و أبو حنيفة، و قال محمّد: إن مرض الإمام أو سافر أو مات فقدّمت الرعية من يصلّي بهم الجمعة صحّت لأنّه موضع ضرورة، و صلاة العيدين عندهم مثل صلاة الجمعة، و قال الشافعي: ليس من شرط الجمعة الإمام و لا أمر الإمام، و متی اجتمع جماعة من غير أمر الإمام فأقاموها بغير إذنه جاز، و به قال مالك و أحمد.

دليلنا: أنّه لا خلاف أنّها تنعقد بالإمام و ليس علی انعقادها إذا لم يكن إمام و لا أمره دليل؛ فإن قيل: أ ليس رويتم فيما مضی و في كتبكم أنّه يجوز لأهل القرايا

                       

و السواد و المؤمنين إذا اجتمعوا العدد الّذي تنعقد بهم أن يصلّوا الجمعة؟ قلنا: ذلك مأذون فيه مرغّب فيه فجری ذلك مجری أن ينصب الإمام من يصلّي بهم.

و أيضا عليه إجماع الفرقة فإنّهم لا يختلفون أنّ من شرط الجمعة الإمام أو أمره.

و روی محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: تجب الجمعة علی سبعة نفر من المسلمين و لا تجب علی أقلّ منهم: الإمام و قاضيه و المدّعي حقّا و المدّعی عليه و الشاهدان و الّذي يضرب الحدود بين يدي الإمام.

و أيضا فإنّه إجماع، فإنّ من عهد النبيّ إلی عهدنا هذا ما أقام الجمعة إلّا الخلفاء و الامراء و من وليّ الصلاة، فعلم أنّ ذلك إجماع أهل الأعصار، و لو انعقدت بالرعية لصلّوها كذلك. انتهی «1».

و أنت تری أنّه قدّس سرّه ادّعی أولا الإجماع القولي من الفرقة المحقّة علی شريطة انعقادها بالإمام أو أمره كما ادّعی أخيرا الإجماع العملي من أهل الأعصار من زمن النبيّ صلّی اللّه عليه و آله مستمرّا إلی زمنه علی هذه النحو، و كما استدلّ لها برواية محمّد ابن مسلم المذكورة أيضا. و بالجملة: فمع أنّه رحمه اللّه قائل بالاشتراط فقد ادّعی الإجماع عليه.

2- و قال رحمه اللّه في المبسوط- بعد تقسيمه الشرائط إلی قسمين شرائط الوجوب و شرائط صحّة الانعقاد-: فأمّا الشروط الراجعة إلی صحّة الانعقاد فأربعة:

السلطان العادل أو من يأمره السلطان و العدد ... «2».

فقد أفتی بأنّ السلطان العادل الّذي هو وليّ الأمر المعصوم أو من يأمره شرط صحّة انعقاد صلاة الجمعة و هو المطلوب، نعم ليس فيه دعوی إجماع.

و عنه أنّه قال فيه بعد ذلك عند ذكر الفروع المتعلّقة بالخطبة-: و قد بيّنّا أنّ من شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من يأمره بذلك 3.

3- و قال قدّس سرّه في النهاية: الاجتماع في صلاة الجمعة فريضة إذا حصلت‏

                       

شرائطه و من شرائطه أن يكون هناك إمام عادل أو من نصبه الإمام للصلاة بالناس «1».

و الظاهر منه أنّ ضمير «شرائطه» يرجع إلی الاجتماع المراد به إتيان صلاة الجمعة جماعة، و حينئذ فتقييده بأن يكون هنا إمام أو من أمره عبارة اخری عن عدم انعقاد صلاة الجمعة إلّا به أو بأمره، و يحتمل ضعيفا أن يراد بالاجتماع حضور الناس بعدد معتبر بل و فوقه لإتيانها، لكنّه أيضا يدلّ علی المطلوب فإنّ اشتراط هذا الاجتماع بحضور الإمام أو منصوبه أيضا عبارة اخری عنه كما لا يخفی للمتأمّل.

و أمّا السيّد المرتضی قدّس سره فلم يتعرّض للمسألة في الانتصار و تعرّض في الناصريات في المسألة 111 حديث أنّ حضور السلطان العادل شرط وجوب صلاة الجمعة إلّا أنّه نقل عن رسائل الشهيد الثاني أنّ السيّد تعرّض لها في موردين آخرين.

4- فعن كتابه الفقه الملكي: و الأحوط أن لا يصلّی الجمعة إلّا بإذن السلطان و إمام الزمان، لأنّها إذا صلّيت علی هذا الوجه انعقدت و جازت بالإجماع، و إذا لم يكن فيها إذن السلطان لم يقطع علی صحّتها و إجزائها «2».

فتراه قد احتاط في اعتبار إذن الإمام إذا صلّاه غيره، و الوجه الّذي ذكره للاحتياط هو الوجه الأوّل الّذي استند إليه الخلاف في الافتاء بالاشتراط كما مرّ فتذكّر.

5- قال رحمه اللّه في المسائل الميافارقيّات- في جواب السؤال عن أنّ صلاة الجمعة هل تجوز خلف المؤالف و المخالف؟-: لا جمعة إلّا مع إمام عادل أو من نصبه الإمام «3».

فهنا كما تری قد جزم و أفتی بأنّ وجود الإمام أو منصوبه شرط في صلاة الجمعة و أنّ مع عدمهما فلا جمعة.

6- و قال ابن حمزة في الوسيلة- في فصل في بيان صلاة الجمعة من كتاب الصلاة-: و يحتاج في الانعقاد إلی أربعة شروط: حضور السلطان العادل أو من‏

                       

نصبه لذلك، و حضور سبعة نفر حتّی تجب أو خمسة حتّی تستحبّ ممّن تجب عليهم و تصحّ بهم ... «1».

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمت 11 قسمت 13 »

پیام هفته

مبارزه با فساد
آیه شریفه :  وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( سوره بقره ، آیه 205)ترجمه :  و خداوند فساد و تباهی را دوست ندارد.روایت : امام حسين عليه ‏السلام : لايَحِلُّ لِعَينٍ مُؤمِنَةٍ تَرَى اللّه‏َ يُعصى فَتَطرِفَ حَتّى تَغَيِّرَهُ. (الأمالى ، طوسى ، ص 55)ترجمه : امام حسين عليه ‏السلام :بر هيچ چشم مؤمنى روا نيست كه ببيند خدا نافرمانى مى‏شود و چشم خود را فرو بندد ، مگر آن كه آن وضع را تغيير دهد .

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+

پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید