قسمت 9

نعم لا يبعد دعوی ظهور قوله تعالی: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلی‏ نَفْسِهِ في أنّ نقض عهد البيعة فيه خسارة ترد علی الناكث و الناقض، و هو عبارة اخری عن استلزامه خسرانا عليه الّذي في معنی وجوب العمل بها و حرمة نكثها إذا وقعت في محلّها، و هو أمر صحيح معقول لا ينافي مقتضی هذين الإطلاقين.

و قد مرّ كلام عن القمّي رحمه اللّه في تفسيره أنّ المراد بالمبايعة الواقعة في هذه الآية إنّما هي بيعة الرضوان المذكورة في الآية الماضية، و قد صرّح بذلك مجمع البيان و هو مذكور في تفسير التبيان «1» أيضا، و عليه فلا محالة تكون هذه البيعة- كما مرّ- بيعة علی محاربة المشركين لا بيعة علی قبول ولاية الرسول الأعظم صلّی اللّه عليه و آله فلا ربط لها بأصل أمر ولايته الكبری، بل هي كما عرفت أمر مقدّمي أقدم النبيّ صلّی اللّه عليه و آله علی أخذها منهم إقداما عقلائيا حتّی يطمئنّ بأنّ المؤمنين مهيّأون للحرب، و إلّا فأصل ولايته عليهم مضی عليها سنون و لا دلالة لهذه البيعة أبدا علی اشتراط فعليّتها أو اشتراط وجوب الطاعة عنه المؤمنين بهذه البيعة.

و بالجملة: فلا ينبغي الريب في عدم دلالة الآية علی خلاف تلك الأدلّة.

ثمّ إنّه قد روی في كنز الدقائق عن الصدوق أنّه روی في عيون الأخبار بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا عليه السّلام أنّه قال: «يا أبا الصلت إنّ اللّه فضّل نبيّه محمّدا صلّی اللّه عليه و آله علی جميع خلقه من النبيّين و الملائكة، و جعل طاعته طاعته، و متابعته متابعته، و زيارته زيارته؛ فقال: يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ و قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ... الحديث «2».

فالرواية كما تری تدلّ علی ما استظهرناه من الآية الشريفة من أنّه تعالی عظّم الرسول و جعل مبايعته مبايعة للّه تعالی و هو من كمال التعظيم له صلّی اللّه عليه و آله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- في أواخر سورة فاطر- أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام‏

                       

قال في كتابه الّذي كتبه إلی شيعته يذكر فيه عظم خطأ طلحة و الزبير في خروج عائشة إلی البصرة: ثلاث خصال مرجعها علی الناس في كتاب اللّه: البغي و النكث و المكر، قال اللّه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلی‏ أَنْفُسِكُمْ و قال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلی‏ نَفْسِهِ و قال: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ و قد بغيا عليّ و نكثا بيعتي و مكرا بي «1».

و قد نقله في تمام نهج البلاغة في كتابه عليه السّلام إلی شيعته، و إنّما قال في أوّل هذه الفقرات: «فأصابوا ثلاثا بثلاث خصال مرجعها علی الناس ... إلی آخره» «2».

و قد أخرجه عن تفسير القمّي في كنز الدقائق ذيل آيتنا هذه «3».

و هذه العبارات من الكتاب دليل علی أنّ نكث البيعة و نقضها حرام يوجب علی الناكث مثل العقاب و أنّه المراد من الآية المباركة. و هذا ما ذكرناه من دلالة الآية علی وجوب الوفاء بالبيعة إذا وقعت مع من هو أهل لها.

و بعد ذلك كلّه فهذه الآية الثانية أيضا لا دلالة فيها علی خلاف تلك الأدلّة.

الآية الثالثة قوله تعالی في سورة الممتحنة [/ 12]

: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلی‏ أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنِينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «4».

في المجمع ذيل الآية: ثمّ ذكر سبحانه بيعة النساء و كان ذلك يوم فتح مكّة لمّا فرغ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله من بيعة الرجال، و هو علی الصفا جاءته النساء يبايعنه فنزلت هذه الآية «5».

                       

فالآية نازلة يوم فتح مكّة الّذي قد عرفت أنّه كان سنة ثمان من الهجرة، و نزولها يوم فتح مكّة مذكور في بعض الأخبار المعتبر الآتي أيضا إن شاء اللّه تعالی.

و لقد كان فتح مكّة بخروج رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله في عشرة آلاف من المسلمين و نحو من أربعمائة فارس إلی مكّة و خرج معه جميع المهاجرين و الأنصار لم يتخلّف عنه أحد خرج لغزوهم فأدّی إلی فتحها بلا غزو.

و العلّة لخروجه صلّی اللّه عليه و آله لغزوهم مع أنّه عقد قرار الصلح في السنة الستّ من الهجرة و كان أوّل ما عقدوا عليه فيه «وضع الحرب بينهم عشر سنين علی أن يكفّ بعض عن بعض» و قد عرفت التصريح به في صحيحة ابن سنان- ما قد مضی في الصحيحة من أنّه «لمّا كتبوا الكتاب قامت خزاعة فقالت: نحن في عهد محمّد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و عقده، و قامت بنو بكر فقالت: نحن في عهد قريش و عقدها» و كون كلّ منهما في عهد من دخلوا في عهده يقتضي أن لا يحارب كلّ من المتعاقدين هذه القبيلة الّتي دخلت في عهد الآخر.

لكنّه- علی ما في مجمع البيان- كان بين هاتين القبيلتين شرّ قديم، ثمّ وقعت بعد عقد هذه المعاهدة بينه صلّی اللّه عليه و آله و بين قريش بينهما منازعة و مقاتلة و رفدت قريش بني بكر بالسلاح و قاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا و كان ممّن أعان بني بكر علی خزاعة بنفسه عكرمة ابن أبي جهل القرشي و سهيل بن عمرو الّذي كان عقد الصلح بحضوره و إمضائه فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتّی قدم المدينة علی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فوقف عليه و هو في المسجد بين ظهرانيّ القوم و قصّ عليه الأمر و استنصره ذاكرا له العقد المذكور و أنّ قريشا نقضوه و كان ذلك ممّا هاج فتح مكّة.

و قد جاء أبو سفيان بعد ذلك إلی المدينة عن قريش طالبا لتشديد عقد الصلح و تمديد مدّته و خطابه الرسول صلّی اللّه عليه و آله بأنّكم غدرتم و كلّما جهد في أن ينصرف النبيّ من عزمه علی الخروج إلی مكّة لم يصل إلی فائدة، فخرج إلی مكّة و قبل ان يدخلها

                       

جاءه أبو سفيان و رجلان آخران، و أخيرا أسلما و دخل المسلمون مكّة و وقع فتحها.

و تفصيل حديث فتح مكّة مذكور في مجمع البيان و عنه نقله كنز الدقائق و الميزان «1».

و كيف كان فالظاهر من نفس الآية المباركة أنّ النساء المؤمنات جئن النبيّ ليبايعنه و أمره اللّه تعالی ببيعته لهنّ أي بقبوله و تهيئه لأن يبايعنه، و تضمّنت الآية المباركة الامور الّتي يلتزم هذه النساء المؤمنات المبايعات برعايتها. و بعبارة اخری أنّ الآية الشريفة تبيّن حقيقة البيعة و هي أنّها التزام السمع و الطاعة في امور، و بيّنت أنّ هذه الامور هنا أداء واجبات و ترك محرّمات مصرّحة بها في الآية المباركة.

فحاصل مفاد الآية الشريفة: أنّ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله موظّف بقبول مبايعتهن إذا جئن ليبايعنه، و أمّا أنّ أخذ البيعة منهنّ بنفسه واجبة أم لا؟ أو أنّه إن لم تؤخذ منهنّ بيعة فولاية النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و علی المسلمين ليست فعلية تامّة؟ أو أنّ وجوب طاعتهنّ و طاعة سائر المسلمين له صلّی اللّه عليه و آله موقوف علی البيعة و مشروط بها فليس في الآية علی شي‏ء منها دلالة و لا إشارة؟ و قد عرفت أنّ مقتضی أدلّة ولاية النبيّ و الأئمّة المعصومين عليهم السّلام و أدلّة وجوب طاعتهم فعلية ولايتهم و وجوب طاعتهم علی الامّة بلا أيّ شرط و قيد و لا محالة يجب الأخذ بها كما مرّ.

و في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لمّا فتح رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله مكّة بايع الرجال ثمّ جاء النساء يبايعنه فأنزل اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلی‏ أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنِينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقالت هند: أمّا الولد فقد ربّينا صغارا و قتلتهم كبارا،

                       

و قالت أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام و كانت عند عكرمة بن أبي جهل: يا رسول اللّه ما ذلك المعروف الّذي أمرنا اللّه أن لا نعصيّنك فيه؟ قال: لا تلطمنّ خدّا و لا تخمشن وجها و لا تنتفن شعرا و لا تشققن جيبا و لا تسودن ثوبا و لا تدعين بويل، فبايعهنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله علی هذا، فقالت: يا رسول اللّه كيف نبايعك؟ قال:

إنّني لا اصافح النساء، فدعا بقدح من ماء فأدخل يده ثمّ أخرجها فقال: أدخلن أيديكنّ في هذا الماء فهي البيعة «1».

و قد روی في الكافي خبرين آخرين في بيان أنّ كيفية مبايعته صلّی اللّه عليه و آله معهنّ كانت بإدخال أيديهنّ في الماء 2. و هكذا نقله القمّي في تفسيره «3» و صاحب مجمع البيان أيضا «4» فراجع. و روی في المجمع عن الشعبي أنّه كان يبايعهنّ من وراء الثوب.

و المعتبرة المذكورة و هكذا سائر الروايات لا تدلّ علی أزيد من بيان كيفية مبايعته صلّی اللّه عليه و آله مع النساء من غير دلالة في واحدة منها علی اشتراط فعلية الولاية أو وجوب الطاعة للولي بالبيعة له كما لا يخفی.

نعم تضمّنت الآية المباركة و جميع الروايات بيعته صلّی اللّه عليه و آله مع النساء و اختصّت المعتبرة المذكورة بنقل بيعة الرجال أيضا له صلّی اللّه عليه و آله قبل النساء و كان هذا مذكورا في مجمع البيان أيضا كما مرّ، و لا ينبغي الريب في أنّ البيعة ليست أمرا لغوا فلعلّ فائدتها حصول الاطمئنان التامّ من تهيّؤ المبايعين للمتابعة لا سيّما و أن المبايعين هاهنا كانوا مشركين مصرّين علی الإشراك معرضين عن الإسلام فبيعتهم إعلام تبعيّة منهم للرسول الأعظم صلّی اللّه عليه و آله.

و ممّا يؤيّد الأمر أنّ ما بايعت عليه النساء ممّا ذكر في الآية المباركة إنّما هي تكاليف إلزامية إلهية وجوبا أو حرمة، فليست البيعة تعهّدا لقبول ولايته صلّی اللّه عليه و آله و العمل بأوامره، و المعروف المذكور فيها لا يراد به ما يأمره به بنفسه بل الظاهر أنّه كلّ شي‏

                       

مستحسن واجب أو مستحبّ يطلبه هو صلّی اللّه عليه و آله منهم و إن كان محبوبا إليها محضا.

و بالجملة: فليست الآية لا بنفسها و لا بإعانة الروايات الواردة ذيلها علی اشتراط وجوب الإطاعة أو فعلية الولاية بالمبايعة و يكون مفاد أدلّة الولاية و وجوب الطاعة باقيا علی حالها كما عرفت.

الآية الرابعة [قوله تعالی في سورة التوبة/ 111]

و قد يقال بورود آية رابعة من الكتاب الكريم في أمر البيعة و هي قوله تعالی في سورة التوبة: إِنَّ اللَّهَ اشْتَری‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفی‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «1».

فالآية المباركة كما تری متضمّنة لأنّ اللّه اشتری أنفس المؤمنين و أموالهم بثمن الجنّة و أكّد ايفاءه بهذا الاشتراء بقوله تعالی: وَ مَنْ أَوْفی‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ثمّ بعد ذلك هنّأ المؤمنين بقوله تعالی: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ فإنّه الفوز العظيم.

و ربما يظهر من بعض الكلمات أنّه اريد من المبايعة المذكورة في هذه التهنئة البيعة، قال الراغب في المفردات: و قوله عزّ و جل: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ إشارة إلی بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالی: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ و إلی ما ذكر في قوله تعالی: إِنَّ اللَّهَ اشْتَری‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ... الآية انتهی.

فإنّ جعله إشارة إلی بيعة الرضوان يناسب إرادة معنی البيعة من المبايعة.

لكنّك خبير بعدم تعيّن ذلك بل الظاهر أنّ قوله: بايَعْتُمْ بِهِ إشارة إلی‏

                       

المعاملة و البيع و الشراء المذكورة في الآية و لذلك جعل الثمن مذكورا بعده متعلّقا به، و إلّا فالمبايعة بمعنی البيعة يكون طرفها من يبايع، و المناسب أن يذكر ما وقعت المبايعة و التعهّد عليه.

و ما ذكرناه هو المستفاد من بعض الأخبار، ففي معتبر ميمون عن الصادق عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان إذا أراد القتال دعا بهذه الدعوات: «اللّهمّ ... ثمّ اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة ... فاجعلني ممّن اشتری فيه منك نفسه ثمّ وفّی لك ببيعه الّذي بايعك عليه غير ناكث و لا ناقض عهدا ...» «1».

فإنّه لا ريب في أنّه إشارة إلی الآية و قوله: «ثمّ وفّی ... إلی آخره» توضيح لمفاده و أنّ المبايعة من معنی البيع.

و هذا الّذي استظهرناه هو ظاهر كلام سيّدنا الاستاذ العلّامة الطباطبائي قدس سرّه في تفسيره الميزان: قال- بعد توضيح أنّ بيان الآية تمثيل لطيف-: و هو من لطيف التمثيل ثمّ يبشّر المؤمنين ببيعهم ذلك و يهنّئهم بالفوز العظيم «2».

فالمتحصّل: أنّ الآيات الواردة في القرآن المجيد في أمر البيعة آيات ثلاثة، و قد عرفت عدم دلالة شي‏ء منها لا بنفسها و لا بإعانة الروايات الواردة ذيلها علی ورود تقييد بالبيعة لا في أدلّة ولايتهم عليهم السّلام الفعلية و لا في إطلاق أدلّة وجوب الطاعة عنهم عليهم السّلام.

نعم ربما استفيد من الآية الثانية نفسها و من بعض الأخبار الوارد ذيلها أنّ الوفاء بالبيعة الصحيحة واجب و أنّ نكثها و نقضها حرام، و الحمد للّه.

و بعد ذلك تصل النوبة إلی البحث عن الروايات الاخر الواردة في موضوع البيعة.

 [الأخبار الواردة في البيعة و أنّه يجب الوفاء بها]

أمّا روايات البيعة فعديدة، و مقصودنا الأصيل من ذكر الروايات تحقيق أنّها هل فيها دلالة علی اشتراط فعلية ولاية المعصومين عليهم السّلام بالبيعة؟ أو علی اشتراط وجوب الإطاعة عنهم بالبيعة حتّی تكون مخالفة لإطلاق الأدلّة الكثيرة الماضية

                       

بل و لدلالة بعض الأدلّة بالصراحة أم لا؟

و يتبع هذا المقصود أمران آخران، أحدهما: أنّه إذا بايع المكلّف أحدا ممّن له ولاية الأمر حقّا فهل هذه المبايعة أيضا توجب عليه وجوب الوفاء و وجوب طاعة هذا الولي بحيث كانت نفس البيعة موضوعا تامّا لوجوب الإطاعة أم أنّها أمر لا أثر له شرعا؟ و ثانيهما: أنّه هل الإقدام بالمبايعة لمن هو وليّ الأمر واجب شرعا أم لا؟

فالأمر الأوّل من هذين الأمرين: نتعرّض له أيضا- كما تعرّضنا له ذيل بعض الآيات الثلاث الماضية- و أمّا الأمر الثاني فبإذن اللّه تعالی سنتعرّض له بعد البحث عن تلك الامور الثلاثة، فنقول: إنّ الروايات الباقية المتعرّضة للبيعة و إن كانت موجودة في مجاميعنا الحديثية إلّا أنّ أكثر ما ظفرنا به فهو مذكور في نهج البلاغة و لا سيّما في تمام نهج البلاغة المؤلّف و المطبوع جديدا.

1- فمن هذه الروايات قوله عليه السّلام في الخطبة الشقشقيّة- و قد مضت-: فما راعني إلّا و الناس [ارسالا] إليّ كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ وجه و جانب [يسألوني البيعة] حتّی لقد وطئ الحسنان و شقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة و مرقت اخری [و فسقت شر ذمة] و قسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلامه سبحانه و تعالی يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَ‏ةُ لِلْمُتَّقِينَ، بلی و اللّه لقد سمعوها و وعوها و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم و راقهم زبرجها [و أعجبهم رونقها] «1».

فهذا القسم من كلامه عليه السّلام إنّما حكی ولوع الناس إلی بيعته عليه السّلام علی ولاية الأمر، و لا محالة علی تعهّدهم لأن يجعلوه وليّ أمرهم يطيعونه في كلّ ما يرجع إلی وليّ أمر الامّة. و أمّا أنّ هذه البيعة شرط شرعا في فعلية الولاية له عليه السّلام أو في وجوب طاعته علی الناس فلا دلالة له علی واحد منهما أصلا.

نعم إنّ قوله عليه السّلام في ذيلها: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ... إلی آخره»

                       

يدلّ علی أنّ نكث البيعة و نقضها قبيح ناشئ عن إرادة العلوّ و الفساد في الأرض و عن حليّ الدنيا و زبرجها في أعينهم و لا محالة يكون محرّما، و لذلك قاتل الناكثين، فهذا القسم تام الدلالة علی وجوب الوفاء بالبيعة و عدم جواز نقضها.

2- و منها قوله عليه السّلام في خطبة له في أمر البيعة: أيّها الناس إنّكم بايعتموني علی ما بويع عليه من كان قبلي، و إنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، و إنّ علی الإمام الاستقامة و علی الرعية التسليم، و هذه بيعة عامّة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام و اتّبع غير سبيل أهله، و لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة و ليس أمري و أمركم واحدا، إنّي اريدكم للّه و أنتم تريدونني لأنفسكم «1».

فقوله عليه السّلام: «... فإذا بايعوا فلا خيار لهم ... و علی الرعية التسليم و هذه بيعة عامّة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام و اتّبع غير سبيل أهله» يدلّ دلالة واضحة علی وجوب العمل بالبيعة و أنّ الإعراض عنها إعراض عن دين الإسلام و اتباع لغير سبيل أهله، فلا محالة يكون العمل و الوفاء بالبيعة لازما و الوفاء بالبيعة عبارة اخری عن التسليم و اتّباع طاعة وليّ الأمر الّذي بايعه، فدلالة هذه الفقرة علی وجوب الوفاء بالبيعة واضحة.

و أمّا إناطة وجوب طاعة الولي بالبيعة فربّما يدّعی دلالة قوله عليه السّلام: «و إنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم» عليها، فإنّ ظاهر هذه الفقرة أنّها في مقام تثبيت وجوب الطاعة علی الناس، و قد صرّح بأنّ للناس الخيار قبل المبايعة و أنّ المبايعة توجب عليهم التسليم و تنفي هذا الخيار عنهم.

بل حيث إنّ موضوع الكلام هو المبايعة علی الولاية فيمكن أن يدّعی دلالته علی أنّ للناس الخيار في المبايعة لمن يكون في مقام التصدّي لولاية الأمر، و أنّ ولايته علی الامّة أثر لهذه المبايعة، فإن بايعوه عليها ثبتت له الولاية و خرج الناس عن الخيار، و إن لم يبايعوه فلا فهم في الخيار بين أن يجعلوه وليّ أمرهم و أن لا

                       

يجعلوه، فولايته تابعة لاختيار الناس له وليّا، و من لم يختره وليّا فليس وليّا عليه، و هو عبارة اخری عن اشتراط فعلية الولاية بالبيعة و الاختيار.

و الظاهر أنّ لهذا الاحتمال بل الاستظهار وجها، و ستأتي عدّة موارد قليلة اخری يجي‏ء فيها أيضا هذا الاحتمال. و لكنّه بعد دلالة الأدلّة المتعدّدة الكثيرة السابقة من الآيات و الروايات علی أنّ ولاية أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أمر سماويّ إلهي انزل إلی رسول اللّه من الربّ المتعال و بمرتبة من الأهمّية بحيث لو لم يبلّغه فما بلّغ رسالة اللّه و علی أنّه كرسول اللّه وليّ المؤمنين و جعل ولايتهما بل و ولاية سائر الأئمّة المعصومين عليهم السّلام عدلا لولاية اللّه تعالی- كما في آية الولاية- إلی غير ذلك ممّا مرّ، فلا محالة يكون مثل هذه الفقرة واردة لأحد الوجهين:

أحدهما: أنّ الوضعية و الأرضية الّتي اعتقد الناس عليها- إلّا للخلّص من الشيعة- أنّ الإمامة لا تتحقّق إلّا بالبيعة و أنّ الولاية حصيلة البيعة، فرعاية و نظرا إلی هذه الأرضية تكلّم الإمام عليه السّلام بهذه الفقرة و المقالة، و إن أراد أن يتكلّم بالوجه الدقيق الواقعي لزمه أن يقوم قبال ما عليه عامّة الناس و هو أمر صعب لا يحتاج إليه بالخصوص لإثبات المرام.

و الشاهد لانعقاد هذه الأرضية ما روي عنه عليه السّلام من عدّ ابتلائه ببدع و تخلّفات دينية جری عليها المتصدّون للخلافة قبله عليه السّلام و ارتكز عليها و علی صحّتها أذهان الناس، و لذا قال فيه ما حاصله إنّي لو أردت إرجاع هذه الامور إلی ما ينبغي أن تكون عليها لنادی الناس و طلبوا الخلفاء السابقة و لتفرّق الجند عنّي. فمثل هذه الأرضية تقتضي التكلّم هنا معهم و الاستدلال عليهم بهذه المقالة.

و ثانيهما: أنّه و إن لم يفرض هذه الأرضية إلّا أنّ لإثبات وجوب إطاعتهم و قبولهم لولاية وليّ الأمر الّذي هو وجوده الشريف طريقين، طريقا مبيّنا علی مقدّمات برهانية واقعية، و طريقا مقبولا عليه بناء المخاطبين. و الإمام عليه السّلام اختار هنا الطريق الثاني، فيكون استدلاله استدلالا كالجدل و به يتمّ و يثبت مدّعاه، فاكتفی به‏

                       

و ترك الطريق الآخر الّذي ربما يحتاج إلی بعض مقدّمات غير واضحة للمخاطب.

و ليكن هذا علی ذكر منك حتّی يجي‏ء بيان أتمّ و أوضح في كلماتنا الآتية إن شاء اللّه تعالی.

3- و منها قوله عليه السّلام في خطبة له قبل أيّام من استشهاده: فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم و العدل و توفير فيئكم عليكم و تعليمكم كي لا تجهلوا و تأديبكم كيما تعلموا، و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصيحة في المشهد و المغيب و الإجابة حين أدعوكم و الطاعة حين آمركم ... «1».

فقد جعل عليه السّلام من حقّه علی الامّة الوفاء بالبيعة و من لوازم الحقّ عند العقلاء أيضا وجوب أدائه إلی صاحبه، فهذه الفقرة تامّة الدلالة علی وجوب الوفاء بالبيعة إذا كانت مع من هو حقّ للولاية.

و أمّا إناطة فعلية ولايته أو وجوب الإطاعة عنه إلی المبايعة له فلا دليل فيها عليها كما لا يخفی.

ثمّ إنّه عليه السّلام أوضح في كلامه هذا قبل هذه الفقرة بصفحتين سرّ ثبوت هذا الحقّ له فقال: أمّا بعد أيّها الناس فقد جعل اللّه سبحانه لي عليكم حقّا بولايتي أمركم و منزلتي الّتي أنزلني اللّه عزّ ذكره بها من بينكم، و لكم عليّ من الحقّ مثل الّذي لي عليكم، و الحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف، و أنّ الحقّ لا يجري لأحد إلّا جری عليه و لا يجري عليه إلّا جری له ... «2».

فدلّ بهذه الفقرات علی أنّ كلّ ما له من الحقّ فقد جعله اللّه له بلحاظ ولايته أمر المسلمين و هذه المنزلة الإلهية الّتي أنزله اللّه تعالی بها، فالحقّ إلهي كالمنزلة الّتي هي ولايته لأمورهم.

4- و منها قوله عليه السّلام في نفس هذه الخطبة أيضا: يا معشر المهاجرين‏

                       

و الأنصار و جماعة من سمع كلامي! أو ما أوجبتم لي علی أنفسكم الطاعة؟ أما بايعتموني علی الرغبة؟ أ لم آخذ عليكم العهد بالقبول لقولي؟ أما كانت بيعتي لكم أوكد من بيعة أبي بكر و عمر؟ فما بال من خالفني لم ينقضّ عليهما حتّی مضيا و نقض عليّ و لم يف لي؟ أما تعلمون أنّ بيعتي تلزم الشاهد منكم و الغائب؟ فما بال معاوية و أصحابه طاعنين في بيعتي؟ و لم لم يفوا بها لي و أنا في قرابتي و سابقتي و صهري أولی بالأمر ممّن تقدّمني ...»

.

فهذه الفقرات أيضا كما تری تدلّ بوضوح علی لزوم الوفاء بالبيعة إذا كانت بيعة لمن يستحقّ الولاية، و هو عليه السّلام يحتجّ بهذا اللازم البيّن عليهم، فهذا المدلول لها مسلّم إلّا أنّها لا دلالة لها علی نفي وجوب الطاعة أو نفي الولاية عنه عليه السّلام إذا لم يبايع له، بل الفقرة التالية لها بلا فصل- أعني قوله عليه السّلام: «أما سمعتم قول رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله يوم الغدير في ولايتي و موالاتي؟!»- تدلّ علی ثبوت هذه الولاية و وجوب الطاعة بقول الرسول صلّی اللّه عليه و آله فيه الّذي هو قول اللّه تعالی و تبليغ لما انزل عليه من ربّه كما في قوله تعالی: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ.

و بالجملة: فدلالة هذه الفقرات علی وجوب الوفاء بالبيعة واضحة و إن لم تدلّ علی اشتراط الولاية أو وجوب الطاعة بها، بل ربما دلّت بقرينة الفقرة التالية علی خلافه.

5- و منها قوله عليه السّلام لمروان بن الحكم لمّا اسر يوم الجمل و استشفع له الحسن و الحسين عليهما السّلام إلی أمير المؤمنين و كلّماه فيه، فاستجاب عليه السّلام لهما، ثمّ قالا له:

يبايعك يا أمير المؤمنين: فقال عليه السّلام:

 «أ لم يبايعني بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته، إنّها كفّ يهوديّة لو بايعني بكفّه عشرين مرّة لغدر بسبّته «2».

                       

فقوله الأخير ظاهر في أنّ ما يترتب علی البيعة إنّما هو الوفاء بها، و إنّ الوفاء بها لازم، إلّا أنّ مروانا غادر باسته علی خلاف ما يقتضيه بيعته بكفّه، فإذن فلا حاجة إلی بيعته.

فهذا الذيل دالّ علی وجوب الوفاء بالبيعة إلّا أنّه لا دلالة فيه علی اشتراط فعلية الولاية الإلهية و لا وجوب طاعة الوليّ الإلهي الإلهي بها أصلا.

روايات طلحة و الزبير و ما إليها:

6- و منها روايات متعدّدة نقلها عنه عليه السّلام تمام نهج البلاغة أو و نهج البلاغة أيضا ناظرة إلی مسألة طلحة و الزبير و نكثهما للبيعة و إلی حرب الجمل.

و الأولی أن نلتفت أوّلا إلی زمان وقوع هذه الحرب و علّتها و ذكر ما فعل طلحة و الزبير إلی أن انتهی إلی حرب الجمل، فنقول:

إنّ المحدّث الكبير المجلسي صاحب البحار قدّس سرّه نقل في الباب الأوّل من تاريخ عليّ أمير المؤمنين من كتابه القيّم «بحار الأنوار» عن الكامل لابن الأثير «أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجّة سنة خمس و ثلاثين من الهجرة» «1» إلّا أنّ المستفاد ممّا نقله هو أيضا عن ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلا عن أبي جعفر الإسكافي أنّ هذا اليوم هو يوم الجمعة السابق علی هذه الجمعة؛ فإنّه بعد نقل بيعة الناس بالولاية له عليه السّلام قال: «ثمّ بويع و صعد في اليوم الثاني من يوم البيعة و هو يوم السبت لإحدی عشرة ليلة بقين من ذي الحجّة فحمد اللّه و أثنی عليه ... ثمّ ذكر خطبته 2. فهما متفقان في الشهر مختلفان في يومها باسبوع واحد.

و فيما نقله عن الكامل لابن الأثير: «و كان أوّل من بايعه عليه السّلام من الناس طلحة ابن عبيد اللّه ... فبايعه الزبير، و قال لهما عليّ عليه السّلام: إن أحببتما أن تبايعا لي و إن أحببتما

                       

بايعتكما، فقالا: بل نبايعك، و قالا بعد ذلك: إنّما صنعنا ذلك خشية علی أنفسنا و عرفنا أنّه لا يبايعنا، و هربا إلی مكّة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر، و بايعه الناس [بعد ما بايعه طلحة و الزبير] «1» و سيأتي في كلامه عليه السّلام أيضا أنّ أوّل من بايعه طلحة و الزبير.

أقول: فضمّ هذا الأخير إلی ما قاله أوّلا من أنّ زمان البيعة له عليه السّلام شهر ذي الحجّة أنّ طلحة و الزبير دخلا مكّة في شهر ربيع الثاني من السنة الستّ و الثلاثين.

و في البحار عن كتاب العدد القوية تأليف عليّ ابن سديد الدين العلّامة يوسف ابن عليّ بن مطهّر الحلّي أنّه قال: في تاريخ المفيد: في النصف من جمادي الاولی سنة ستّ و ثلاثين من الهجرة كان فتح البصرة و نزول النصر من اللّه تعالی علی أمير المؤمنين عليه السّلام «2».

و هو قدّس سرّه روی عن المناقب لابن شهر آشوب أنّه نقل عن جمل أنساب الأشراف:

أنّه زحف عليّ عليه السّلام بالناس غداة يوم الجمعة لعشر خلون من جمادی الآخرة سنة ستّ و ثلاثين علی ميمنته الأشتر و سعد بن قيس- فذكر كيفية تركيب العسكر- 3. و تاريخ جمادی الآخرة مذكور في كتاب له عليه السّلام إلی أهل الكوفة سيأتي تحت الرقم 8، فبين النقلين خلاف في مدّته بشهر لكنّهما متفقان في أنّه كان في سنة ستّ و ثلاثين.

و هو قدّس سرّه روی عن إرشاد الشيخ المفيد قدّس سرّه أنّه عليه السّلام قال في كلام له بذي قار:

 «نحن أهل البيت و عترة الرسول و أحقّ الخلق بسلطان الرسالة و معدن الكرامة الّتي ابتدأ اللّه بها هذه الامّة، و هذا طلحة و الزبير ليسا من أهل النبوّة و لا من ذرّية الرسول حين رأيا أنّ اللّه ردّ علينا حقّنا بعد أعصر، لم يصبرا حولا واحدا و لا شهرا كاملا حتّی وثبا علی دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقّي و يفرّقا جماعة المسلمين عنّي، ثمّ دعا عليه السّلام عليهما 4.

فهذا المقال منه عليه السّلام إنّما يدلّ علی أنّ فتنتهما كانت سنة ستّ و ثلاثين.

                       

و نقله أيضا عن احتجاج الطبرسي أنه عليه السّلام قاله في كلام و لم يذكر مكانه «1».

و نقل أيضا فيه عن كتاب الكافية للشيخ المفيد قدّس سرّه عن أبي مخنف ... عن محمّد ابن بشير الهمداني أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام ذكر في كتاب له إلی أهل الكوفة في قصّة حرب الجمل: أمّا بعد فإنّا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا و المفارقين لجماعتنا الباغين علينا في امّتنا فحججناهم فحاكمناهم إلی اللّه فأدلّنا عليهم فقتل طلحة و الزبير ... إلی آخر الكتاب، و في آخره: «كتب عبيد اللّه بن أبي رافع في رجب سنة ستّ و ثلاثين» «2».

فمن ملاحظة هذه التواريخ يعلم زمن وقوع حرب الجمل و يعلم أنّه كان بعد خمسة أو ستّة أشهر من مبايعة الناس له عليه السّلام و أنّ هذا الحرب أوّل حرب وقعت في زمان ولايته عليه السّلام و أنّ طلحة و الزبير أوّل من قاما في مقابله و أساءا الاستفادة من وجود عائشة زوجة الرسول صلّی اللّه عليه و آله مع ما كانت عليه من سوء النظر و الحقد لعليّ أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ما كانت مطّلعة بحسن سابقته الإسلامية و علوّ مكانه عند اللّه و عند رسوله صلّی اللّه عليه و آله.

فبعد هذه التبصرة نذكر الروايات الواردة فيهما و في حرب الجمل و نجتهد في أن نسردها بحسب ترتيب الزمان:

1/ 6- فمنها قوله عليه السّلام في كلام له ردّا علی زعم الزبير أنّه بايع تورية: يزعم أنّه قد بايع بيده و لم يبايعه بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة و ادّعی الوليجة فليأت عليها بأمر يعرف و إلّا فليدخل فيما خرج منه «3».

فظاهر هذا الكلام أنّه عليه السّلام قاله في أوائل أمر الزبير حين ما كان يدّعي أنّه لم يبايع الأمير عليه السّلام فردّ عليه السّلام مقالته بأنّه مقرّ بأصل البيعة لكنّه يدّعي خلاف ما هو ظاهرها، و ظاهر البيعة الدالّة علی موافقة القلب معها حجّة علی هذا الوفاق فيثبت بيعته بقلبه أيضا فعليه أن يدخل فيما تقتضيه البيعة الموافقة للقلب من إطاعة وليّ أمره الّذي بايعه.

                       

فالحديث ظاهر في وجوب الوفاء بالبيعة و أمّا اشتراط وجوب طاعة وليّ الأمر بها فربما يتخيّل دلالة قوله عليه السّلام: «فليأت عليها بأمر يعرف و إلّا فليدخل فيما خرج منه» عليه، حيث اشترط وجوب الدخول في الإطاعة بأن لا يأتي علی دعواه حجّة مقبولة و مفهومه أنّه إن أثبت عدم موافقة قلبه لا يجب عليه الطاعة و هو عين الاشتراط المذكور.

لكنّه تخيّل ضعيف باطل، فإنّه عليه السّلام إنّما يكون في مقام بيان أثر البيعة و أنّه مشروط بموافقة القلب و أمّا الوجوب الآخر فلا تعرّض لكلامه بالنسبة إليه، و المفروض أنّ وجوب طاعة الولي المستفاد من أدلّة الأمر بطاعته أو من كونه من لوازم فعلية الولاية المطلقة وجوب آخر غير ناش عن البيعة، فليس في كلامه عليه السّلام هذا نفيا له و لا محالة يكون إطلاقات وجوب الإطاعة كأدلّة فعلية الولاية باقية علی مقتضاها.

2/ 6- و منها قوله عليه السّلام في كتاب له إلی طلحة و الزبير و عائشة: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلی طلحة و الزبير و عائشة، سلام عليكم، أمّا بعد يا طلحة و يا زبير فقد علمتما و إن كتمتما أنّي لم أرد الناس حتّی أرادوني و لم أبايعهم حتّی بايعوني، و أنّكما ممّن أرادني و بايعني، و أنّ العامّة لم تبايعني لسلطان غالب و لا لعرض حاضر، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا عمّا أنتما عليه و توبا إلی اللّه عزّ و جلّ من قريب، و إن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهار كما الطاعة و إسرار كما المعصية، و لعمري ما كنتما بأحقّ المهاجرين بالتقية و الكتمان، إنّك يا زبير لفارس رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و حواريه، و إنّك يا طلحة لشيخ المهاجرين، و إنّ دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقرار كما به، و قد عرفتما منزلتي من رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله.

و قد زعمتما أنّي قتلت عثمان بن عفّان فبيني و بينكما من تخلّف عنّي و عنكما من أهل المدينة ثمّ يلزم كلّ امرئ بقدر ما احتمل.

و قد زعمتما أنّي آويت قتلة عثمان فهؤلاء بنو عثمان أولياؤه فليدخلوا في‏

                       

طاعتي ثمّ يخاصموا إليّ قتلة أبيهم، و ما أنتما و عثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما.

و قد بايعتماني و أنتما بين خصلتين قبيحتين: نكث بيعتكما و إخراجكما امّكما من بيتها الّذي أمر اللّه تعالی أن تقرّ فيه، و اللّه حسبكما. فارجعا أيّها الشيخان عن رأيكما فإنّ الآن أعظم أمر كما العار من قبل أن يجتمع العار و النار «1».

و هذا المقال كما تری يدلّ بوضوح علی أنّ نكث البيعة و نقضها خصلة قبيحة يقتضي التداوم عليه و عدم التوبة من النار، فلا محالة هو معصية توجب دخول الجحيم، هذا بالنسبة إلی الفقرة الأخيرة، و قد آذن عليه السّلام صدر كلامه بقوله: «فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا عمّا أنتما إليه و توبا إلی اللّه عزّ و جلّ من قريب» و هو يدلّ علی أنّ التخلّف عن مقتضی البيعة ذنب يجب التوبة عنه إلی اللّه تعالی.

فدلالة كلامه عليه السّلام هذا علی وجوب الوفاء بالبيعة و علی أنّ نقضها معصية واضحة تامّة.

و ما اشتراط فعلية الولاية أو وجوب الإطاعة عن وليّ الأمر الإلهي بالبيعة فلا دلالة فيه عليه إلّا بزعم تحقّق المفهوم لمثل قوله عليه السّلام: «و إن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقرار كما به» بالبيان الّذي في الحديث السابق الّذي عرفت ضعفه، مضافا إلی أنّ ترتب الأوسعية علی عدم الدخول فيه لا يقتضي نفي المعصية من رأس بل يصدق علی مجرّد عدم ترتّب معصية نقض البيعة و إن اشترك كلاهما في ترتّب عقاب عدم إطاعة وليّ الأمر عليهما.

3/ 6- و منها قوله عليه السّلام في خطبة خطب بها قبل حرب الجمل في تعليم أصحابه آداب الحرب: عباد اللّه، انهدّوا إلی هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنّهم نكثوا بيعتي و قتلوا شيعتي و نكّلوا بابن حنيف عاملي و أخرجوه من البصرة بعد أن آلموه بالضرب المبرح و العقوبة الشديدة و هو شيخ من وجوه الأنصار و الفضلاء و لم يرعوا له حرمة، و قتلوا السبابجة، و مثّلوا بحكيم بن جبلّة العبديّ‏

                       

ظلما و عدوانا لغضبه للّه تعالی، و قتلوا رجالا صالحين [من‏] شيعتي بعد ما ضربوهم ثمّ تتبّعوا من نجا منهم يأخذونهم في كلّ غابية و تحت كلّ رابية ثمّ يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا، ما لهم؟! قاتلهم اللّه أنّی يؤفكون، فانهدّوا إليهم عباد اللّه و كونوا أشدّاء عليهم فإنّهم شرار و مساعدهم علی الباطل شرار ... «1».

فهذا المقال منه عليه السّلام دليل علی وجوب الوفاء بالبيعة، فإنّه أمر أصحابه بقتال أصحاب الجمل معلّلا بامور متعدّدة أوّلها نكثهم للبيعة، فلا محالة يكون كلّ من هذه الامور معصية عظيمة توجب قتال من ارتكبها.

نعم لا مجال لتوهّم دلالته علی اشتراط فعلية الولاية أو وجوب الطاعة بالبيعة كما لا يخفی.

4/ 6- و منها قوله عليه السّلام في كتاب له إلی الكوفة عند مصيره من المدينة إلی البصرة: من عبد اللّه و وليّه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين إلی أهل الكوفة من المؤمنين و المسلمين جبهة الأنصار و سنام العرب ... و كان هذان الرجلان أوّل من بايعني علی ما بويع عليه من كان قبلي، ثمّ خرجا يطلبان بدم عثمان و هما اللذان فعلا بعثمان ما فعلا، و اللّه يعلم أنّي لم أجد بدّا من الدخول في هذا الأمر، و لو علمت أنّ أحدا أولی به منّي لما تقدّمت إليه، و عجبت لهما كيف أطاعا أبا بكر و عمر في البيعة و أبيا ذلك عليّ و هما يعلمان أنّي لست دون واحد منهما، مع أنّي قد عرضت عليهما قبل أن يبايعاني إذا أحبّا بايعت لأحدهما، فقالا: لا ننفس علی ذلك بل نبايعك و نقدّمك علينا بحقّ فبايعا.

ثمّ إنّهما استأذناني في العمرة و ليسا ايّاها أرادا فأذنت لهما، فنقضا العهد و نصبا الحرب و أخرجا أمّ المؤمنين عائشة من بيتها ليتّخذانها فئة، و قد سارا إلی البصرة اختيارا لها و قد سرت إليكم اختيارا لكم «2».

                       

فهذا المقال أيضا كما تری يؤكّد في تقبيح فعل طلحة و الزبير بأنّهما أبيا طاعته في البيعة و نقضا العهد، و هذا الإباء و النقض هو الداعي له عليه السّلام إلی قتالهما و قتال أصحاب الجمل و هذا الكتاب كتب إلی أهل الكوفة و أرسل عليه السّلام معه إليهم ابنه الأكبر الحسن بن عليّ عليهما السّلام و ثلاثة رجال عظماء من أصحابه- كما ذكره فيه- ليسرعوا إليه عليه السّلام و يبادروا جهاد عدوّهم، فلا محالة يكون مفاد الكتاب أنّ نقض البيعة ذنب كبير يوجب قتال من ارتكبه.

فدلالة هذا المقال علی وجوب الوفاء بالبيعة تامّة و إن لم يكن فيه دلالة علی الاشتراط المذكور.

5/ 6- و منها قوله عليه السّلام في كتاب له إلی أهل الكوفة أيضا عند مسيره من المدينة إلی البصرة: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلی من بالكوفة من المسلمين، أمّا بعد، فإنّي قد خرجت مخرجي من حيّي إمّا ظالما و إمّا مظلوما و إمّا باغيا و إمّا مبغيّا عليه، و أنا اذكّر اللّه عزّ و جلّ من بلغه كتابي هذا لما نفر إليّ، فإن كنت محسنا أعانني و إن كنت مسيئا استعتبني، و اللّه إنّ طلحة و الزبير لأوّل من بايعني و أوّل من غدر، فهل استأثرت بمال أو بدّلت حكما؟! فانفروا فمروا بمعروف و انهوا عن منكر، و السلام «1».

و هذا الكتاب أيضا مع كمال اشتماله علی تواضعه عليه السّلام في مقام دعوة أهل الكوفة إلی قتال أصحاب الجمل علّل وجه وجوب هذا القتال ما يدلّ عليه قوله عليه السّلام: «و اللّه إنّ طلحة و الزبير لأوّل من بايعني و أوّل من غدر» فجعل عذرهما بعد بيعتهما هو المجوّز بل الموجب لقتالهما و قتال من سعی معهما في الأرض الفساد، فلا محالة يكون نقض البيعة و نكثها من الذنوب الموجبة للقتال للناكث.

فدلالة هذا الكتاب أيضا علی حرمة نقض البيعة تامّة و إن لم يكن فيه أثر من الدلالة علی ذاك الاشتراط.

6/ 6- و منها قوله عليه السّلام في خطبة يذمّ فيها أهل البصرة بعد وقعة الجمل: ...

                       

خفّت عقولكم و سفهت حلومكم، شهرتم علينا سيوفكم و سفكتم دماءكم و خالفتم إمامكم، اللّه أمركم بجهادي أم علی اللّه تفترون؟! يا أهل البصرة، قد نكثتم بيعتي و ظاهرتم علی ذوي عداوتي، فما ظنّكم الآن بي و قد أمكنني اللّه منكم و أسلمكم بأعمالكم؟

فقام إليه رجل منهم فقال: نظنّ خيرا يا أمير المؤمنين و نری أنّك ظفرت و قدرت فإن عاقبت فقد أجرمنا و إن عفوت فالعفو أحبّ إلی ربّ العالمين.

فقال عليه السّلام: قد عفوت عنكم فإيّاكم أن تعودوا لمثلها، فإنّكم أوّل من نكث البيعة و شقّ عصا هذه الامّة و شرع القتال و الشقاق و ترك الحقّ و الإنصاف، فأنتم غرض لنا بل و أكلة لآكل و فريسة لصائل، النار لكم مدّخر و العار لكم مفخر، المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه و الشاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه و ما اللّه بظلّام للعبيد فارجعوا عن الحوبة و أخلصوا فيما بينكم و بين اللّه بالتوبة ... «1».

فإنّه عليه السّلام وبّخهم أوّلا علی نكث البيعة و علّل تحذيره الالزامي عن عودهم لمثلها بجهات، أوّلها أنّهم أوّل من نكث البيعة، و أمرهم أخيرا بأن يخلصوا إلی اللّه بالتوبة، و كلّ من هذه الجهات دليل تامّ كاف في الدلالة علی وجوب الوفاء بالبيعة كما لا يخفی.

نعم لا مجال لتوهّم دلالته علی الاشتراط المذكور كما هو واضح.

7/ 6- و منها قوله عليه السّلام في كتاب له إلی أهل البصرة بعد مضيّ زمان علی وقعة الجمل و فيه إشارة إلی تلك الوقعة: ... و قد كان من انتشار حبلكم و شقاقكم أيّها الناس ما لم تغبوا عنه، فعفوت عن مجرمكم و رفعت السيف عن مدبركم و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي و تستقيموا علی طاعتي أعمل فيكم بالكتاب و السنّة و قصد الحقّ و اقم فيكم سبيل الهدی، فو اللّه ما أعلم أنّ واليا بعد محمّد صلّی اللّه عليه و آله أعلم بذلك منّي و لا أعمل، أقول قولي هذا صادقا غير ذامّ لمن مضی و لا منتقصا لأعمالهم، فإن خطت بكم الامور المردية و سفه‏

                       

الآراء الجائرة إلی منابذتي و خلافي فها أنا ذا قد قرّبت جيادي و رحلت ركابي، و أيم اللّه لئن الجأتموني إلی المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل اليها إلّا كلعقة لاعق و انّي لظانّ أن لا تجعلوا إن شاء اللّه علی أنفسكم سبيلا ... «1».

فهو كما تری بعد فرض أخذ بيعتهم له عليه السّلام قد رتّب علی الوفاء بالبيعة أن يعمل فيهم بالكتاب و السنّة و يقيم فيهم سبيل الهدی و علی منابذتهم له الّتي هي عبارة اخری عن عدم الوفاء و الاعتناء بالبيعة مقاتلتهم و ايقاع وقعة عليهم أشدّ بمراتب عن وقعة الجمل، فدلالته علی وجوب الوفاء بالبيعة علی أنّ ترك الوفاء بها معصية واضحة.

نعم لا دلالة فيه علی أنّ فعلية الولاية أو وجوب الإطاعة منوطة بالبيعة.

8/ 6- و منها قوله عليه السّلام في كتاب له إلی أهل الكوفة يحكي لهم كيفية الأمر في قتال الجمل: ... ثمّ إنّي اخبركم عنّا و عمّن سرنا إليهم من جمع طلحة و الزبير بعد نكثهما علی ما قد علمتم من صفقة أيمانهما و هما طائعان غير مكرهين و تنكّبهما عن الحقّ، فخرجت من المدينة بمن خرجت ممّن سارع إلی بيعتي و إلی الحق [من‏] المهاجرين و الأنصار حتّی أتينا ذا قار.

فبعثت ابني الحسن و عبد اللّه بن عبّاس ابن عمّي و عمّار بن ياسر و قيس بن سعد بن عبادة فاستنفرتكم لحقّ اللّه و حقّ رسوله صلّی اللّه عليه و آله و حقّنا فأجابني إخوانكم سرعا حتّی قدموا عليّ فسرت بهم و بالمسارعة إلی طاعة اللّه حتّی نزلت ظهر البصرة.

و قدم طلحة و الزبير البصرة و صنعا بعاملي عثمان بن حنيف ما صنعا، فقدّمت إليهم الرسل و أعذرت كلّ الأعذار و أقمت الحجّة و أقلت العثرة و الزلّة من أهل الردّة من قريش و غيرهم و استتبتهم من نكثهم بيعتي و عهد اللّه لي عليهم و ناشدتهم عقد بيعتهم فأبوا إلّا قتالي و قتال من معي و التمادي في الغيّ.

فلقينا القوم الناكثين لبيعتنا المفرّقين لجماعتنا الباغين علينا من امّتنا فلم أجد

                       

بدّا من مناصفتهم لي فاستعنت اللّه عليهم و ناهضتهم بالجهاد في النصف من جمادی الآخرة بالخريبة فناء من أفنية البصرة، فقتل اللّه من قتل منهم ناكث و نصرنا اللّه عليهم، و قتل طلحة و الزبير علی نكثهما و شقاقهما، و قد تقدّمت إليهما بالمعذرة و أبلغت إليهما بالنصيحة و أشهدت عليهما صلحاء الامّة و مكّنتهما في البيعة فما أطاعا المرشدين و لا أجابا الناصحين.

و لاذ أهل البغي بعائشة فقتل حولها عالم جمّ لا يحصي عددهم إلّا اللّه، ثمّ ضرب اللّه وجه بقيّتهم فأدبروا، و ولّی من ولّی إلی مصره، فكانت المرأة أشأم من ناقة الحجر علی أهل ذلك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها لربّها و نبيّه من الحرب و اغترار من اغترّ بها، و ما صنعته من التفرقة بين المؤمنين و سفك دماء المسلمين بلا بيّنة و لا معذرة و لا حجّة ظاهرة لها ... «1».

فهذا القول المبارك كما تری قد ذكر أوّل صفة لطلحة و الزبير نكثهما و نقضهما للبيعة ثمّ وصف جمعهما بصفة الناكثين لبيعته و قال: «فلقينا القوم الناكثين لبيعتنا» و في المرّة الثالثة الأخيرة أفاد «قتل طلحة و الزبير علی نكثهما» فلا يبقی ريب في أنّ نكث البيعة ذنب عظيم يوجب قتال من ارتكبه، و من الواضح أنّ ذكر صفات اخر قبيحة مذمومة لهم اضافة علی وصف النكث لا ينافي ظهور كلامه عليه السّلام في أنّ النكث للبيعة ذنب عظيم بنفسه لا سيّما بعد ذاك التأكيد عليه بالتكرارات المذكورة.

فدلالة هذا القول أيضا علی وجوب الوفاء بالبيعة و أنّ نكثها ذنب عظيم تامّة و إن لم يكن فيه إشعار باشتراط فعلية ولايتهم و لا وجوب إطاعتهم بالمبايعة، و يكون مقتضی تلك الأدلّة محفوظا.

9/ 6- و منها كلامه عليه السّلام في خطبة خطب بها حين بلغه خلع طلحة و الزبير بيعتهما و أنّهما قدما البصرة مع عائشة: ... لكنّي لمّا اجتمع عليّ ملأكم نظرت فلم يسعني ردّكم، حيث اجتمعتم فبايعتموني مختارين و بايعني في أوّلكم طلحة و الزبير

                       

طائعين غير مكرهين و أنا أعرف الغدر في وجهيهما و النكث في عينيهما، ثمّ ما لبثا أن استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان و اللّه يعلم أنّهما أرادا الغدرة، فجدّدت عليهما العهد في الطاعة و أن لا يبغيا للأمّة الغوائل فعاهداني، ثمّ لم يفيا لي و نكثا بيعتي و نقضا عهدي، فسارا إلی مكّة، و استخفّا عائشة فخدعاها، و شخص معهما أبناء الطلقاء فقدما البصرة و قد اجتمع أهلها علی طاعة اللّه و بيعتي، فدعواهم إلی معصية اللّه و خلافي، فمن أطاعهما منهم فتنوه و من عصاهما قتلوه.

فيا عجبا لاستقامتهما [لانقيادهما- خ ل‏] لأبي بكر و عمر و بغيهما عليّ [خلافهما لي- خ ل‏] و اللّه إنّهما ليعلمان أنّي لست بدون أحد الرجلين [رجل ممّن قد مضی- خ ل‏] و لو شئت أن أقول لقلت، اللّهمّ اغضب عليهما بما صنعا في حقّي و ظفّرني بهما. و قد كان من قتلهم حكيم بن جبلّة ما بلغكم و قتلهم السبابجة و فعلهم بعثمان ابن حنيف ما لم يخف عليكم ....

و لقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عنّي و خرجا يوهمان الطغام و الأعراب أنّهما يطلبان بدم عثمان و أنّ دم عثمان لمعصوب بهما و مطلوب منهما، و اللّه أنّهما لعلی ضلالة صمّاء و جهالة عمياء، وا عجبا لطلحة! ألب الناس علی ابن عفّان حتّی إذا قتل أعطاني صفقة يمينه طائعا ثمّ نكث بيعتي و طفق ينعی ابن عفّان ظالما و جاء يطلبني يزعم بدمه، و اللّه ما استعجل متجرّدا للطلب بدم عثمان إلّا خوفا من أن يطالب بدمه لأنّه مظنّته، و لم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الأمر و يقع الشكّ ....

أيّها الناس، إنّ اللّه عزّ و جلّ افترض الجهاد فعظّمه و جعله نصرته و ناصره، و اللّه ما صلحت الدنيا قطّ و لا الدين إلّا به، ألا و إنّ الشيطان قد جمع حزبه و استجلب خيله و رجله و من أطاعه ليعود له دينه و سنّته و حثّ زينته في ذلك و خدعه و غروره و ينظر ما يأتيه ....

أيّها الناس، إنّ عائشة سارت إلی البصرة و معها طلحة و الزبير و كلّ واحد منهما

                       

يرجو الأمر له و يعطفه عليه دون صاحبه ... و اللّه لقد علمت أنّ راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة و لا تحلّ عقدة و لا تنزل منزلا إلّا في معصية اللّه و سخطه حتّی تورد نفسها و من معها موارد الهلكة، إي و اللّه ليقتلنّ ثلثهم و ليهربنّ ثلثهم و ليتوبنّ ثلثهم، و إنّها و اللّه الّتي تنبحها كلاب الحوأب فهل يعتبر معتبر و يتفكّر متفكّر؟! ...

و لقد استثبتهما قبل القتال و استأنيت بهما أمام الوقاع فغمطا النعمة و ردّا العافية، و أيم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بريّ و لا يعبون بعده في حسي و لا يلقون بعده ريّا أبدا ....

و هذا طلحة و الزبير ... حين رأيا أنّ اللّه قد ردّ علينا حقّنا بعد أعصر لم يصبرا حولا كاملا و لا شهرا واحدا حتّی وثبا علی دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقّي و يفرّقا جماعة المسلمين عنّي.

و اللّه الّذي لا إله إلّا هو إنّ طلحة و الزبير و عائشة بايعوني و نكثوا بيعتي و ما استأنّوا فيّ حتّی يعرفوا جوري من عدلي و إنّهم ليعلمون أنّي علی الحقّ و أنّهم مبطلون، و ربّ عالم قد قتله جهله و علمه معه لا ينفعه، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل ....

و انّها للفئة الناكثة الباغية فيها الحمأ و الحمّة و الشبهة المغدقة و قد طالت جلبتها و أمكنت من درتها و انكفت جونتها ....

يا أيّها الناس، إنّي قد راغبت هؤلاء القوم و ناشدتهم كي يرعووا أو يرجعوا فلم يفعلوا و لم يستجيبوا [ثمّ‏] إنّي أتيت هؤلاء القوم و وبّختهم بنكثهم و عرّفتهم بغيّهم و دعوتهم و احتججت عليهم فلم يستجيبوا و قد خرجوا من هدی إلی ضلال و دعوناهم إلی الرضا و دعونا إلی السخط فحلّ لنا و لكم ردّهم إلی الحقّ بالقتال و حلّ لهم بقصاصهم القتل و قد كشفوا الآن القناع و آذنوا بالحرب ....

و إنّي مع هذا لداعيهم و معذّر اليهم فإن تابوا و قبلوا و أجابوا و أنابوا فالتوبة مقبولة و الحقّ أولی ما انصرف إليه و ليس علی اللّه كفران، و إن أبوا أعطيتهم حدّ السيف و كفی به شافيا من الباطل و ناصرا للحقّ ....

                       

ثمّ رفع أمير المؤمنين عليه السّلام يديه فدعا علی طلحة و الزبير و قال:

اللّهمّ احكم عليهما بما صنعا في حقّي و صغّرا من أمري و ظفّرني بهما، اللّهمّ خذهما بما عملا أخذة رابية و لا تنعش لهما صرعة و لا تقلهما عثرة و لا تمهلهما فواقا، اللّهمّ إنّهما قطعاني و ظلماني و ألّبا الناس عليّ و نكثا بيعتي فاحلل ما عقدا و لا تحكم لهما ما أبرما و لا تغفر لهما أبدا و أرهما المساءة في ما أملا و عملا.

اللّهمّ إنّي أقتضيك وعدك فإنّك قلت و قولك الحق: و من بغي عليه لينصرنّه اللّه، اللّهمّ فأنجز لي موعدي و لا تكلني إلی نفسي إنّك علی كلّ شي‏ء قدير «1».

فهذه المقالات المباركة الحاكية عن شدّة ألمه و هو حليم ذو أناة بعض من خطبة طويلة خطب بها بعد ما بلغه نكث طلحة و الزبير للبيعة و قدومهما للبصرة، و قد اشتملت مواضع كثيرة منها علی توبيخهما علی نكث البيعة، كلّ منها دليل علی عدم جواز النكث، و قد اشتملت علی أنّهما زادا علی مجرّد النكث بجمع قوم و أرادا البغي و الفساد في الأرض لكنّه معصية اخری و لا ينافي وجوب الوفاء بالبيعة و كون النكث بنفسه ذنبا كما مرّ.

فتری أنّه عليه السّلام قد دعا عليهما و طلب من اللّه تعالی أن لا يغفر لهما أبدا مفرّعا علی أنّهما نكثا بيعته.

و قال فيهما: إنّهم إن تابوا و أنابوا فالتوبة مقبولة، و إن أبوا أعطيتهم حدّ السيف الشافي من الباطل و الناصر للحقّ.

و قال: إنّه وبّخهم بنكثهم و عرّفهم بغيّهم و مع ذلك دعوه إلی السخط فحلّ قتالهم.

و قال عليه السّلام منيبا إليه تعالی: إنّ طلحة و الزبير و عائشة بايعوني و نكثوا بيعتي و هم يعلمون أنّي علی الحقّ و أنّهم مبطلون.

و قال عليه السّلام- فيما إذا أتياه مستأذنين في ظاهر كلامهما للمسير إلی زيارة عمرة-: فجدّدت عليهما العهد في الطاعة و أن لا يبغيا للأمّة الغوائل فعاهداني، ثمّ‏

                       

لم يفيا لي و نكثا بيعتي و نقضا عهدي ... إلی غير ذلك.

فذكره عليه السّلام كرارا لنكث البيعة و توبيخهما عليه و استتابتهما منه و تجويزه لقتالهما به و طلب عدم غفرانهما به من اللّه كلّ ذلك دليل علی عظم أمر البيعة و كون النكث لها ذنبا عظيما.

نعم لا دلالة في شي‏ء من هذه الموارد و لا غيرها علی اشتراط فعلية ولاية المعصومين عليهم السّلام و لا وجوب الإطاعة لهم بالمبايعة و يكون مقتضی الأدلّة فيهما باقيا علی حاله.

10/ 6- و منها قوله عليه السّلام في خطبة طويلة في تعريف الإسلام و الإيمان و الكفر و النفاق:

ففي أثناء هذه الخطبة قام إليه رجل فقطع عليه كلامه و قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا علی م قاتلت طلحة و الزبير؟

فقال عليه السّلام: «قاتلتهم علی نقضهم بيعتي و قتلهم شيعتي من المؤمنين: حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس، و السبابجة و الأساورة بلا حقّ استوجبوه منهما و لا كان ذلك لهما دون الإمام، و لو أنّهما فعلا ذلك بأبي بكر و عمر لقاتلاهما، و لقد علم من هاهنا من أصحاب النبيّ صلّی اللّه عليه و آله أنّ أبا بكر و عمر لم يرضيا ممّن امتنع من بيعة أبي بكر حين بايع و هو كاره و لم يكونوا بايعوه بعد الأنصار، فما بالي و قد بايعاني طائعين غير مكرهين. و لكنّهما طمعا منّي في ولاية البصرة و اليمن، فلمّا لم اولّهما و جاءهما الّذي غلب من حبّهما الدنيا و حرصهما عليها لما خفت أن يتخذا عباد اللّه خولا و مال المسلمين لأنفسهما دولا فلمّا زويت ذلك عنهما و ذلك بعد أن جرّبتهما و احتججت عليهما» «1».

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمت8 قسمت 10 »

پیام هفته

گفتار نرم و خوب با مردم
قرآن : ... قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ...  (سوره بقره، آیه 83)ترجمه: با مردم خوب و نرم سخن بگویید(هرکس که می خواهد باشد).حدیث: قَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ : یا معاذ، اوصیک ... و لین الکلام ... (نزهه الناظر و تنبیه الخاطر، ص 30)ترجمه: رسول خدا(صلی الله علیه و آله و سلم) از سفارش هایی که معاذ بن جبل کرد وقتی او را به عنوان حاکم به یمن می فرستاد: به تو سفارش می کنم که با مردم، نرم و با مدارا سخن بگویی.

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+
پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید