قسمت7

و نحن بإذن اللّه تعالی و توفيقه بعد مطالعة كتاب تمام نهج البلاغة قد وقفنا علی موارد جمّة لا بدّ من ذكرها في عداد أخبار الباب فإنّها منها كما لا يخفی.

و لعناية خاصّة بأخبار نهج البلاغة و تمامه نذكر هذه المذكورات تحت عنوان خاصّ فنقول:

تكملة للطائفة الخامسة الماضية من نهج البلاغة و تمامه: [و هي 37 حديثا]

1- فمنها قوله عليه السّلام: أين الّذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذبا و بغيا علينا و حسدا لنا، أن رفعنا اللّه سبحانه و وضعهم، و أعطانا و حرمهم، و أدخلنا و أخرجهم، بنا يستطعی الهدی [لا بهم‏] و بنا يستجلی العمی [لا بهم‏] إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح علی سواهم و لا تصلح الولاة من غيرهم»

.

فجملته الأخيرة واضحة الدلالة علی اختصاص إمامة الأمّة و الولاية عليها بهذا البطن من هاشم الّذي يراد به البطن الّذي كان هو و أولاده عليهم السّلام منه، فقد

 

                       

صرّح بولاية أنفسهم و عدم صلاحية غيرهم لأمر الولاية.

2- و منها قوله عليه السّلام في خطبة خطب بها لمّا جي‏ء به عليه السّلام ليبايع أبا بكر من قوله:

الحمد للّه الّذي اتخذ محمّدا صلّی اللّه عليه و آله منّا نبيّا و بعثه إلينا رسولا، اللّه اللّه يا معشر المهاجرين و الأنصار لا تنسوا عهد نبيّكم إليكم في أمري، اللّه اللّه يا معشر قريش لا تخرجوا سلطان محمّد صلّی اللّه عليه و آله في العرب من داره و قعر بيته إلی دوركم و قعور بيوتكم، و لا تدافعوا أهل بيته عن مقامه في الناس و حقّه، فو اللّه معاشر الجمع إنّ اللّه قضی و حكم و نبيّه أعلم و أنتم تعلمون بأنّا أهل بيت النبوّة و معدن الحكمة و أمان أهل الأرض و نجاة الامّة من المشقّة و البلاء، و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم، أما كان فينا القاري لكتاب اللّه الفقيه في دين اللّه العالم بسنن رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله المضطلع بأمر الرعية الدافع عنهم الامور السيّئة القاسم بينهم بالسويّة؟ و اللّه إنّه لفينا لا فيكم فلا تتّبعوا الهوی فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا و تفسدوا قديمكم بحديثكم، إنّ لنا حقّا فإن أعطيناه أخذناه و إن لا ركبنا أعجاز الإبل و إن طال السری، و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو عهد إلينا رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله عهدا لجادلنا عليه حتّی نموت و لم أترك ابن أبي قحافة يرق درجة واحدة من منبره ... «1».

فقد صرّح عليه السّلام بأنّ حقّ الولاية علی الامّة الّتي قام أبو بكر بتصدّيها كان له عليه السّلام، و لا محالة أنّ أبا بكر بل كلّ من يتصدّاها غيره فلا محالة يكون غاصبا عاصيا، بل إنّ تعبيره عليه السّلام بأنّهم عليهم السّلام بما أنّهم أهل بيت النبوّة أحقّ بهذا الأمر من سائر الناس يدلّ دلالة واضحة علی أنّ حقّ ولاية أمر الامّة إنّما هو لأهل البيت الّذين أوّلهم هو عليه السّلام إلی خاتمهم الّذي هو قائمهم.

3- و منها قوله عليه السّلام ضمن خطبة خطب بها حين بلغه خلع طلحة و الزبير بيعتهما: نحن أهل بيت النبوّة و عترة الرسول صلّی اللّه عليه و آله و أحقّ الخلق بسلطان الرسالة

                       

و معدن الكرامة الّتي ابتدأ اللّه بها هذه الامّة، و هذا طلحة و الزبير ليسا من أهل بيت النبوّة و لا من ذرّية الرسول صلّی اللّه عليه و آله، و ليسا من هذا الأمر بسبيل حين رأيا أنّ اللّه قد ردّ علينا حقّنا بعد أعصر، لم يصبرا حولا كاملا و لا شهرا واحدا حتّی وثبا علی دأب الماضين قبلهما، ليذهبا بحقّي و يفرّقا جماعة المسلمين عنّي، و اللّه الّذي لا إله إلّا هو إنّ طلحة و الزبير و عائشة بايعوني و نكثوا بيعتي، و ما استأنّوا فيّ حتّی يعرفوا جوري من عدلي، و أنّهم ليعلمون أنّي علی الحقّ و أنّهم مبطلون «1».

و دلالته علی أنّ الولاية علی امور المسلمين حقّ له قد أخذه الماضون و ردّه اللّه تعالی عليه واضحة، بل إنّ جعل موضوع صاحب الحقّ عترة الرسول صلّی اللّه عليه و آله يدلّ علی ثبوت الحقّ لسائر الأئمّة عليهم السّلام أيضا. و لا يحتمل إرادة غير هذا المعنی من الولاية إذ هي بهذا المعنی هي الّتي أخذوها عنه ثمّ ردّها اللّه إليها.

4- و منها ما كتبه في كتاب إلی بعض أكابر أصحابه: «قال رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: إنّ العبد إذا دخل حفرته أتاه ملكان: أحدهما منكر و الآخر نكير، فأوّل ما يسألانه عن ربّه ثمّ عن نبيّه ثمّ عن وليّه، فإن أجاب نجا و إن تحيّر عذّباه. فقال قائل: فما حال من عرف ربّه و عرف نبيّه و لم يعرف وليّه؟ فقال صلّی اللّه عليه و آله: ذلك مذبذب لا إلی هؤلاء و لا إلی هؤلاء وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. قيل: فمن الوليّ يا رسول اللّه؟ فقال: وليّكم في هذا الزمان أنا، و من بعدي وصيّي عليّ، و من بعده وصيّه- إلی أن قال:- و كذلك أوحی تبارك و تعالی إلی آدم: قد انقضت مدّتك و قضيت نبوّتك و استكملت أيّامك و حضر أجلك فخذ النبوّة و ميراث العلم و اسم اللّه الأكبر فادفعه إلی ابنك هبة اللّه، فإنّي لم أدع الأرض بغير علم تعرف به طاعتي و تعرف به ولايتي، فلم يزل الأنبياء و الأوصياء يتوارثون ذلك حتّی انتهی الأمر إليّ، و أنا أدفع ذلك إلی عليّ بن أبي طالب وصيّي، و هو منّي بمنزلة هارون من‏

                       

موسی، و إنّ عليّا يورّث ولده حيّهم عن ميّتهم، فمن سرّه أن يدخل جنّة ربّه فليتولّ عليّا و الأوصياء من بعده، و ليسلّم لفضلهم فإنّهم الهداة بعدي» «1».

و دلالة فقرتيه علی المطلوب واضحة، إذ في الفقرات الاولی صرّح بأنّه صلّی اللّه عليه و آله ما دام حيّا فهو وليّ المسلمين و بعده يكون وليّهم عليّا عليه السّلام ثمّ أوصياؤه الآخرون، كما أنّ الفقرات الثانية قد جعل هو صلّی اللّه عليه و آله وليّا من اللّه تعالی و دفع هذه الولاية إلی عليّ بن أبي طالب و نصّ فيه أنّه منه بمنزلة هارون من موسی، فالولاية بنفسه ظاهرة في المعنی المطلوب و إطلاق المنزلة أيضا يقتضي هذا المعنی، ثمّ صرّح بأنّ هذه الولاية ثابتة لأولاد عليّ الّذين هم أوصياؤه.

5- و منها ما ذكره في عهده إلی محمّد بن أبي بكر حين ولّاه مصر خطابا لأهل مصر من قوله عليه السّلام: و اعلموا يا عباد اللّه أنّكم إذا اتّقيتم ربّكم و حفظتم نبيّكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد و ذكرتموه بأفضل ما ذكر و شكرتموه بأفضل ما شكر و أخذتم بأفضل الصبر و جاهدتم بأفضل الجهاد و إن كان غيركم أطول منكم صلاة و أكثر صياما و صدقة، إذ كنتم أنتم أتقی و أخشع للّه عزّ و جلّ منهم و أنصح لأولياء اللّه و من هو وليّ الأمر من آل رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله «2».

و موضوع كلامه عليه السّلام أهل بيت النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و قد وصفهم بأنّهم وليّ الأمر من آله و كونهم وليّ الأمر لا معنی له إلّا أنّ بيدهم أمر ولاية امور الامّة الإسلامية فهو أيضا تامّ الدلالة علی المطلوب.

و هذه الموارد الخمسة كان مدلولها ثبوت ولاية الأمر لأهل بيت العصمة و الأئمّة المعصومين عليهم السّلام كلّهم.

6- و منها قوله عليه السّلام ضمن خطبة خطب بها بعد انصرافه من صفّين قال: إنّه لا يقاس بآل محمّد صلّی اللّه عليه و آله من هذه الامّة أحد و لا يسوّی بهم من جرت نعمتهم عليه‏

                       

أبدا، هم أطول الناس أغراسا و أفضل الناس أنفاسا، هم أساس الدين و عماد اليقين، إليهم يفي‏ء الغالي و بهم يلحق التالي، و لهم خصائص حقّ الولاية و فيهم الوصيّة و الوراثة و حجّة اللّه عليكم في حجّة الوداع يوم غدير خمّ و بذي الحليفة و بعده المقام الثالث بأحجار الزيت، تلك فرائض ضيّعتموها و حرمات انتهكتموها، و لو سلّمتم الأمر لأهله سلمتم و لو أبصرتم باب الهدی رشدتم «1».

فقد صرّح بأنّ خصائص حقّ الولاية إنّما هي لآل محمّد عليهم السّلام و أنّ فيهم الوصية و الوراثة، و قد ذكر ثلاثة موارد منها حجّة الوداع في غدير خمّ، كما وبّخ الناس بتضييع هذه الفرائض و انتهاك هذه الحرمات إذ سلّموا أمر الولاية إلی غير الأهل، و لو سلّموه إلی أهله سلموا.

و هذا المقال أيضا كما عرفت لم يختصّ بنفسه عليه السّلام بل أثبت الولاية لآل محمّد عليهم السّلام.

7- و منها قوله عليه السّلام ضمن الخطبة المذكورة: و علی يدي يتمّ اللّه موعده و يكمل كلماته، و بولايتي أكمل اللّه لهذه الامّة دينها، و أنا النعمة الّتي أنعمها اللّه علی خلقه 2.

فقد ذكر ولاية نفسه عليه السّلام و أنّها من اللّه تعالی و بها أكمل اللّه دين الامّة كما قال تعالی:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و قد مرّت روايات كثيرة ذيل هذه الآية تفسّرها بولاية أمير المؤمنين عليه السّلام، فتذكّر.

8- و منها قوله عليه السّلام في نفس هذه الخطبة: الآن إذ رجع الحقّ إلی أهله و نقل إلی منتقله و قد طلع طالع و لمع لامع و اعتدل مائل و استبدل اللّه بقوم قوما و بيوم يوما- إلی أن قال:- لقد عملت الولاة قبلي أعمالا عظيمة خالفوا فيها رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله متعمّدين لخلافه ناقضين لعهده مغيّرين لسنّته، و لو حملت الناس علی تركها و تحويلها عن مواضعها إلی ما كانت تجري عليه في عهد

                       

رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لتفرّق عنّي جندي حتّی لا يبقی في عسكري غيري و قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله.

ثمّ ذكر سبعة و عشرين موردا من هذه الموارد و أنّه عليه السّلام لو ردّها إلی ما كانت في عهد الرسول لتفرّق عنه الجند، ثمّ قال: بؤسي لما لقيت من هذه الامّة بعد نبيّها من الفرقة و طاعة أئمّة الضلال و الدعاة إلی النار «1».

فقوله عليه السّلام هذا يدلّ علی أنّ حقّ الولاية علی الامّة إنّما كان له قد رجع إليه بعد ما انتقل عنه، كما يدلّ علی أنّ الولاة الثلاثة الّذين كانوا قبله قد غيّروا سنّة رسول اللّه في موارد كثيرة متعمّدين لخلافه ناقضين عهده، و اعتاد الناس علی هذه الموارد المتغيّرة بحيث يوجب ردّ هذه الموارد إلی ما كانت عليه في عهده تفرّق جنده إلّا القليل من شيعته.

فدلالة هذا المقال أيضا علی حقّ الولاية له عليه السّلام و أنّ غيره عاص طاغوت تامّة واضحة.

9- و منها قوله عليه السّلام في ذيل خطبة: فاتّقوا اللّه أيّها الناس حقّ تقاته و استشعروا خوف اللّه جلّ ذكره و أخلصوا النفس، و توبوا إليه من قبيح ما استفزّكم الشيطان من قتال وليّ الأمر و أهل العلم بعد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، و ما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة و تشتيت الأمر و فساد صلاح ذات البين، إنّ اللّه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيّئات و يعلم ما تفعلون إنّه قريب مجيب «2».

فإنّه دالّ بوضوح علی أنّه عليه السّلام كان وليّ الأمر بعد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و قد تعاونوا علی قتاله و تشتيت أمر الامّة، و أمر الناس بالتوبة من فعلهم هذا إلی اللّه تعالی فإنّه قريب مجيب.

10- و منها قوله عليه السّلام في خطبته المعروفة بالقاصمة: و لقد سمعت رنّة الشيطان‏

                       

حين نزل الوحي عليه صلّی اللّه عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع و تری ما أری إلّا أنّك لست بنبيّ و لكنّك لوزير و إنّك لعلی خير «1».

و دلالته مبنيّة علی أنّ وزارته تقتضي أن يكون قائما مقام الرسول في حياته و بعد وفاته، و شمول هذه الوزارة لما بعد الوفاة عبارة اخری عن كونه وليّ أمر الامّة بعده إلّا أنّ في شموله لما بعد الوفاة تأمّلا واضحا فإنّ الوزارة مساوقة للإعانة، و هي تختصّ بزمن حياة المعان كما لا يخفی.

11- و منها قوله عليه السّلام في خطبة طويلة معروفة بالوسيلة: [أيّها الناس‏] إنّ اللّه تبارك اسمه امتحن بي عباده و قتل بيدي أضداده و أفنی بسيفي جحّاده و جعلني زلفة للمؤمنين و حياض موت علی الجبّارين و سيفه علی المجرمين، و شدّ بي أزر رسوله و أكرمني بنصره و شرّفني بعلمه و حباني بأحكامه و اختصّني بوصيّته و اصطفاني بخلافته في امّته، فقال صلّی اللّه عليه و آله و قد حشده المهاجرون و الأنصار و انغصّت بهم المحافل: «أيّها الناس؛ إنّ عليّا منّي بمنزلة هارون من موسی إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» فعقل المؤمنون عن اللّه نطق الرسول، إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه و امّه كما كان هارون أخا موسی لأبيه و امّه و لا كنت نبيّا فأقتضي نبوّة، و لكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسی هارون عليهما السّلام حيث يقول: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. و قوله صلّی اللّه عليه و آله حين تكلّمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول اللّه فخرج رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله إلی حجّة الوداع ثمّ صار إلی غدير خمّ فأمر فأصلح له شبه المنبر ثمّ علاه و أخذ بعضدي حتّی رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله:

 «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه».

فكانت علی ولايتي ولاية اللّه و علی عداوتي عداوة اللّه. و أنزل اللّه عزّ و جلّ‏

                       

في ذلك اليوم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فكانت ولايتي كمال الدين و رضا الربّ جلّ ذكره ...

و لئن تقمّصها دوني الأشقيان و نازعاني فيما ليس لهما بحقّ و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة فلبئس ما عليه وردا و لبئس ما لأنفسهما مهّدا يتلاعنان في دورهما و يبرأ كلّ واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ فيجيبه الأشقی علی و ثوبه: يا وَيْلَتی‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا فأنا الذكر الّذي عنه ضلّ و السبيل الّذي عنه مال و الإيمان الّذي به كفر و القرآن الّذي إيّاه هجر و الدين الّذي به كذّب و الصراط الّذي عنه نكب ....

إنّ القوم لم يزالوا عبّاد أصنام و سدنة أوثان ... قد استحوذ عليهم الشيطان ...

فأخرجنا اللّه إليهم رحمة ... و أبدت لهم أيّام الرسول صلّی اللّه عليه و آله آثار الصالحين ... حتّی إذا دعا اللّه عزّ و جلّ نبيّه صلّی اللّه عليه و آله و رفعه إليه لم يك ذلك بعده إلّا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة إلی أن رجعوا علی الأعقاب ... و غيّروا آثار رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و رغبوا عن أحكامه و بعدوا من أنواره و استبدلوا بمستخلفه بديلا اتَّخَذُوهُ وَ كانُوا ظالِمِينَ و زعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولی بمقام رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله ممّن أختاره رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لمقامه، و أنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجريّ الأنصاريّ الربّانيّ ناموس بني هاشم بن عبد مناف، ألا و إنّ أوّل شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أنّ صاحبهم مستخلف رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، فلمّا كان من أمر سعد ابن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك و قالوا: إنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله مضی لم يستخلف «1».

و دلالة هذا القول المبارك منه عليه السّلام علی أنّه وليّ أمر الامّة بعد الرسول صلّی اللّه عليه و آله اختاره لذلك و أنزل اللّه تعالی في كتابه الكريم أنّ ولايته إكمال للدين و رضا الربّ‏

                       

فكان هو عليه السّلام وليّ أمر المسلمين من اللّه تعالی و من النبيّ و علی أنّ الطواغيت الثلاثة و لا سيّما الأوّلين منهم ركبوها ضلالة يتلاعنان أنفسهما في سوء ما فعلاه و ارتكباه و أنّ الناس أيضا أعانوهم علی ارتكاب هذه الضلالة، فدلالة هذا الحديث علی جميع هذه المطالب واضحة تامّة.

12- و منها قوله عليه السّلام في هذه الخطبة المباركة أيضا: ألا إنّ حقّي هو حقّ اللّه، ألا إنّ حقّي هو حقّ اللّه، من عرفني و عرف حقّي فقد عرف ربّه لأنّي وصيّ نبيّه في أرضه و حجّته علی خلقه، لا ينكر هذا إلّا رادّ علی اللّه و رسوله «1».

و دلالته علی المطلوب بعناية أنّ مراده عليه السّلام من حقّه إنّما هو حقّ الولاية علی أمّة الإسلام و ذلك بقرينة سبق ذكره في العبارات السابقة و بقرينة أنّه استدلّ بأنّه وصيّ النبيّ، و الوصاية له عبارة اخری عن الولاية.

13- و منها قوله عليه السّلام في خطبة يومي فيها إلی الملاحم و يصف فئة من أهل الضلالة، قال عليه السّلام: حتّی إذا قبض اللّه رسوله صلّی اللّه عليه و آله رجع قوم علی الأعقاب و غالتهم السبل و اتّكلوا علی الولائج، و وصلوا غير الرحم و هجروا السبب (النسب- خ ل) الّذي امروا بمودّته، و نقلوا البناء عن رصّ أساسه فبنوه في غير موضعه «2».

و وجه دلالته أنّ الظاهر كونه إشارة إلی الخلاف الّذي ارتكبه المسلمون فهجروا النسب الّذي هو عليّ عليه السّلام و عترة النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و لم يخضعوا لولايتهم عليهم السّلام و مالوا إلی غيرهم فوصلوا غير الرحم و نقلوا بناء الولاية عن رصّ أساسه الّذي بناها فيه اللّه تعالی و رسوله و بنوها في غير موضعه من الطواغيت الثلاثة.

فيدلّ الحديث علی أنّ موضع الولاية و مبناها و موضع ركنها هو أهل البيت عليهم السّلام و أنّ نقلها إلی غير موضعها رجوع إلی الأعقاب و ضلال عن سبيل‏

                       

الإسلام، فهو تامّ الدلالة علی المطلوب فتدبّر جيّدا.

14- و منها قوله عليه السّلام في هذه الخطبة أيضا: أيّتها الامّة المتحيّرة بعد نبيّها في دينها الّتي خدعت فانخدعت و عرفت خديعة من خدعها فاصرّت علی ما عرفت، و اتّبعت أهواءها و خبطت في عشواء غوايتها، و قد استبان لها الحقّ فصدعت عنه، و الطريق الواضح فتنكّبته.

أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو كنتم قدّمتم من قدّم اللّه و أخّرتم من أخّر اللّه و جعلتم الولاية و الوراثة حيث جعلها اللّه و اقتبستم العلم من معدنه و شربتم الماء بعذوبته و ادّخرتم الخير من موضعه و أخذتم الطريق من واضحه و سلكتم الحقّ من نهجه لنهجت بكم السبل و بدت لكم الأعلام و أضاء لكم الإسلام فأكلتم رغدا و ما عال فيكم عائل و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد.

و لكنّكم سلكتم سبل الضلال فاظلمّت عليكم دنياكم برحبها و سدّت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم و اختلفتم في دينكم فأفتيتم في دين اللّه بغير علم و اتّبعتم الغواة فأغووكم و تركتم الأئمّة فتركوكم فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم: هو العلم بعينه فكيف و قد تركتموه و نبذتموه و خالفتموه؟!

فذوقوا و بال أمركم و ما فرّطتم فيما قدّمت أيديكم و ما اللّه بظلّام للعبيد. رويدا عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم و تجدون وخيم ما أجرمتم و ما اجتلبتم.

فو الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لقد علمتم أنّي صاحبكم و الّذي به امرتم، و أنّي عالمكم و الّذي بعلمه نجاتكم و وصيّ نبيّكم صلّی اللّه عليه و آله و خيرة ربّكم و لسان نوركم و العالم بما يصلحكم.

فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم و ما نزل بالامم قبلكم و سيسأل اللّه عزّ و جلّ عن أئمّتكم، فمعهم تحشرون و إلی اللّه عزّ و جلّ تصيرون وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ‏

                       

ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «1».

فهذا المقال المبارك كما تری يدلّ بوضوح أوّلا و آخر علی أنّه عليه السّلام هو وليّ أمر المسلمين من اللّه تعالی الّذي قدّمه اللّه و جعل له الولاية و الّذي به أمر و كان خيرة الربّ و وصيّ النبيّ، و علی أنّ غيره هو من أخّره اللّه و أنّ الامّة مع علمها بحقّه و ولايته لم يقدّموه و لم يتّبعوه بل اتّبعوا الغواة فأغووهم، و سيعلمون أيّ منقلب ينقلبون.

بل لا يبعد دعوی دلالته علی أنّه قد جعل للأمّة أئمّة و هم تركوا الأئمّة فتركوهم و أنّهم سيسألهم اللّه عن أئمّتهم و أنّهم يحشرون مع أئمّتهم، فيدلّ الحديث المبارك علی ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام صريحا و علی أنّ للأمّة أئمّة حقّ آخرين من دون بيان لأشخاصهم كما لا يخفی.

15- و منها قوله عليه السّلام في خطبة خطب بها بعد وقعة النهروان: و أنا الصدّيق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، و أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر، و صلّيت مع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قبل أن يصلّي معه أحد من الناس، أنا صفيّ رسول اللّه و صاحبه، و أنا وصيّه و خليفته من بعده ... إلی أن قال:

ورثت نبيّ الرحمة و نكحت سيّدة نساء أهل الجنّة و أنا سيّد الوصيّين و وصيّ سيّد النبيّين، أنا إمام المسلمين و قائد المتّقين و وليّ المتّقين ... أنا يعسوب المؤمنين و أوّل السابقين و آية الناطقين و إمام المتّقين و قائد الغرّ المحجّلين و خاتم الوصيّين و وارث النبيّين و خليفة ربّ العالمين 2.

وجه دلالته أنّه بعد ما كان من المسلّم ثبوت هذه الولاية العظمية لرسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله كما يدلّ عليه مثل قوله تعالی: النَّبِيُّ أَوْلی‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فكونه عليه السّلام خليفته و وصيّه بإطلاقه القويّ يقتضي أنّه عليه السّلام أيضا وليّ أمر المسلمين بمقتضی‏

                       

هذه الخلافة و الوصاية لا سيّما و هو عليه السّلام قايس بين إيمان نفسه و إيمان أبي بكر الّذي تصدّی لمنصب هذه الولاية غصبا.

و بالجملة: فدلالة هذا المقال علی المطلوب تامّة بلا ريب.

16- و منها ما أفاده عليه السّلام في هذه الخطبة أيضا في جواب سؤال ابن الكوّاء:

أخبرني عن بصير بالليل و بصير بالنهار، و عن أعمی بالليل أعمی بالنهار، و عن أعمی بالليل بصير بالنهار، و عن بصير بالليل أعمی بالنهار.

فقال عليه السّلام: ويلك!! أمّا بصير بالليل و بصير بالنهار فهو رجل آمن بالرسل و الأوصياء الّذين مضوا و بالكتب و النبيّين و آمن باللّه و نبيّه محمّد صلّی اللّه عليه و آله و أقرّ لي بالولاية فأبصر في ليله و نهاره.

و أمّا أعمی بالليل و أعمی بالنهار فرجل جحد الأنبياء و الأوصياء و الكتب الّتي مضت و أدرك النبيّ و لم يؤمن به و لم يقرّ بولايتي فجحد اللّه عزّ و جلّ و نبيّه صلّی اللّه عليه و آله فعمی بالليل و عمی بالنهار.

و أمّا بصير بالليل و أعمی بالنهار فرجل آمن بالأنبياء و الكتب و جحد النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و أنكرني حقّي فأبصر بالليل و عمی بالنهار.

و أمّا أعمی بالليل و بصير بالنهار فرجل جحد الأنبياء الّذين مضوا و الأوصياء و الكتب و أدرك محمّدا صلّی اللّه عليه و آله فآمن باللّه و برسوله محمّد صلّی اللّه عليه و آله و آمن بإمامتي و قبل ولايتي فعمی بالليل و أبصر بالنهار.

ويلك يا ابن الكوّاء!! فنحن بنو أبي طالب بنا فتح اللّه الإسلام و بنا يختمه «1».

فقد جعل الإقرار بولايته و الإيمان بإمامته إبصارا بالنهار الّذي هو عهد ظهور الإسلام كما أنّ عدم الإقرار بها عديل لعدم الإيمان بالنبيّ صلّی اللّه عليه و آله و يكون أعمی بالنهار، و قد قرّر و صرّح في ذيل كلامه بأنّ هذا ممّا جعله اللّه تعالی له حيث فتح‏

                       

بهم الإسلام و ختمه، فيدلّ دلالة تامّة علی أنّ اللّه تعالی جعله وليّ أمر الامّة.

ثمّ إنّ الفقرة الأخيرة- أعني قوله عليه السّلام: «فنحن بنو أبي طالب بنا فتح اللّه الإسلام و بنا يختمه»- تدلّ بوضوح علی أنّ هذه الولاية و الدخالة إنّما جعلهما اللّه تعالی له لا بما أنّه شخص بل بما أنّه من بني أبي طالب فقد جعل اللّه هذا المقام لبني أبي طالب ففيه دلالة واضحة علی ولاية سائر الأئمّة الّذين هم أيضا من أولاد أبي طالب عليه و عليهم السلام.

17- و منها قوله عليه السّلام في خطبته المعروفة بالشقشقية الّتي خطب بها لمّا ذكرت الخلافة عنده و تقدّم من تقدّم عليه فتنفّس عليه السّلام الصعداء ثمّ قال:

أما و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة و أنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحی، ينحدر عنّي السيل و لا يرقی إليّ الطير، فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا، و طفقت [برهة] أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر علی طخية عمياء، يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير و يكدح فيها مؤمن حتّی يلقی اللّه ربّه، فرأيت أنّ الصبر علی هاتا أحجی، فصبرت و في العين قذی و في الحلق شجا، أری تراثي نهبا.

حتّی إذا مضی الأوّل لسبيله فأدلی بها إلی فلان [أخي عدي‏] بعده، ثمّ تمثّل عليه السّلام بقول الأعشی:

         شتّان ما يومي علی كورها             و يوم حيّان أخي جابر

 فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته. لشدّ ما تشطّرا ضرعيها. فصيّرها و اللّه في حوزة خشناء يغلظ كلمها و يخشن مسّها و يكثر العثار فيها و يقلّ الاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، و إن أسلس لها تقحّم، فمني الناس فيها لعمر اللّه بخبط و شماس و تلوّن و اعتراض، فصبرت علی طول المدّة و شدّة المحنة. حتّی إذا مضی لسبيله جعلها شوری في جماعة زعم أنّي أحدهم.

فيا للّه لهم و للشوری متی اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّی صرت الآن‏

                       

اقرن إلی هذه النظائر؟! لكنّي أسففت مع القوم إذا أسفّوا و طرت معهم إذ طاروا.

فصغا رجل منهم لضغنه و مال الآخر لصغره مع هن و هن «1» إلی أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه، و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه تعالی خضمة الإبل نبتة الربيع إلی أن انتكث عليه فتله و أجهز عليه عمله و كبت به بطنته.

فما راعني إلّا و الناس ارسالا إليّ كعرف الضبع إليّ ينثالون عليّ من كلّ وجه [و] جانب [يسألوني البيعة].

حتّی لقد وطئ الحسنان و شقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم.

فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة و مرقت اخری و فسقت شرذمة و قسط آخرون؛ كأنّهم لم يسمعوا اللّه سبحانه و تعالی يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

بلی و اللّه لقد سمعوها و وعوها و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم و راقهم زبرجها [و أعجبهم رونقها].

أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر و ما أخذ اللّه تعالی علی العلماء أن لا يقارّوا علی كظّة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها علی غاربها و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

فلمّا وصل عليه السّلام إلی هذا الموضع من مقاله قام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا فقطع عليه السّلام كلامه و أقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عبّاس رحمه اللّه:

يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك [خطبتك‏] من حيث أفضيت.

فقال عليه السّلام: هيهات هيهات يا ابن عبّاس تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت «2».

فهذه الخطبة المباركة تدلّ بوضوح علی أنّ حقّ ولاية الأمر علی المسلمين‏

                       

بعد النبيّ صلّی اللّه عليه و آله كان له عليه السّلام و ثبوت هذا الحقّ له كان واضحا حتّی أنّه يعلم أبو بكر ابن أبي قحافة أنّ محلّه عليه السّلام من الولاية محلّ القطب من الرحی يكون قوام أمره به عليه السّلام و إذا غصبوا هذا الحقّ منه طفق يرتئي بين القيام في وجههم و الجهاد معهم لأن يأخذه منهم، لكنّه رأی آخر الأمر أن يصبر علی هذه الطخية العمياء الّتي يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير، و ذلك أنّ يده كانت جذّاء لا يمكنه الوصول إلی أخذ حقّه بلا لزوم محذور، فصبر غير راض بولايتهم هؤلاء الطواغيت الظلمة، فصبر و في العين قذی و في الحلق شجا، يری تراثه الباقي له من الرسول الأعظم صلّی اللّه عليه و آله نهبا.

و بعد مضيّ الأوّل و عقده للثاني بعد وفاته صارت حوزتها خشناء فصبر زمانه أيضا علی طول المدّة و شدّة المحنة، و لمّا مضی الثاني أيضا جعلها شوری بين جماعة و جعله عليه السّلام قرينا مع هذه النظائر و الجماعة لخصوصيات أخلاقية و قرابة شخصية بينهم جعلوها لثالث القوم الّذي قام مع بني أبيه يخضمون مال اللّه تعالی نبتة الربيع إلی أن قامت الامّة في وجهه و قتلوه ثمّ انثالوا من كلّ وجه عليه عليه السّلام و بايعوه علی الولاية، و بعد قيامه بالأمر ظهرت الفئات الثلاث الناكثة و المارقة و القاسطة مع علمهم بأنّ الحقّ له عليه السّلام و أنّه يجب عليهم الإطاعة له عليه السّلام.

فهذه الخطبة الشريفة تدلّ علی المطلوب و أنّ حقّ الولاية علی الامّة كان له عليه السّلام بأوضح و أشدّ الدلالة.

18- و منها قوله عليه السّلام في خطبة خطبها بعد ما بويع عليه السّلام بالمدينة: ألا و قد كان لي حقّ حازه من لم آمنه عليه و لم أهبه له و لم أشركه فيه، فهو منه علی شفا جرف هار من نار جهنّم لا يستنقذه منها إلّا نبيّ مرسل يتوب علی يديه، ألا و لا نبيّ بعد محمّد صلّی اللّه عليه و آله «1».

فهذا المقال يدلّ علی انحصار حقّ الولاية له عليه السّلام و علی أنّ كلّ من حازه فقد ارتكب عصيانا كبيرا و صار بها علی شفا جرف هار من نار جهنّم لا خلاص له‏

                       

منها. فدلالته علی المطلوب تامّة واضحة.

19- و منها قوله عليه السّلام في نفس هذه الخطبة أيضا: و قد كانت امور مضت ملتم فيها عنّي ميلة كنتم عندي فيها غير محمودين [و لا مصيبين‏] أما و إنّي لو أشاء أن أقول لقلت و لكن عفا اللّه عمّا سلف، سبق الرجلان و قام الثالث كالغراب همّه بطنه و فرجه يا ويله لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له «1».

فقد ذكر مضيّ امور مال المسلمون فيها عنه عليه السّلام و دعا اللّه بالعفو فيها عنهم ثمّ أوضح هذه الامور الماضية أنّها هي تصدّي الطواغيت الثلاثة بأمر الولاية علی الامّة و الناس كانوا معهم و هم في ذلك غير محمودين.

فهذا المقال أيضا يدلّ بوضوح علی أنّ حقّ الولاية إنّما هو له عليه السّلام قد غصبه اولئك الثلاثة و تبعهم الناس و مالوا عنه عليه السّلام، فدلالته علی المطلوب تامّة واضحة.

20- و منها قوله عليه السّلام في خطبة خطب بها عند خروجه لقتال أهل البصرة: «مالي و لقريش ... و اللّه ما تنقم منّا قريش إلّا أنّا أهل بيت شيّد اللّه فوق بنيانهم بنياننا، و أعلی فوق رءوسهم رءوسنا، و اختارنا عليهم فنقموا علی اللّه أن اختارنا عليهم، و سخطوا ما رضي اللّه و أحبّوا ما كره اللّه، فلمّا اختارنا اللّه شركناهم في حريمنا ....

أ لست آية نبوّة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و دليل رسالته و علامة رضاه و سخطه؟ ولي كان يبري جماجم البهم و هام الأبطال إذا فزعت تيم إلی الفرار و عديّ إلی الانتكاص ....

يا معاشر المهاجرين و الأنصار، أين كانت سبقة تيم و عديّ إلی سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة؟! ألا كانت يوم الأبواء إذ تكاثفت الصفوف و تكاثرت الحتوف و تقارعت السيوف؟ أم هلّا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ودّ و قد نفخ بسيفه و شمخ بأنفه و طمح بطرفه؟ ... ثمّ سأل عن عدم خشيتهما سبعة مواضع اخر، ثمّ قال: أنا صاحب هذه المشاهد و أبو هذه المواقف و ابن هذه الأفعال الحميدة «2».

                       

و بيان دلالته أنّه عليه السّلام وبّخ قريشا علی نقمتهم منهم أهل البيت عليهم السّلام و فرض عليهم أنّهم كانوا يتبعون أبا بكر و عمر فذكر عليه السّلام أنّهما و قبيلتيهما لم يكونا عمادين للنبوّة و لا دليلين للرسالة بل هو عليه السّلام كان آية النبوّة و عمادا و سيفا قاطعا في خدمة الرسالة، و نبّه أيضا علی أنّ سبقتهما إلی مسألة تعيين الولاية يوم السقيفة لم تكن لأجل عدم وقوع فتنة علی الإسلام و إلّا فقد حدثت قبل مواضع عديدة فتنة شديدة علی الإسلام و لم يكن من واحد منهما سبقة إلی دفعها بل هو عليه السّلام كان الوحيد السابق لدفعها بحيث ليس فيه آية ريبة و خفاء.

فهذه المقالة فيها دلالة واضحة علی أنّه هو صاحب المفاخر و الكرامات الخاصّة الّتي بها يستحقّ الخلافة و الولاية و غيره من تيم و عديّ ليس لهما سابقة فضل في الإسلام و أنّ سبقتهما إلی أمر الولاية كانت للوصول إلی موضع القدرة لا غير و إن عنونوها بأنّها كانت لدفع الفتنة المحتملة.

و الحقّ الواضح أنّه كيف يدفع الفتنة و لا يتصوّر فتنة و النبيّ الأعظم صلّی اللّه عليه و آله أوضح أمر الامّة و بيّن وظيفتهم و عيّن بأمر اللّه تعالی وليّ أمر المسلمين بعده مرارا كان آخرها يوم الغدير سبعين يوما قبل ارتحاله إلی لقاء اللّه، و اللّه المنتقم و هو الواحد القهّار.

21- و منها قوله عليه السّلام في خطبة خطبها حين قتل طلحة و الزبير و انفضّ أهل البصرة: اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان و أفصح الخرساء ذات البرهان لأنّي فتحت الإسلام و نصرت الدين و عزّزت الرسول و ثبّت أركان الإسلام و بيّنت أعلامه و أعليت مناره و أعلنت أسراره و أظهرت آثاره و صفّيت الدولة و وطّأت للماشي و الراكب فإنّه شارطني رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله في كلّ موطن من مواطن الحروب و صافقني علی أن احارب للّه و احامي للّه و أنصر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله جهدي و طاقتي و كدحي و كدّي و احامي عن حريم الإسلام و أرفع عن أطناب الدين و اعزّ الإسلام و أهله، ثمّ سبقني إليه التيمي و العدوي كسباق الفرس احتيالا و اغتيالا و خدعة

                       

و غلبة عزب رأي امرئ تخلّف عنّي ما شككت في الحقّ مذ أويته ....

إلی أن قال: إنّه لم يوجس موسی عليه السّلام خيفة علی نفسه ارتيابا و لا شكّا في ما آتاه من عند اللّه بل أشفق من غلبة الجهّال و دول الضلال و غلبة الباطل علی الحقّ، و [أنا] لم أشكّ فيما آتاني من حقّ اللّه و لا ارتبت في إمامتي و خلافة ابن عمّي و وصية الرسول، اليوم أكشف السريرة عن حقّي و أجلي القذی عن ظلامتي حتّی يظهر لأهل اللبّ و المعرفة أنّي مذلّل مضطهد مظلوم مغصوب مقهور محقور و أنّهم ابتزّوا حقّي و استأثروا بميراثي ... هذا موقف صدق و مقام أنطق فيه بحقّي و أكشف الستر و الغمّة عن ظلامتي، و من وثق بماء لم يظمأ «1».

فهذا المقال المبارك أيضا بيّن عليه السّلام فيه بعض مآثره الموجبة لاستحقاقه بوحدته الولاية و بيّن أيضا أنّ سبقة تيم و عديّ و غيرهما إلی تصدّي ولاية المسلمين كانت احتيالا و اغتيالا و خدعة، و إلّا فهو عليه السّلام بوحده المستحقّ للولاية و لم يشكّ أصلا في إمامته و خلافته لابن عمّه، و إنّ هذا الحقّ ثبت له عليه السّلام من اللّه فهو حقّ له من اللّه، و قد رأی مصلحة بيان الظلم الوارد عليه ليظهر لأهل اللبّ و المعرفة أنّه مضطهد مظلوم ابتزّوا حقّه و وثقوا بماء كدر لم يظمأ، فهذا موقف الصدق و مقام نطق فيه بحقّه و كشف الغمّة عن ظلامته صلوات اللّه و سلامه عليه.

و بالجملة: فدلالة هذا القول أيضا علی ثبوت الولاية علی الامّة له من اللّه واضحة لا ريب فيها.

22- و منها قوله عليه السّلام لأهل الكوفة بعد دخوله إيّاها آتيا من البصرة: أنتم الأنصار علی الحقّ و الإخوان في الدين و الجنن يوم البأس و البطانة دون الناس، بكم أضرب المدبر و أرجو تمام طاعة المقبل، فأعينوني بمناصحة خليّة من الغشّ سليمة من الريب، فو اللّه إنّي لأولی الناس بالناس «2».

                       

فكما تری قد صرّح عليه السّلام فيه بأنّه أولی الناس بالناس، و قد مرّ أنّ هذه الأولوية عبارة اخری عن ولايته علی امور الناس، فدلالته علی ولايته عليهم واضحة إلّا أنّه لا ينفي احتمال دخل بيعة الناس في حصول هذه الولاية و لا يثبت أنّ هذه الولاية ثابتة له من اللّه تعالی بايعه الناس أم لا، فحيث كان هذا المقال بعد مبايعة الناس معه علی الولاية فلا محالة يحتمل دخلها في ثبوت الولاية، و من هذه الجهة تكون دلالته ناقصة.

23- و منها قوله عليه السّلام في كلام له لكميل بن زياد رحمه اللّه: قواعد الإسلام سبعة:

فأوّلها العقل و عليه بني الصبر، و الثانية صون العرض و صدق اللهجة، و الثالثة تلاوة القرآن علی جهته، و الرابعة الحبّ في اللّه و البغض في اللّه، و الخامسة حقّ آل محمّد صلّی اللّه عليه و آله و معرفة ولايتهم، و السادسة حقّ الإخوان و المحاماة عنهم، و السابعة مجاورة الناس بالحسنی «1».

فإنّ القاعدة الخامسة من الإسلام هي حقّ أهل البيت و معرفة ولايتهم و إضافة المعرفة إلی ولايتهم قرينة علی أنّ المراد بها هو تصدّي امور المسلمين، و إلّا فالولاية بمعنی المحبّة- لو سلّم أنّها أيضا من معانيها- لا تناسب تعلّق المعرفة بها بل هي أمر يلتزم بها بخلاف ولايتهم علی امور الامّة، فإنّها يعرف هذا الحقّ لهم و يجعلون ولاة امورهم.

24- و منها قوله عليه السّلام في كلام له يوم الشوری قبل البيعة لعثمان في عداد مزاياه قال عليه السّلام: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد غيري قال له رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله: «أوّل طالع عليكم من هذا الباب يا أنس أمير المؤمنين و سيّد المسلمين و أولی الناس بالناس» فقال أنس: اللّهمّ اجعله من الأنصار، فكنت أنا الطالع، فقال رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لأنس: «ما أنت بأوّل رجل أحبّ قومه»؟ فقالوا: اللّهمّ لا «2».

فقد حكی عليه السّلام أخبار الرسول الأعظم صلّی اللّه عليه و آله فيه أنّه أولی الناس بالناس و قد مرّ

                       

بيان دلالته علی أنّ من يقال فيه فهو وليّ أمر الناس فدلالته علی المطلوب تامّة.

25- و منها قوله عليه السّلام في نفس الكلام المذكور: هل فيكم أحد أخذ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله يوم غدير خمّ و قال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه فليبلّغ الحاضر الغائب»؟ قالوا: اللّهمّ لا «1».

و هذا نصّ خبر غدير خمّ الّذي مرّت دلالته علی المطلوب، فتأمّل.

26- و منها قوله عليه السّلام في نفس هذا الكلام: فهل تعلمون أنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال لي غزاة تبوك: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسی إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»؟ قالوا:

اللّهمّ نعم «2».

و دلالته بملاحظة أنّ مفاد كلامه صلّی اللّه عليه و آله إطلاق المنزلة و حيث إنّ من المسلّم أنّه صلّی اللّه عليه و آله وليّ أمر الامّة و أولی بالمؤمنين من أنفسهم فلا محالة يكون لعليّ عليه السّلام هذه الرتبة و هو المطلوب.

27- و منها قوله عليه السّلام في نفس هذا الكلام: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد غيري أدّی الزكاة و هو راكع فنزلت فيه: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ؟ قالوا: اللّهمّ لا 3.

و قد مضی بيان دلالة الآية المباركة علی ولايته بالمعنی المطلوب، فتذكّر.

28- و منها قوله عليه السّلام في أواخر نفس هذا الكلام مخاطبا أهل الشوری: أمّا إذا أقررتم علی أنفسكم و استبان لكم ذلك من قول نبيّكم فعليكم بتقوی اللّه وحده لا شريك له و أنهاكم عن سخطه، و ردّوا الحقّ إلی أهله و اتّبعوا سنّة نبيّكم صلّی اللّه عليه و آله فإنّكم إن خالفتم خالفتم اللّه فادفعوها إلی من هو أهلها و هي له «4».

فهذه القسمة من الكلام استنتاج عمّا سبقها من الأدلّة المبيّنة عن أنّ الولاية علی الامّة حقّ إلهي له بحكم اللّه و الرسول، و لذا فقد أمرهم بدفعهم لها إلی أهلها و أنّ‏

                       

مخالفتهم حينئذ مخالفة اللّه و الرسول و أنّ دفعها إليه اتباع لسنّة رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، و كيف كان فدلالتها أيضا علی المطلوب تامّة واضحة.

29- و منها قوله عليه السّلام في كلام لابنه الحسن: إنّ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله قبض و ما أری أحدا حقّ بهذا الأمر منّي، فبايع الناس أبا بكر فبايعت كما بايعوا. ثمّ إنّ أبا بكر هلك و ما أری أحدا أحقّ بهذا الأمر منّي، فبايع الناس عمر بن الخطّاب فبايعت كما بايعوا.

ثمّ إنّ عمر هلك و ما أری أحدا أحقّ بهذا الأمر منّي فجعلني سهما من ستّة أسهم، فبايع الناس عثمان فبايعت كما بايعوا. ثمّ سار الناس إلی عثمان فقتلوه ثمّ أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين، فو اللّه يا بنيّ ما زلت مدفوعا عن حقّي مستأثرا عليّ منذ قبض اللّه تعالی نبيّه صلّی اللّه عليه و آله حتّی يوم الناس هذا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «1».

و دلالته علی أنّ الولاية علی الناس و امورهم بعد الرسول صلّی اللّه عليه و آله حقّ له دفعوها عنه منذ قبض النبيّ و ظلموه عليه السّلام فيه تامّة واضحة.

30- و منها كلام له عليه السّلام في الرحبة بالكوفة لمّا ناشد رهطا من أصحاب رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله أمام الناس منهم أبو هريرة و أبو سعيد و أنس بن مالك و هم حول المنبر فقال عليه السّلام لهم: «انشدكم اللّه رجلا سمع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله يقول لي و هو منصرف من حجّة الوداع يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و أخذل من خذله و أدر الحقّ معه كيفما دار، اللّهمّ من أحبّه من الناس فكن له حبيبا و من أبغضه فكن له مبغضا» إلّا قام فشهد، فقام إليه رجال فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله يقول ذلك و لم يقم أنس بن مالك و لم يقل شيئا، فقال عليه السّلام له: يا أنس لقد حضرتها فما منعك أن تقوم و تشهد بما سمعت رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله؟ قال: يا أمير المؤمنين كبر سنّي و صار ما أنساه أكثر ممّا أذكره، فقال عليه السّلام: إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة،

                       

فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يری إلّا مبرقعا حتّی مات «1».

فقد ناشدهم بكلام قاله له رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله يوم الغدير و هو كلام دلالته علی ولايته عليه السّلام واضحة و قد اصيب بالداء من كذب و لم يشهد به.

31- و منها قوله عليه السّلام في كلام له لبعض أصحابه و قد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحقّ به و أنتم أعلم الناس بالكتاب و السنّة و الأعلون نسبا و الأكرمون حسبا و الأتمّون شرفا و الأشدّون نوطا برسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و قرابة؟

فقال عليه السّلام: يا أخا بني أسد ... و قد استعلمت فاعلم، أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام و نحن الأعلون نسبا و الأشدّون برسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله نوطا فإنّها كانت إثرة [إمرة- خ ل‏] شحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين، و نعم الحكم اللّه العدل و المعوّد إليه يوم القيامة و في الساعة ما يؤفكون و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ.

         ودع عنك نهبا صيح في حجراته             و لكن حديثا ما حديث الرواحل «2»

 فإنّ الظاهر منه أنّ موضوع السؤال و المراد بهذا المقام في السؤال و الجواب هو مقام ولاية أمر الامّة، فقد فرض السائل أنّ عليّا عليه السّلام و أهل البيت أحقّ به فصدّقه عليه السّلام عليه بأنّ علّة دفعهم عنها إنّما هو شحّ أنفس عليها تصدّتها غصبا و سخاء أنفس ذوات الحقّ عنها و اللّه تعالی هو الحكم العدل في هذا الظلم الكبير و هو المعوّد إليه يوم القيامة و هذا نهب صيح عليه في مواقع وقوعه و كلّ نبأ مستقرّ سوف يعلمون. و عليه فدلالته علی أنّ حقّ الولاية إنّما هو له عليه السّلام نهبوه منه و الحكم فيه إلی اللّه تعالی واضحة تامّة.

32- و منها ما كتبه عليه السّلام في كتاب له إلی معاوية و من معه من الناس: ثمّ إنّ أولی الناس بأمر هذه الامّة قديما و حديثا أقربهم من رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و أعلمهم‏

                       

بكتاب اللّه عزّ و جلّ و أفقههم في دين اللّه و أوّلهم إسلاما و أفضلهم جهادا و أشدّهم بما تحمّله الأئمّة من أمر الامّة اضطلاعا «1».

و من الواضح أنّ الموصوف المنحصر بهذه الصفات هو نفسه عليه السّلام فلا محالة هو أولی الناس بأمر هذه الامّة و الولاية عليها.

33- و منها ما كتبه عليه السّلام في كتاب آخر له إلی معاوية من قوله عليه السّلام: و أمّا الإبطاء عنهم و الكراهة لأمرهم فإنّي لست أعتذر منه إليك و لا إلی الناس، و ذلك لأنّ اللّه جلّ ذكره لمّا قبض نبيّه محمّدا صلّی اللّه عليه و آله اختلف الناس، فقالت قريش: منّا الأمير، و قالت الأنصار: منّا الأمير، فقالت قريش: منّا محمّد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فنحن أحقّ بالأمر منكم، فعرفت ذلك الأنصار فسلّمت لقريش الولاية و السلطان، فإذا استحقّوها بمحمّد صلّی اللّه عليه و آله دون الأنصار فإنّ أولی الناس بمحمّد صلّی اللّه عليه و آله أحقّ بها منهم و إلّا فإنّ الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا، فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقّي أخذوا أو الأنصار ظلموا؟ بل عرفت أنّ حقّي هو المأخوذ و قد تركته لهم تجاوز اللّه عنهم، فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي و لم تكن له كسابقتي الّتي لا يدلي أحد بمثلها» 2.

فمورد كلامه عليه السّلام هو مسألة الولاية علی امور المسلمين، و قد أجاب عليه السّلام عن مزعمة معاوية بما أفاد و أثبت أنّ الحقّ كان له قد أخذه ظلما و لا محالة تركه لهم.

فدلالته علی المطلوب تامّة واضحة. و جملته الأخيرة المتضمّنة لإعجابه إنّما جاء عليه السّلام بها استعجابا لأمر الدهر و عدّ بعض الأراذل الجهّال من الناس لمعاوية الّذي لا سابقة له حسنة في مقابله عليه السّلام و جعلهم له عدلا له.

34- و منها ما كتبه عليه السّلام في كتاب آخر له إلی معاوية: و متی كنتم يا معاوية ساسة الرعية و ولاة أمر الامّة بغير قدم حسن سابق و لا شرف علی قومكم باسق، فنعوذ باللّه من لزوم سوابق الشقاء، و احذّرك أن تكون متماديا في غرّة الأمنية

                       

مختلف العلانية و السريرة، و اعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلی الناس أو بأيديهم لحسدوناه و لا تثنّوا به علينا، و لكنّه قضاء ممّن منحناه و اختصّنا به علی لسان نبيّه الصادق المصدّق، لا أفلح من شكّ بعد العرفان و البيّنة «1».

فمصبّ كلامه عليه السّلام كما تری ولاية الامّة الإسلامية و قد نفی صلاحية تصدّيها عن مثل معاوية و أثبتها لنفسه لا بإعطاء من الناس و لا دخل لهم فيه بل جعلها أمرا إلهيّا منحه اللّه إيّاه و اختصّه به علی لسان نبيّه الصادق المصدّق، فهذا المقال من أتمّ الأدلّة علی إثبات مطلوبنا، و الحمد للّه تعالی.

35- و منها ما كتبه عليه السّلام جوابا لمعاوية: و قلت: إنّي كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّی ابايع، و لعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت و أن تفضح فافتضحت، و ما علی المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا في دينه و لا مرتابا بيقينه، و هذه حجّتي إلی غيرك قصدها و لكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها «2».

و من الواضح أنّ موضوع مزعمة معاوية هو أنّ عليّا عليه السّلام اقيد جبرا عليه إلی أن يبايع معاوية علی أن يكون وليّ أمر المسلمين فزعم هذا ذمّا و فضاحة عليه عليه السّلام، و حينئذ فجوابه عليه السّلام عنه بأنّ هذا ليس ذمّا بل هو سند قويّ لمظلوميّته إذ أخذوا حقّه جهرا و أقادوه جبرا لأن يبايع غاصب هذا الحقّ. فدلالته علی أنّ حقّ ولاية أمر الامّة إنّما يكون له و قد ظلموه في أخذها منه عليه السّلام تامّة واضحة.

كما يدلّ علی أنّ هذا الحقّ كان بنفسه له من دون أن يكون أمره إلی المسلمين و لا أن يكون لهم دخل فيه، بل هو حقّ إلهي أعطاه اللّه تعالی علی لسان نبيّه الصادق الأمين.

36- و منها ما كتبه عليه السّلام إلی أخيه عقيل جوابا لكتابه، ففيه: ودع عنك قريشا

                       

و خلّهم و تركاضهم في الضلال و تجوالهم في الشقاق و جماحهم في التيه، فإنّهم قد أجمعوا علی حربي اليوم كإجماعهم علی حرب رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله قبلي، فأصبحوا قد جهلوا حقّه و جحدوا فضله و بادروه العداوة و نصبوا له الحرب و جهدوا عليه كلّ الجهد و جرّوا عليه جيش الأحزاب و جدّوا في إطفاء نور اللّه، فجزت قريشا عنّي الجوازي بفعالها، فقد قطعوا رحمي و تظاهروا عليّ و دفعوني عن حقّي و سلبوني سلطان ابن امّي و سلّموا ذلك إلی من ليس مثلي في قرابتي من الرسول و حقّي في الإسلام و سابقتي الّتي لا يدّعي مثلها مدّع إلّا أن يدّعی ما لا أعرفه، و لا أظنّ اللّه يعرفه، فالحمد للّه علی كلّ حال»

.

فإنّ القسم الأخير من هذا المقال الّذي هو حكاية عن قريش في ظلمها له عليه السّلام قد تضمّن ذكر أنّهم تظاهروا عليه و دفعوه عن حقّه و سلبوه سلطانا و ولاية كانت لابن عمّه رسول اللّه و سلّموها إلی من لا يستحقّها، و ليس فيه الصفات اللازمة لمتولّيها الموجودة فيه عليه السّلام دونه، فهذا القسم دالّ علی أنّ حقّ الولاية علی الامّة إنّما كانت له دون غيره و قد ظلموه قريش فيه، و الحمد كلّه للّه.

37- و منها ما كتبه عليه السّلام في كتاب أمر أن يقرأ علی الناس كلّ جمعة و ذلك لمّا سألوه عن أبي بكر و عمر و عثمان، فغضب عليه السّلام و قال: أو قد تفرّغتم للسؤال عمّا لا يعنيكم و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي بها قد قتلت و قتل معاوية بن حديج محمّد ابن أبي بكر، فيا لها من مصيبة، ما أعظم مصيبتي بمحمّد، فو اللّه ما كان إلّا كبعض بنيّ، سبحان اللّه بينا نرجو أن نغلب القوم علی ما في أيديهم إذ غلبونا علی ما في أيدينا!!!.

و أنا مخرج لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم و أسألكم أن تحفظوا حقّي ما ضيّعتم فاقرءوه علی شيعتي و كونوا علی الحقّ أعوانا.

ثمّ أخرج عليه السّلام الكتاب لهم، و هو كتاب طويل نذكر قسما منه بطوله لاشتماله علی مطالب عالية، و فيه:

                       

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلی شيعته من المؤمنين و المسلمين ...

فلمّا مضی صلّی اللّه عليه و آله لسبيله و قد بلّغ ما ارسل به و ترك كتاب اللّه و أهل بيته إمامين لا يختلفان و أخوين لا يتخاذلان و مجتمعين لا يتفرّقان تنازع المسلمون الأمر من بعده و لقد قبض اللّه نبيّه محمّدا صلّی اللّه عليه و آله و لأنا أولی الناس به منّي بقميصي هذا، فو اللّه ما كان يلقی في روعي و لا يخطر ببالي و لا عرض في رأيي أنّ وجه الناس إلی غيري و أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلّی اللّه عليه و آله عن أهل بيته و لا أنّهم منحوه عنّي من بعده، فلمّا أبطئوا عنّي بالولاية لهممهم و تثبّط الأنصار و هم أنصار اللّه و كتيبة الإسلام، هم و اللّه ربّوا الإسلام كما يربّی الفلو مع عنائهم، بأيديهم السباط و ألسنتهم السلاط، و قالوا: أما إذا لم تسلّموها لعليّ فصاحبنا أحقّ بها من غيره.

فو اللّه ما أدري إلی من أشكو؟ فأمّا أن يكون الأنصار ظلمت حقّها و أمّا أن يكونوا ظلموني حقّي بل حقّي المأخوذ و أنا المظلوم.

فقال قائل قريش: إنّ نبيّ اللّه قال: «الأئمّة من قريش» فدفعوا الأنصار عن دعوتها و منعوني حقّي منها.

وا عجبا أ تكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالقرابة و الصحابة؟!!

         فإن كنت بالشوری ملكت امورهم             فكيف بهذا و المشيرون غيّب‏

          و إن كنت بالقربی حججت خصيمهم             فغيرك أولی بالنبيّ و أقرب‏

 و لقد أتاني رهط يعرضون النصر عليّ؛ منهم أبناء سعيد و المقداد بن الأسود و أبو ذرّ الغفاري و عمّار بن ياسر و سلمان الفارسي و الزبير بن العوّام و البراء بن عازب، فقلت لهم: إنّ عندي من نبيّ اللّه صلّی اللّه عليه و آله عهدا و له إليّ وصيّة و لست اخالف ما أمرني به، فو اللّه لو خزموني بأنفي لأقررت للّه تعالی سمعا و طاعة.

فما راعني إلّا انثيال الناس علی فلان [أبي بكر- خ ل‏] و إجفالهم إليه يبايعونه، فأمسكت يدي و رأيت أنّي أولی و أحقّ بمقام محمّد

                       

رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله في الناس ممّن تولّی الأمر من بعده.

و قد كان نبيّ اللّه أمّر اسامة بن زيد علی جيش و جعلهما في جيشه، و ما ظننت أنّه تخلّف عن جيش اسامة إذ كان النبيّ صلّی اللّه عليه و آله قد أمّره عليه و علی صاحبه، و ما زال النبيّ صلّی اللّه عليه و آله إلی أن فاضت نفسه يقول: أنفذوا جيش اسامة، أنفذوا جيش اسامة.

فلبثت بذلك ما شاء اللّه حتّی رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلی محق دين اللّه و محو ملّة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و إبراهيم عليه السّلام فخشيت إن أنا قعدت و لم أنصر الإسلام و أهله أن أری فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ثمّ يزول منها ما كان كما يزول السراب أو ينقشع كما ينقشع السحاب، و رأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم، فمشيت عند ذلك إلی أبي بكر فبايعته و نهضت مع القوم في تلك الأحداث حتّی زاح الباطل و زهق و اطمأنّ الدين و تنهنه و كانت كلمة اللّه هي العليا و لو كره الكافرون، و لو لا أنّي فعلت ذلك لباد الإسلام.

و لقد كان سعد لمّا رأی الناس يبايعون أبا بكر نادی: أيّها الناس إنّي و اللّه ما أردتها حتّی رأيتكم تصرفونها عن عليّ، و لا ابايعكم حتّی يبايعكم عليّ، و لعلّي لا أفعل و إن بايع، ثمّ ركب دابّته و أتی حوران و أقام في خان في عنان حتّی هلك و لم يبايع.

و قام فروة بن عمرو الأنصاري- و كان يقود مع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله فرسين و يصرم ألف وسق من تمر فيتصدّق به علی المساكين- فنادی: يا معشر قريش أخبروني هل فيكم رجل تحلّ له الخلافة و فيه ما في عليّ؟ فقال قيس بن محزمة الزهري:

ليس فينا من فيه ما في عليّ. فقال: صدقت، فهل في عليّ ما ليس في أحد منكم؟

قال: نعم. قال: فما صدّكم عنه؟ قال: اجتماع الناس علی أبي بكر. قال: أما و اللّه لأن أصبتم سنّتكم فقد أخطأتم سنّة نبيّكم، و لو جعلتموها في أهل بيت نبيّكم لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم.

فتولّی أبو بكر تلك الامور فيسّر و سدّد و قارب و اقتصد حسب استطاعته علی‏

                       

ضعف و حدّ كانا فيه، فصحبته مناصحا و أطعته فيما أطاع اللّه فيه جاهدا. و ما طمعت أن لو حدث به حادث و أنا حيّ أن يردّ إليّ الأمر الّذي نازعته فيه طمع مستيقن و لا يئست منه يأس من لا يرجوه.

و لو لا خاصّة بينه و بين عمر و أمر كانا رضياه بينهما لظننت أنّه لا يعدله عنّي.

و قد سمع قول النبيّ صلّی اللّه عليه و آله بريدة الأسلمي حين بعثني و خالد بن الوليد إلی اليمن:

 «إذا افترقتما فكلّ واحد منكما علی حياله و إذا اجتمعتما فعليّ عليكم جميعا».

فغزونا و أصبنا سبيا فيهم بنت جعفر جار الصفا، و إنّما سمّيت الصفا لحسنها، فأخذت الحنفيّة خولة، و اغتنمها خالد منّي و بعث بريدة إلی رسول اللّه محرّشا عليّ، فأخبره بما كان من أخذي خولة فقال [رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله‏]: يا بريدة حظّه في الخمس أكثر ممّا أخذ، إنّه وليّكم بعدي.

سمعها أبو بكر و عمر، و هذا بريدة حيّ لم يمت، فهل بعد هذا مقال لقائل؟

فلمّا احتضر بعث إلی عمر فولّاه دون المشورة.

و تولّی عمر الأمر فأقام و استقام، فسمعنا و أطعنا و بايعنا و ناصحنا علی عسف و عجرفية كانا فيه حتّی ضرب الدين بجرانه، فكان مرضيّ السيرة بين الناس ميمون النقيبة عندهم.

حتّی إذا احتضر قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الأمر عنّي للّذي قد رأی منّي في المواطن و بعد ما سمع من رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله ما سمع.

فجعلها عمر شوری و جعلني سادس ستّة، و أمر صهيبا أن يصلّي بالناس، و دعا أبا طلحة بن زيد بن سعد الأنصاري فقال له: كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبی أن يرضی من هؤلاء الستّة.

ثمّ اختلفوا «1» عثمان ثالثا [و هو] لم يكن يملك من أمر نفسه شيئا، غلب عليه أهله فقادوه إلی أهوائهم كما تقود الوليدة البعير المخطوم، فلم يزل الأمر بينه و بين‏

                       

الناس يبعد تارة و يقرب اخری حتّی نزوا عليه فقتلوه.

فالعجب من اختلاق القوم إذ زعموا أنّ أبا بكر استخلفه صلّی اللّه عليه و آله!! فلو كان هذا حقّا لم يخف علی الأنصار، فبايعه الناس علی شوری ثمّ جعلها أبو بكر لعمر برأيه خاصّة ثمّ جعلها عمر برأيه شوری بين ستّة، فهذا العجب من اختلاقهم!!

و الدليل علی ما لا احبّ أن أذكر قوله: «هؤلاء الرهط الّذين قبض رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و هو عنهم راض» فكيف يأمر بقتل قوم رضي اللّه عنهم و رسوله؟! إنّ هذا الأمر عجيب!!

و لم يكونوا لولاية أحد أشدّ كراهية منهم لولايتي عليهم، لأنّهم كانوا يسمعونني عند وفاة رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و أنا احاجّ أبا بكر و أقول: «يا معشر قريش إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان منكم من يقرأ القرآن و يعرف السنّة و يدين بدين اللّه الحقّ، أنا و اللّه أحقّ بهذا الأمر منكم و أنتم أولی بالبيعة لي.

و إنّما حجّتي أنّي وليّ هذا الأمر دون قريش أنّ نبيّ اللّه صلّی اللّه عليه و آله قال: «الولاء لمن أعتق» فجاء رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بعتق الرقاب من النار و بعتقها من السيف، و هذان لمّا اجتمعا كانا أفضل من عتق الرقاب من الرقّ فكان للنبيّ صلّی اللّه عليه و آله ولاء بهذه الامّة و كان لي بعده ما كان له.

أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم علی العرب بالقرابة من رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و تأخذونه منّا أهل البيت غصبا و ظلما.

أ لستم زعمتم للأنصار أنّكم أولی بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله لما كان محمّد منكم فأعطوكم المقادة و سلّموا إليكم الإمارة، و أنا احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به علی الأنصار و العرب.

أنا أولی برسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله منكم حيّا و ميّتا و أنا وصيّه و وزيره و مستودع علمه و سرّه و أنا الصدّيق الأكبر، أوّل من آمن به و صدّقه و أحسنكم بلاء في جهاد المشركين و أعرفكم بالكتاب و السنّة و أفقهكم في الدين و أعلمكم‏

                       

بعواقب الامور و أذربكم لسانا و أثبتكم جنانا.

فما جاز لقريش من فضلها علی العرب بالنبيّ صلّی اللّه عليه و آله جاز لبني هاشم علی قريش و ما [جاز] لبني هاشم علی قريش برسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله جاز لي علی بني هاشم، لقول النبيّ صلّی اللّه عليه و آله يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» إلّا أن تدّعي قريش فضلها علی العرب بغير النبيّ صلّی اللّه عليه و آله فإن شاءوا فليقولوا ذلك.

فعلام تنازعونا هذا الأمر؟ أنصفونا من أنفسكم إن كنتم تخافون اللّه (تؤمنون باللّه- خ ل) و أعرفوا الناس الأمر ما عرفته الأنصار لكم و إلّا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون.

فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي و إذا الميثاق في عنقي لغيري.

فخشي القوم إن أنا ولّيت عليهم أن آخذ بأنفاسهم و أعترض في حلوقهم و لا يكون لهم في الأمر نصيب ما بقوا، فأجمعوا عليّ إجماع رجل واحد حتّی صرفوا الولاية إلی عثمان و أخرجوني من الإمرة عليهم رجاء أن ينالوها و يتداولوها فيما بينهم إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي.

فبيناهم كذلك إذ نادی مناد لا يدری من هو و أظنّه جنّيّا فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان فقال:

         يا ناعي الإسلام قم فانعه             قد مات عرف و بدا منكر

          ما لقريش لا علا كعبها             من قدّموا اليوم و من أخّروا

          إنّ عليّا هو أولی به             منه فولّوه و لا تنكروا

 فكان لهم في ذلك عبرة و لو لا أنّ العامّة قد علمت ذلك لم أذكره.

ثمّ دعوني إلی بيعة عثمان فقالوا: هلمّ بايع و إلّا جاهدناك، فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا و علّمت أهل القنوت أن يقولوا: «اللّهمّ لك أخلصت القلوب و إليك شخصت الأبصار و أنت دعيت بالألسن و إليك تحوكم في الأعمال، فافتح بيننا و بين قومنا بالحقّ، اللّهمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا و كثرة عدوّنا و قلّة عددنا و هواننا علی الناس و شدّة الزمان و وقوع الفتن،

                       

اللّهمّ ففرّج ذلك بعدل تظهره و سلطان حقّ تعرفه».

و قال لي قائل منهم: إنّك علی الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت: لست عليه حريصا بل أنتم و اللّه. لأحرص عليه منّي و أبعد و أنا أخصّ و أقرب؛ أيّنا أحرص؟ أنا الّذي إنّما طلبت ميراث رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و حقّا لي جعلني اللّه و رسوله أولی به و إنّ ولاء امّته لي من بعده أم أنتم؟ إذ تحولون بيني و بينه و تضربون وجهي دونه بالسيف.

فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين، هب كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*.

اللّهمّ إنّي أستعديك علی قريش و من أعانهم، اللّهمّ فخذ بحقّي منهم و لا تدع مظلمتي لهم إنّك الحكم العدل فإنّهم قد قطعوا رحمي و اكفأوا انائي و أضاعوا أيّامي و دفعوا حقّي و صغّروا قدري و فضلي و عظيم منزلتي و استحلّوا المحارم منّي و أجمعوا علی منازعتي حقّا كنت أولی به من غيري فسلبونيه، ثمّ قالوا: «إنّك لحريص متّهم إلّا أنّ في الحقّ أن نأخذه و في الحقّ أن تمنعه، فاصبر مغموما كمدا و متّ متأسّفا حنقا».

و أيم اللّه لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا و لكنّهم لم يجدوا إلی ذلك سبيلا.

و إنّما حقّي علی هذه الامّة كرجل له حقّ علی قوم إلی أجل معلوم فإن أحسنوا و عجّلوا له حقّه قبله حامدا و إن أخّروه إلی أجله أخذه غير حامد، و لا يعاب المرء بتأخير حقّه إنّما يعاب من أخذ ما ليس له.

و قد كان رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله عهد إليّ عهدا فقال: «يا ابن أبي طالب لك ولاء أمّتي من بعدي، فإن ولّوك في عافية و أجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه فإنّ اللّه سيجعل لك مخرجا».

فنظرت فإذا ليس لي معين و لا رافد و لا ذابّ و لا معي ناصر و لا مساعد إلّا

                       

أهل بيتي فظننت بهم عن الموت [و] المنيّة، و لو كان لي بعد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله عمّي حمزة و أخي جعفر لم ابايع كرها و لكنّي بليت برجلين حديثي عهد بالإسلام العبّاس و عقيل.

فأغضيت عيني علی القذی و جرعت ريقي علی الشجا و صبرت من كظم الغيظ علی أمرّ من طعم العلقم و آلم للقلب من و خز الشفار و أخذ الكظم.

و أمّا أمر عثمان فكأنّه علم من القرون الأولی عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسی‏ خذله أهل بدر و قتله أهل مصر، و اللّه ما أمرت به و لا نهيت عنه، و لو أنّني أمرت به لكنت قاتلا أو انّي نهيت عنه لكنت ناصرا و كان الأمر لا ينفع فيه العيان و لا يشفی منه الخبر، غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، و من خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير منّي.

و أنا جامع لكم أمره، استأثر عثمان فأساء الإثرة و جزعتم فأسأتم الجزع و للّه عزّ و جلّ حكم واقع للمستأثر و الجازع، و اللّه ما يلزمني في دم عثمان تهمة، ما كنت إلّا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي فلمّا نقمتم عليه آتيتموه فقتلتموه ثمّ جئتموني راغبين إليّ في أمركم حتّی استخرجتموني من منزلي لتبايعوني؛ فأبيت عليكم و أبيتم عليّ و أمسكت يدي فنازعتموني و دافعتموني و بسطتم يدي فكففتها و مددتموها فقبضتها فالتويت عليكم لأبلو ما عندكم فراددتموني القول مرارا و راددتكم.

ثمّ تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم علی حياضها يوم وردها و قد أرسلها راعيها و خلعت مثانيها حرصا علی بيعتي حتّی انقطعت النعل و سقط الرداء و وطئ الضعيف و ازدحمتم عليّ حتّی ظننت أنّكم قاتلي أو أنّ بعضكم قاتل بعض لديّ فقلتم:

 «بايعنا فإنّا لا نجد غيرك و لا نرضی إلّا بك، بايعنا لا نفترق و لا تختلف كلمتنا».

فلمّا رأيت ذلك منكم روّيت في أمري و أمركم و قلت: إن أنا لم اجبهم إلی القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدا يقوم فيهم مقامي و يعدل فيهم عدلي، و قلت: و اللّه لألينّهم‏

                       

و هم يعرفون حقّي و فضلي أحبّ إليّ من أن يلوني و هم لا يعرفون حقّي و فضلي.

فبايعتموني يا معشر المسلمين علی كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّی اللّه عليه و آله و فيكم المهاجرون و الأنصار و التابعون بإحسان، و بلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج به الصغير و هدج إليها الكبير و تحامل نحوها العليل و حسرت إليها الكعاب «1».

فهذا القسم من هذا الكتاب الطويل- الّذي نقلنا منه قريب من نصفه- قد تضمّن بالصراحة و الظهور مرارا أنّ الولاية علی أمّة الإسلام حقّ شرعيّ إلهيّ لأمير المؤمنين عليه السّلام و قد تضمّن الاستدلال عليه بكلمات كثيرة عن النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و قد اختصّ بالاستدلال له بمسألة حقّ الولاء، و هو طريق خاصّ بهذا الكتاب علی ما ببالي، كما أنّه تضمّن إثبات ولايته استدلالا جدليّا اعترف القوم به، بل بحسب هذا الكتاب كان هو المستند الأصيل لتقدّم قريش علی سائر العرب و لا سيّما علی الأنصار و هو الاستدلال من طريق القرب النسبي من رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، فأفاد عليه السّلام أنّ القرابة إذا كانت ملاكا لتصدّي الأمر فكما أنّ قريشا تتقدّم علی غيرها فهكذا أهل البيت مقدّمون علی سائر قبائل قريش، فعليّ عليه السّلام هو الأقرب و وليّ أمر المسلمين.

و من مزايا هذا الكتاب كما أشرنا أنّه جعل كثيرا ما موضوع حقّ الولاية علی المسلمين عنوان أهل البيت، و هو عنوان منطبق علی غيره عليه السّلام من سائر الأئمّة المعصومين عليهم السّلام.

كما أنّه صريح في أنّ مبايعته لكلّ من الطواغيت الثلاثة كانت عن كره و لما رأی أنّه يبتلی الإسلام بمصيبة أشدّ مع أنّه لم يكن له ناصر و لا مساعد و لا ذابّ إلّا أخصّ أهل البيت ممّن يظنّ بهم عن الموت.

و بالجملة: فدلالة هذا الكتاب واضحة تامّة و لم أجد إلی الآن أتمّ و أوفی ببيان أمر غصب الولاية من هذا الكتاب، و لعلّ سرّه أنّه كتب لأجل بيان الأمر للشيعة، و لذلك فقد أمر بقراءته عليهم في كلّ يوم جمعة كما مرّ في صدر الكتاب.

                       

فهذه موارد كثيرة قريبة من أربعين موردا وفّقني اللّه تعالی للعثور عليها عند مطالعة الكتاب المبارك «تمام نهج البلاغة». و لعلّ المتتبّع المتأمّل يجد فيه موارد اخر علی بعد فيه.

فقد تحصّل من الآيات المباركات الماضية و الطوائف الكثيرة من الأخبار أنّ النبيّ صلّی اللّه عليه و آله و الأئمّة المعصومين عليهم السّلام كما أنّهم امناء اللّه في خلقه لبيان ما أحلّ اللّه و ما حرّم و سائر الأحكام و المعارف الإسلامية فهكذا كلّ منهم وليّ أمر الامّة قد فوّض إليه أمر إدارة امور الامّة الإسلامية و بلادها من اللّه تعالی و لا محالة إليهم تصدّي امور المسلمين، و إليهم و عليهم أخذ التصميم المناسب في كلّ ما هو مرتبط بالامّة الإسلامية.

إلّا أنّه لمّا كان بعض الآيات أو الأخبار واردا في خصوص بعضهم كالنبيّ و أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما و آلهما و إن كان لا دلالة فيه علی نفي هذه المرتبة من الولاية عن غيرهم و إلّا أنه تكون سائر العمومات أو الإطلاقات الماضية شاهدا علی التعميم.

لكنّه مع ذلك كلّه فلا بأس بنا أن نذكر بعض الأخبار الكثيرة الّتي تدلّ علی استواء جميعهم في هذا المقام و غيره كما وعدنا ذلك أيضا. و نذكر هذه الأخبار في ضمن طائفة خاصّة فنقول:

این مورد را ارزیابی کنید
(0 رای‌ها)
محتوای بیشتر در این بخش: « قسمت السادس قسمت8 »

پیام هفته

تکیه بر پشتوانه های مردمی
آیه شریفه : وَيَا قَوْم مَنْ يَنْصُرنِي مِنْ اللَّه إِنْ طَرَدْتهمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (سوره مبارکه هود ، آیه 30)ترجمه : ای قوم من ، اگر آن ها (توده مردم مومن) را از نزد خود برانم ، چه کسی مرا از عقوبت الهی مصون خواهد داشت ، آیا توجه نمی کنید (که کار من در اعتماد داشتن به مردم دست است؟).روایت : قال علی (ع): ... وَ لْيَكُنْ أَحَبَّ اَلْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي اَلْحَقِّ وَ أَعَمُّهَا فِي اَلْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَى اَلرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ اَلْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى اَلْخَاصَّةِ وَ إِنَّ سُخْطَ اَلْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى اَلْعَامَّةِ وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ اَلرَّعِ...

ادامه مطلب

موسسه صراط مبین

نشانی : ایران - قم
صندوق پستی: 1516-37195
تلفن: 5-32906404 25 98+

پست الکترونیکی: این آدرس ایمیل توسط spambots حفاظت می شود. برای دیدن شما نیاز به جاوا اسکریپت دارید